First Published: 2017-03-14

المنجز الرقمي .. مراجعة وتقويم (3 / 4)

 

العيب في التكرار والاجترار والتنطّع النقدي وانتهاب الفرص، والمصادرة على جهود الآخرين أو انتقاصها، فما بالنا بالسطو عليها بل وانتحالها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. وصـفي ياسـين

حلم يصعب تحقيقه

* المحور الآخر: من خارج المؤسسة الإكاديمية

1. محمد سناجلة

في كتابه الطليعي "رواية الواقعية الرقمية" 2003، يعترف بأن الهجوم على روايته الأولى "ظلال الواحد" 2001 كان متوقعا، لكن فاجأته درجة الهجوم وحدّته. ويعترف بأن ما جاء به بدعة جديدة أطلق عليها اسم "رواية الواقعية الرقمية"؛ لأن "الرواية بشكلها الحالي قد عداها الزمن، ذلك لأن الزمن لم يعد نفس الزمن، والجغرافيا لم تعد نفس الجغرافيا، والناس لم يعودوا نفس الناس."

توقّف سناجلة أمام المفسدين الثلاثة أبي تمام وابن عربي وأدونيس، أولئك الذين استطاعوا تغيير الطبيعة الراكدة للغة وتثويرها من الداخل، حيث جاء الأول بضروب البديع، واكتشف الثاني الإمكانات الهائلة في علاقة المضاف بالمضاف إليه، والثالث ميكانيزم الكلمات وعلاقاتها.

وصنّف سناجلة نفسه مفسدا رابعا؛ لأنه أسس للغة جديدة من مواصفاتها أن "الكلمة لن تكون سوى جزء من كل، كما يجب أن نكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة، وأن تكون اللغة سريعة مباغتة، والكلمات ترسم مشاهد ذهنية ومادية متحركة، والجلمة مختصرة سريعة. والروائي يكون شموليا؛ فعليه أن يكون مبرمجا أولا، وعلى إلمام واسع بالكمبيوتر ولغة البرمجة، عليه أن يتقن لغة الـ HTML على أقل تقدير، وأن يعرف فن الإخراج السينمائي، وفن كتابة السيناريو والمسرح، ناهيك عن فن الـمحاكاة."

وفي مقالته "الواقعة الرقمية" يجيب سناجلة عن سؤاله الجوهري: هل نحتاج إلى الأدب بصيغته المعهودة أم أننا نحتاج إلى (أدب) آخر مغاير ومختلف؟ بأن ما نحتاجه ليس أدبا خالصا بل هو مزيج من الأدب والتقنية التي تحتوي السينما والصورة والحركة والجرافيكس، نحتاج إلى كتابة جديدة عابرة للأجناس، عصية على التجنيس إذا حاكمناها بالنظريات النقدية القديمة.

محمد سناجلة

ثم يطرح تعريفه لنظرية الواقعية الرقمية بشقيها العام والخاص بأنها: "الكتابة التي تستخدم الأشكال الجديدة (اللغة الجديدة) التي أنتجها العصر الرقمي، وبالذات تقنية النص المترابط (الهايبرتكست) ومؤثرات المالتي ميديا المختلفة من صورة وصوت وحركة وفن الجرافيك والأنيميشنز المختلفة، وتدخلها ضمن بنية الفعل الكتابي الابداعي، لتعبر عن العصر والمجتمع والإنسان الرقمي الافتراضي."

2. أحمد فضل شبلول

يعتبر شبلول كتابه "أدباء الإنترنت أدباء المستقبل" 1996 محاولة أولى لزواج العلم بالأدب قائلا: "إذا كان الناقد الأدبي الأجنبي كرومبي قد قال: إن دولة الأدب تحتلها ملكات ثلاث: الأولى ملكة الإنتاج أو الإنشاء، والثانية ملكة التذوّق، والثالثة ملكة النقد، فإنني أستطيع أن أضيف ملكة رابعة هي ملكة التعامل مع الحاسب الآلي، ودخول عالم الإنترنت."

وفي ترجمته لمصطلح Hypertext يسميه بالنص المرجعي المحوري، وهو عبارة عن "منظومة لكتابة النصوص وعرضها، يمكن بوساطتها ربط النص بوسائل متعددة، وعرضه في عدة مستويات من التفصيل بحيث ينطوي على روابط تتعلّق بالوثائق المتصلة به." الغريب في الأمر أن شبلول عرض هذه الترجمة مبكرا جدا عام 1996، ولا أدري سببا وجيها لتجاوز محاولته من كل الباحثين والنقّاد.

