First Published: 2017-03-15

لماذا لا يطرح خيار الدولة الواحدة

 

يحتاج الفلسطينيون أن يرموا الكرة في الملعب الإسرائيلي وأن يورطوا الولايات المتحدة في عملية إيجاد أجوبة عن الأسئلة التي سيطرحها خيار الدولة الواحدة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

في ظلّ حال الانسداد التي تعاني منها القضية الفلسطينية، لا مفرّ من طرح أفكار جديدة. قال الرئيس دونالد ترامب في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الشهر الماضي ان لا فارق لديه بين خيار الدولتين وخيار الدولة الواحدة. المهمّ بالنسبة اليه ان يحصل اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين في شأن تسوية.

نظرا الى ان إسرائيل فعلت كلّ ما يمكن فعله في السنوات القليلة الماضية من اجل قطع الطريق على خيار الدولتين، لماذا لا يذهب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الذي تسمّيه إسرائيل "رئيس السلطة الفلسطينية" في ضوء تفسيرها لاتفاق أوسلو، الى واشنطن ويعلن انّه موافق على طرح ترامب؟ وجّه ترامب دعوة الى رئيس السلطة الوطنية من اجل الذهاب الى واشنطن. لا يمكن لايّ زيارة من هذا النوع ان تثمر عن نتائج في حال لم يرتفع الفلسطينيون الى مستوى التعاطي مع التغييرات بدل البقاء في اسر الماضي ولغة معيّنة الغاها التعنت الإسرائيلي.

ماذا اذا قال محمود عبّاس (أبو مازن) للرئيس الاميركي انّه لا يعترض على خيار الدولة الواحدة التي تضمّ فلسطينيين وإسرائيليين يعيشون معا في كيان واحد هو ارض فلسطين التاريخية شرط تمتع الفلسطينيين بحقوقهم المدنية في هذه الدولة الواحدة؟

في استطاعة رئيس السلطة الوطنية قلب الطاولة على إسرائيل والولايات المتّحدة في حال خرج من عقدة الخيار المستحيل الذي اسمه خيار الدولتين، خصوصا ان إسرائيل فعلت كلّ شيء من اجل قطع الطريق على قيام دولة فلسطينية مستقلّة "قابلة للحياة" عاصمتها القدس الشرقية.

كان خيار الدولتين خيارا معقولا وقابلا للتحقيق في مرحلة معيّنة، أي قبل ان تنجح إسرائيل في زرع كلّ هذا العدد من المستوطنات في الضفة الغربية وفي تطويق مدينة القدس من كلّ الجهات تطويقا محكما.

في مؤتمر مدريد للسلام الذي انعقد أواخر تشرين الاوّل ـ أكتوبر من العام 1991، لم يكن هناك وفد فلسطيني مستقلّ. كان هناك وفد مشترك اردني ـ فلسطيني. عمل الفلسطينيون وقتذاك كلّ ما يمكن عمله من اجل الانتهاء من الوفد المشترك من جهة وتأكيد ان منظمة التحرير الفلسطينية هي مرجعيتهم من جهة أخرى. نجح ياسر عرفات في تحقيق هذا الهدف المزدوج وصولا الى اتفاق أوسلو بسيئاته الكثيرة. وقّع هذا الاتفاق في حديقة البيت الأبيض في خريف العام 1993... قبل ربع قرن الّا سنة واحدة. طوال ربع قرن، غيّر الإسرائيليون طبيعة الضفّة الغربية. صار عدد المستوطنين فيها نحو ستمئة الف إسرائيلي، ان لم يكن اكثر. هناك وزراء عدّة في الحكومة الحالية يقيمون في هذه المستوطنات التي هي اقرب الى مستعمرات من أيّ شيء آخر. لن تجرؤ أي حكومة إسرائيلية، مهما كانت ملتزمة السلام، إزالة القسم الأكبر من هذه المستوطنات. لماذا لا يجعل الفلسطينيون الإسرائيليين يدفعون ثمن سياستهم عن طريق قبول خيار الدولة الواحدة؟

على الرغم من كلّ الأخطاء التي ارتكبها الجانب الفلسطيني، قبل مؤتمر مدريد وبعده، لا يزال يمتلك سلاحا واحدا هو السلاح الديموغرافي. لا يزال الفلسطيني متمسّكا بالبقاء في ارضه، خصوصا عندما يرى ماذا يدور في المنطقة العربية، خصوصا في سوريا والعراق ولبنان. لا بدّ من الإشارة أيضا الى ان الاردن الذي ينعم باستقرار نسبي سياسيا وامنيا، بفضل الملك عبدالله الثاني، يواجه ازمة اقتصادية حقيقية بسبب الوضع الإقليمي وتراجع المساعدات الخليجية في ضوء هبوط أسعار النفط.

