First Published: 2017-03-15

وماذا عن الناسخ والمنسوخ؟

 

دعوات للتجديد الديني تنطلق ولا تعطي ثمارها. كذلك سيذهب كلام إمام الأزهر وجهود مؤتمر الحرية والمواطنة وغيرهما أثراً بعد عين، إذا لم تُطرح الأفكار بجرأة متناهية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

أكدت خُطبة إمام الأزهر رئيس «مجلس حكماء المسلمين» الدكتور الشيخ أحمد الطيب، على آيات القرآن النَّابذة للعنف. جاء ذلك في المؤتمر الدولي «الحرية والمواطنة التنوع والتكامل»، المنعقد بالقاهرة (29/2/2017)، وبحضور رجال دين من خمسين دولة، دعماً لإبراز «مبادئ الإسلام السمحة» عبر التعاون بين الجميع لإبعاد الإرهاب وشبح «الإسلاموفوبيا». ومما قاله إمام الأزهر: «بينما مر التطرف المسيحي واليهودي بردا وسلاماً على الغرب دون أن تُدنَّس صورة هذين الدِّينين الإلهيين، إذا بشقيقهما الثَّالث يُحبَسُ وحده في قفص الاتهام».

انطلاقاً من تأكيد إمام الأزهر على آيات التسامح والتعايش القرآنية، وشكواه وتأثره من إلصاق تهمة العنف بالإسلام، وهو محق في ما ذهب إليه، لكن الشيخ يعلم أن أكثر من مئة آية في التسامح القرآني ونبذ العنف وتسهيل التعايش مع الآخر، وسهولة الإسلام ويسره، واحترام أديان الآخرين، قد نسخت بآية واحدة، وهي آية «السيف»: «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (التَّوبة: 5).

فمن المعلوم أن «النسخ» يعني المحو، وبالتالي التعطيل، أي زوال الحكم وإبقاء اللفظ، وقد ورد في أحد أقدم كتب فقه «الناسخ والمنسوخ»، لهبة الله البغدادي (ت 410هـ) نصاً: إن هذه الآية (السيف): «نسخت من القرآن مائة آية وأربعاً وعشرين آية» (البغدادي، الناسخ والمنسوخ). فمِن المنسوخات بها، على سبيل المثال لا الحصر: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (فصلت: 34)، و«قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ» (البقرة: 139)، و«لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»(البقرة: 256). و«وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99).

عندما تحدث الشيخ السوداني محمود محمد طه (أعدم 1985) في كتابه «رسالة الإسلام الثانية»، أعدموه بحد الردة، وسط تكبير وتهليل جماعة «الإخوان المسلمين» وجماعة «أنصار السنة» السودانيين (الصايغ، وكنت حاضراً إعدام الشيخ)، بينما كل الذي فعله الشيخ طه أنه اجتهد بمحاولة التوفيق بين الإسلام والحياة، عبر تفعيل نصوص التعايش، معتبراً تلك النصوص (المنسوخة) أصلاً في الدين، تفيض بالمحبة والرأفة منصفةً لأهل الأديان والنساء، وتسهيل ما بين المذاهب مِن اختلاف، وهي ما نزل منها بمكة.

أما نصوص القتال فقد فرضتها ظروف المواجهة. لكن ما حصل، بسبب تسييس الدِّين وجعله أداةَ سُلطة وإجبار، لا ثقافةَ تعايش وقناعة وإيمان. فبعد المنسوخات يبقى المعمول به من الكتاب الناسخات فقط، والأكثر نسخاً هي الآية المذكورة (السيف). أقول: إذا لم يُفتح هذا الملف، وتُعاد لتك النُّصوص قوتها لن تؤدي الدعوة إلى التسامح غرضها.

أما عن تطرف المسيحية، فمَن يطلع على «قصة الحضارة» (عصر النهضة)، ورسالتي «التسامح» لفولتير (ت 1778) ولوك (ت 1704) وغيرها، سيجد النقد الحاد لممارسات رجال الدين آنذاك قوياً، وأسفر عن إعادة المسيحية إلى مكانها (الكنيسة)، بينما اختطفت السياسة والحزبية والسُّلطة الدين الإسلامي، مِن دون تمييز بين الأزمنة، فأُريد لنصوص وممارسات قبل قرون أن تحل مستجدات ما بعدها، وهنا أُذكر بقول لمعاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ): «إن معروف زماننا هذا منكرُ زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت، ولو أتى فالرّتق خيرٌ مِن الفتق» (البلاذري، أنساب الأشراف، ابن عبد ربه، العقد الفريد).

كم تبدو العبارة عميقة الدَّلالة في تبدل الأحكام. وربما يقول قائل: «ومَن أكد أن معاوية، ابن القرن الهجري الأول، قد قالها؟»، نجيب بالقول: يكفي أنها وردت عند مؤرخ الفتوح أحمد بن يحيى البلاذي (ت 279هـ)، مِن أعلام القرن الثالث الهجري، بمعنى أن التجديد الديني كان مطلباً قديماً، ومطروحاً مِن قِبل حاكم أو مثقف. فإذا لم يؤخذ الاختلاف بين الأزمنة، في السياسة الدينة، سيبقى الفتق أكبر مِن الرَّتق.

نعم، تبدو المراجعة صعبة، فكثيراً ما انطلقت دعوات للتجديد الديني ولم تعط ثمارها، وكذلك ستذهب جهود المؤتمر المذكور وغيره أثراً بعد عين، إذا لم تُطرح الأفكار بجرأة متناهية، تتناول ما تركته الفترات الماضية، لظروف خاصة، وإن عِلم «الناسخ والمنسوخ» أولها. فحسب أسباب نزول الآية: «مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ..» (البقرة: 106)، لا تعني ما ذهب إليه فقهاء هذا المجال في العلوم الدينية، فمن المحال أن يستبدل الله العنف بالتَّسامح، ويستبدل العسرِ باليسر.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

المحرم الفكري هو ما يؤذي الناس، والحلال ما ينفع الناس. القوالب الفكرية التاريخية المقدسة والمكدسة لاستعمالها لمحاكمة الثائر على الواقع الخاطيء في كل مكان وزمان ، هي المكابح الفكرية لإنسان يخاف الله والرسول واؤلي الأمر والمجتمع ( إنسان مرعوب ومرغوب).

2017-03-15

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
طريق الإخوان ليس بهذا النُّبل
2017-03-22
وماذا عن الناسخ والمنسوخ؟
2017-03-15
العراق والسعودية.. وخسارة الطائفيين
2017-03-08
قَتل المثقفين.. مَن يُحاسب المفتين؟
2017-03-01
العراق.. وطابع البريد الباقي
2017-02-22
«أهل البيت».. لا نواصب ولا روافض
2017-02-15
قلم نوري المالكي.. «المحفوظ»!
2017-02-08
مكتبة الإسكندرية: معاً ضد التطرف
2017-02-01
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
المزيد

 
>>