بعد أن يضع شبلول تعريفا للنقد الأدبي الإلكتروني، الذي "يقوم على استثمار الإمكانات المعرفية الهائلة، وأنهار المعلومات والوثائق الأدبية والسياسية والاجتماعية... إلخ، التي تتيحها على نطاق واسع أجهزة الحاسبات الشخصية." يطبّق ذلك على رواية إبراهيم عبدالمجيد "لا أحد ينام في الإسكندرية" مؤكدا على أن النقد الإلكتروني، من وجهة نظره، يقوم على استدعاء المصادر التي اعتمد عليها المؤلف لمعرفة كيفية توظيفها، واستدعاء المشاهد الحية للحرب العالمية التي قدمها العمل الروائي. ورغم أن استدعاء المعلومات ومشاهدة الوقائع إلكترونيا ووضع بعض السياقات على محركات البحث، مهارات مطلوبة، إلا أنها قد لا تسعف الناقد من محاورة نصه الرقمي، لكنها محاولة أولى تُحسب لشبلول.

أمّا عن فكرته حول الناقد الإلكتروني، فتتلخّص في تصميم برنامج الناقد الإلكتروني الذي يكون من وظائفه "تحليل اللغة.. وتحليل الحوار.. وتحليل الشخصيات ومقارنتها بشخصيات متشابهة في أعمال أخرى.. وتحليل الصراع الإنساني.. واستكشاف أنواع التناص الأدبي.. للكشف عن قيمة العمل الإبداعي."

ومع اختلاف الأجناس الأدبية يمكن تصميم برنامج خاص لكل نوع أدبي؛ لاختلاف المواصفات المطلوبة مع كل نوع، ما يساعد على اكتشاف السرقات الإبداعية بطريقة محايدة تماما، ويساعد على إيقاف عمليات السطو المستمرة والسرقات العلمية في بحوث الماجستير والدكتوراة.

أحمد فضل شبلول

هذا المقترح منذ عقدين ما زال مقترحا، ما يعني أنه حلم يصعب تحقيقه، لذلك يخلص شبلول في نهاية كتابه إلى أنه منحاز إلى الإنسان أكثر من الآلة وإلى الإبداع مع العلم، لأن الإنسان محور هذا الكون، ولأنه "يصنع فنا إذا انتشى، فينتشي معه الآخرون، وللأسف فإن الكمبيوتر لا ينتشي، ولا يعرف البكاء أو الفرح، ولا الحزن أو السهر، ولهذا فهو لا يستطيع أن يبدع فنا، ولا فكرا، ولا يملك في أفضل حالاته إلا أن ينفّذ أمرا يصدره الإنسان بطرف إصبعه."

3. السيد نجم

استعمل السيد نجم في كتابه "النشر الإلكتروني والإبداع الرقمي.. رؤية حول الأدب الجديد" 2010، مصطلح "الأدب الافتراضي" تعبيرا عن الأدب الرقمي، متناولا مظاهر الفجوة الرقمية وقيمة الصورة في خلق ما يسمى بالواقع الافتراضي، حيث "تتحوّل الصورة من كونها انعكاسا للواقع إلى معايشتها وكأنها الواقع ذاته، أي تتحوّل الصورة إلى واقع بدلا من أن تعكس الواقع."

ثم يذكر احتياجات الكتابة الجديدة في الأدب الافتراضي، وهي أن "الروائي في الإبداع الرقمي لم يعد مبدعا خالصا (قاصّ أو روائي أو شاعر فقط)، بمعنى أنه يجب أن تتوفّر فيه مواهب أخرى كتقنيات الإخراج السينمائي، وكذلك مهارة الأدوات التقنية. هذا أفضل وإن لم تتوفر به تلك الخبرات، يمكن الاستعانة بفنّي قادر على إنجاز ما يتخيّله."

وفي تعريفه للنص الرقمي يقول: إنه "كل نص يُنشر نشرا إلكترونيا سواء كان على شبكة الإنترنت أو على أقراص مدمجة أو كتاب إلكتروني أو البريد الإلكتروني وغيره. متشكّلا على نظرية الاتصال في تحليله، وعلى فكرة التشعّب في بنيانه. وهو نوعان: ذو النسق السلبي، وذو النسق الإيجابي."

ويبدو من تعريفه أنه خلط بين أنواع النصوص الإلكترونية والرقمية والتفاعلية. توقّف نجم أمام أشكال الإبداع الرقمي بالنقد والتحليل، بداية من روايات سناجلة (ظلال الواحد، شات، صقيع) مرورا برواية اشويكة (احتمالات) وختاما بمسرحية محمد حبيب (مقهى بغداد) ومسألة الريادة في الشعر الرقمي.