لا مكان يذهب اليه الفلسطيني غير فلسطين، على الرغم من حال الترهّل التي تعاني منها السلطة الوطنية التي زار رئيسها بيروت ولم يجد وقتا لتفقد ايّ من المخيّمات القريبة من العاصمة اللبنانية او البعيدة منها!

هناك أمور كثيرة يفترض في الفلسطينيين نسيانها هذه الايّام. من بين ما عليهم نسيانه خيار الدولتين. لا تريد إسرائيل التفاوض من اجل التوصل الى الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلّة، على الرغم من كلّ التنازلات التي قدّمها الجانب الفلسطيني، بما في ذلك فكرة التخلي عن أراض معيّنة في مقابل الحصول على بديل منها وإقامة رابط بين الضفّة وقطاع عزّة. الى اشعار آخر لا مفرّ من الاعتراف بانّ الشرخ بين الضفّة وغزّة تعمّق الى درجة كبيرة، ذلك ان لا هدف لـ"حماس" سوى إبقاء القطاع تحت سيطرتها وذلك منذ الانقلاب الذي نفّذته صيف العام 2007 والذي شكلّ ضربة قويّة للمشروع الوطني الفلسطيني الذي كان يمكن ان يقود الى خيار الدولتين في مرحلة معيّنة لو جرى استغلال سريع لمرحلة ما بعد توقيع اتفاق أوسلو، عندما كان اسحق رابين رئيسا للوزراء في إسرائيل.

لا تسمح الظروف الراهنة، خصوصا، في ظلّ وجود رغبة دونالد ترمب في تحقيق تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، سوى بطرح خيار الدولة الواحدة. عندما ترفض إسرائيل خيار الدولتين، وعندما لا يعترض الرئيس الاميركي على خيار الدولة الواحدة، لا يعود امام الجانب الفلسطيني سوى الاقدام على خطوة جريئة من نوع القبول بخيار الدولة الواحدة.

سيعني ذلك رمي الكرة في الملعب الإسرائيلي وسيعني توريط الولايات المتحدة في عملية إيجاد أجوبة عن الأسئلة التي سيطرحها خيار الدولة الواحدة. في مقدّم هذه الأسئلة ما حقوق الفلسطينيين في هذه الدولة؟

ليس الشرق الوسط وحده الذي دخل في مرحلة مخاض. الوضع الفلسطيني برمته دخل في هذه المرحلة أيضا. المؤسف انّ لا وجود لقيادة فلسطينية قادرة على التأقلم مع التغييرات والتعاطي معها بجدّية. المضحك ـ المبكي انّ القيادة الفلسطينية ما زالت تعتقد ان هناك مجالا لمفاوضات في شأن خيار الدولتين المرفوض إسرائيليا. من يصدّق انّ هناك دائرة خاصة بالمفاوضات تضمّ عشرات الموظّفين الذين لا عمل لهم سوى قبض رواتبهم آخر كلّ شهر، عندما تكون قيمة هذه الرواتب متوفّرة بفضل المساعدات الخارجية؟

تعوّد الفلسطينيون على نمط معيّن من التصرفات تجاوزها الزمن. يريدون التفاوض مع طرف اسرائيلي لا يريد التفاوض وليس ما يجبره على التفاوض. هذا كلّ ما في الامر. يريدون العودة الى الوحدة الوطنية مع طرف فلسطيني لا يريد مثل هذه الوحدة ولا يؤمن بها. الاولوية لـ"حماس"، التي ليست سوى تنظيم ينتمي لحركة متخلّفة هي "الاخوان المسلمون"، المحافظة على "امارة غزّة" ولا شيء آخر غير ذلك.

هناك مأزق فلسطيني بالفعل. لكنّ طرح خيار الدولة الواحدة سيجعل هذا المأزق إسرائيليا واميركيا الى حدّ كبير. ماذا ستفعل إسرائيل عندما يتجاوز عدد الفلسطينيين العرب عدد اليهود على الأرض التاريخية لفلسطين؟ هل ستعود بعد عشرين او ثلاثين سنة الى المطالبة بخيار الدولتين الذي شكّل في مرحلة معيّنة خيارا معقولا ومقبولا للجميع في ظلّ موازين للقوى كانت تتحكّم بالمنطقة؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
رحيل بانون... يحمل ايجابيات
2017-08-21
ايّ دور لـ'المؤتمر' في اليمن!
2017-08-20
اويحيى يتقدّم في خلافة بوتفليقة...
2017-08-18
عصر الميليشيات يحصّن عصر الهزيمة
2017-08-16
ليس بالفجور تُفرض الوصاية الايرانية...
2017-08-14
ان تعرف كيف تخسر...
2017-08-13
مناورات روسية في سوريا
2017-08-11
سراب الحلّ... في اليمن
2017-08-09
لبنان وتجاوز الفخّ الإيراني
2017-08-07
الاكراد والاستقلال... وجامعة الدول
2017-08-06
المزيد

 
>>