First Published: 2017-03-13

تونس ومزاج الثورة

 

الثورة في تونس مستمرة. مستمرة في صناعة السياسيين، بدلا من صناعة الانجازات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بعد أكثر من ست سنوات على وقوعها لا يزال مزاج ثورة الياسمين هو الطاغي على الشخصية التونسية.

"بعد الثورة" يبدأ التونسي حديثه معك كما لو أنه يضع يده على النقطة التي يبدأ منها تاريخ مختلف.

لا أحد يفكر في القطيعة مع الماضي. بل هناك أصوات تنادي باستعادة جزء من الماضي المدني الذي حاولت حركة النهضة بعد الثورة أن تعرضه للتشويش من خلال إشاعة الفوضى بين مفرداته.

وإذا ما كان التونسيون قد تخطوا المرحلة الأصعب حين انتصروا على العنف فإن مزاجهم الثقافي لا يزال يراهن على مزيد من التحولات الثورية التي لا تخضع لمسلمات من نوع القبول بالأمر الواقع.

لا تزال قيم الثورة مهيمنة على الحراك الاجتماعي الذي لا يقتصر على السياسة وحدها. وقد لا يكون نوعا من المبالغة إذا ما قلنا إن السياسة في هذا البلد النضر والغض واللين لا تمثل واجهة لكل شيء.

السياسيون المطالبون بإداء وظائفهم لا يمثلون في حقيقة وجودهم روح الثورة التي لا تزال مقيمة في الحراك الشعبي. وهو ما يدفع إلى الشعور بالاطمئنان. فالشعب الذي لم ينزلق إلى الفوضى حريص على الإمساك بعناصر المعادلة، بوصلته في ذلك صرخة ابنه الفذ "إذا الشعب يوما اراد الحياة".

بعد ست سنوات لا تزال الثورة مقيمة في الصدور.

قد تنطوي عبارة "الثورة مستمرة" على نوع من المغالاة، فالحياة في تونس طبيعية وما من شيء في الواقع المرئي يشير إلى أي نوع من أنواع الحراك الشعبي المناهض أو المتمرد أو المحتج. غير أن ما يُرى مباشرة لا يعبر دائما عن الحقيقة.

التونسيون يراقبون بدقة وحذر وشجاعة ما يجري في كواليس الحكم. وهو يثقون بأن كلمتهم ستأتي في الوقت المناسب من أجل أن لا تنحرف الثورة عن مسارها.

لقد سبق لهم أن جربوا حماية الثورة بالطرق الديمقراطية. وهو ما نجحوا في فرضه خيارا سياسيا وحيدا للتغيير لا يمكن العدول عنه.

ثورتهم المستمرة تعبر عن وجودها من خلال استمرارهم في التمسك بثوابت التغيير السلمي، بعيدا عن العنف أو فرض البدائل القسرية وهو ما جربته حركة النهضة إبان تسلمها الحكم وفشلت في فرضه.

لذلك فإن تعبير "الثورة مستمرة" يعني بالتأكيد تجذر مفهوم الثورة في نفوس التونسيين. ما يعني أنهم لن يقبلوا بالحلول التي يطرحها سياسيون لا يمتون بصلة إلى روح الثورة، بالرغم من تصدرهم المشهد السياسي.

تلك المعادلة يمكن فهمها من خلال العودة إلى مزاج ثورة الياسمين. ذلك المزاج الذي لم يكن سياسيا خالصا، بل ساهمت ظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية في خلقه.

فإذا ما كان التونسيون يراقبون تحولات الوضع السياسي المتقلب فإن عينهم الخفية تنظر إلى ما يمكن أن يُنجز من قبل الحكومة على المستويات الأخرى، بعيدا عن الثرثرة في السياسة.

ما يعرفه التونسيون أن الهدف من ثورتهم لم يكن استبدال نظام سياسي بنظام سياسي آخر. بداهة يمكن ملاحظتها من خلال الأسلوب المتحضر الذي اتبع في التعامل مع التجاوزات التي ارتكبت في الماضي. ذلك الأسلوب الراقي الذي اعتمد مبدأ المساءلة بحثا عن الحقيقة وضع الثورة في سياقها النزيه بعيدا الرغبات الثأرية التي من شأن الخضوع لها أن يعيد انتاج الماضي، وكأن الثورة لم تقع.

بهدوء خطواتها تثبت ثورة الياسمين أن الشعب الذي انقلب على النظام السياسي الذي خان وظيفته من خلال انغماسه في منافعه الضيقة لا يسعى إلى إقامة نظام سياسي تنحصر مهمته في تلميع صورة السياسي التي لحق بها الكثير من التشويه.

ما هو مطلوب شعبيا اليوم في تونس أن يتخطى السياسيون جدول أجنداتهم السياسية ليكونوا خدما للثورة. من غير ذلك التحول فإن الثورة مستمرة. لم يعد النزول إلى الشارع صعبا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
القتلى طائفيون أيضا!
2017-03-30
العرب وقد تغير العالم
2017-03-29
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
المزيد

 
>>