ألحّ نجم على أبرز مهام الناقد الرقمي، ومنها: التعريف بأسرار العمل الإبداعي الرقمي، وضع المعايير المساعدة على إبراز خصائص العمل الإبداعي الرقمي، شرح وتوضيح البرامج والتقنيات المستخدمة في العمل الإبداعي الرقمي مع إبراز مزاياه وضروراته في العمل، توعية الأجيال الجديدة لتفادي سلبيات الواقع الافتراضي مع التوعية بمزاياه، الدعوة إلى توفير المعلومات والبيانات والإحصاءات، البحث عن الأسئلة المتجددة في الساحة الرقمية. لكنه يقرر أن "النقد الرقمي العربي مهتم أكثر بالجانب التنظيري، وعذره النقص الشديد للمادة العلمية الضرورية لتأسيس إبداع رقمي."

بعد هذه الجولة السريعة عبر جهود نقّادنا العرب الرقميين يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

ليس عيبا أن يصحّح الناقد توجّهاته أو يتراجع عمّا التبس عليه، أو يطوّر جهازه النقدي الذي تبنّاه، أو يؤسّس لمشاريعه النقدية ويواصل العمل عليها، أو يواكب جديد النظريات الأدبية، أو يلاحق جديد الأعمال الإبداعية، أو يفتح آفاقا للبحث والإبداع، أو يثير قضايا جوهرية تستحق عناء البحث، أو يحفّز الواقع الثقافي. العيب في التكرار والاجترار والتنطّع النقدي وانتهاب الفرص، والمصادرة على جهود الآخرين أو انتقاصها، فما بالنا بالسطو عليها بل وانتحالها.

السيد نجم

لم تقصّر المؤسسة الإكاديمية في تقريب الأدب الرقمي وتأصيل مصطلحاته وتشريح تجاربه الإبداعية، حيث تعددت جهودها بين تأليف الكتب وإعداد دراسات الماجستير والدكتوراه.

إن المتلقي العربي، بعد ظهور التدوين، فُطم على الطريقة الخطية في تلقّي النصوص ومتابعتها من بدايتها لنهايتها، والنص الرقمي غير متوقع له على الإطلاق، على الأقل حاليا في ظل الواقع العربي، إزاحة النص الورقي رغم تقلّصه بشكل متسارع. وهي إشكالية تذكرنا بالمعركة الضارية التي واكبت ظهور النقد الثقافي، وأسئلة القلق وأزمة الوجود التي أصابت النقد الأدبي وانتهت حاليا تقريبا إلى تعايش النوعين، فالنقد الأدبي باق، والنقد الثقافي مستمر في تطوير نظريته وتجريب أدواته دون أن يزيح النقد الأدبي أو يميته. بل العكس، صار النقد الثقافي يتخذه نقطة انطلاق كي يرى بعينين اثنتين الداخل والخارج، ويقف على قدمين راسختين الأدبية والثقافية.

لا يبتعد النص الرقمي والمتلقي الفضائي والنقد الرقمي عن ذلك كثيرا، فمن المتوقع أن يأخذ كل هؤلاء حظوظهم في التطور والاستجابة لظروف العصر والاستفادة من تقنيات القرن الجديد، لكن دون أن يقضوا على النص الورقي والمتلقي الورقي، وإن أزاحوه قليلا من صدارة المشهد.

سيتعايش الخطان الورقي والرقمي كما تعايش النقدان الأدبي والثقافي، يلتقيان ويختلفان، وسوف تنتهي أزمة البقاء القديمة المتجددة، وستقف التقانة وسيطا شرعيا بينهما.

يأتي السؤال الذي يجب أن نقف أمامه قليلا: هل سيظل النقد الرقمي خطيا/ إلكترونيا على صفحات الكتب والمواقع؟ أم سنرى نقدا ترابطيا/ تشعبيا يتوازى مع تقنيات إبداعه؟ أم أن هذه الصفة لا تناسب عمل النقد وأدواته؟ إزاء هذا السؤال، لا نملك حاليا سوى الانتظار.

د. وصـفي ياسـين ـ أستاذ مساعد بكلية محمد المانع بالسعودية

 

الأردن وتركيا مع احياء مفاوضات فاعلة بين اسرائيل وفلسطين

معركة تلعفر تنذر بمآس انسانية شبيهة بمآسي الموصل

توقعات بانخفاض شهري حاد في امدادات أوبك

حزب الله يستخدم لأول مرة طائرات بلا طيار في سوريا

القوات العراقية تستعيد السيطرة على أربع قرى غرب تلعفر

الأزهر: مبادرة المساواة في الميراث فكرة جامحة تستفز المسلمين

أموال من بغداد مقابل تأجيل الاستفتاء على الانفصال الكردي

غرق سفينة عراقية ومقتل أربعة بحارة إثر تصادم في الخليج

الجيش اللبناني يتقدم في 'فجر الجرود'

بدء الهجوم لاستعادة تلعفر من الدولة الاسلامية


 
>>