First Published: 2017-03-15

خذو عيني شوفو بيها

 

لا شيء من الواقع العربي يمت إلى حقيقة الواقع بصلة. الزيف هو الحقيقة الوحيدة الممكنة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يعبر إنكار الواقع عن الرغبة المبيتة في عدم تصديقه.

يقول لك السوري "الحياة في دمشق عادية" فيما تجري في سوريا واحدة من أكثر الحروب عبثية. لو أن ذلك السوري استعار عيني شيخ نازح أو طفل مذعور أو امرأة تقف عند أطلال مطبخها أو شاب غمرته الجماعات المتشددة برائحة عفنها لما قال إن الحياة لا تزال عادية.

لربما يقع الأسوأ في العراق. ففي البلد اذي سلمته سلطة الاحتلال الأميركي إلى أسوأ الفئات من أبنائه هناك مثقفون أميون وجهلة يباركون الخراب الذي انتهت إليه الروح العراقية فيكتبون ويرسمون ويؤلفون الروايات ويعزفون الموسيقى في محاولة للتهليل لما يسمونه بـ"التغيير" وهم يقصدون واقعة الاحتلال.

لقد زين رسامون جدران الفصل الطائفي في بغداد برسوم هي عبارة عن مدائح للطبيعة والطيور والحياة المترفة الرخية. ألم تكن تلك الرسوم نوعا من الخيانة وهي التي استرسلت في تجميل القبح؟

هناك اغنية تونسية يخاطب العاشق لائميه في محاولة منه لإقناعهم بجمال حبيبته فيقول "خذو عيني شوفو بيها".

ما نحتاجه فعلا وسط كوارثنا يكمن في أن نستعير العين التي ترى الحقيقة. لقد فشلت كل محاولاتنا لإنكار الواقع وها نحن ننزلق إلى الهاوية.

ما كنا نظن أننا نراه لم يكن هو الواقع، بل الصورة التي كنا نتمنى أن يكون عليها الواقع. حسبنا الكوابيس أحلاما عابرة فإذا بنا نغرق في العتمة من غير أن يكون هناك أي ضوء في نهاية النفق الذي تحول إلى أسلوب حياة.

واحدة من أعظم مشكلاتنا تكمن في أننا نتعامل مع الكوارث كما لو أنها أحداث صغيرة عابرة. لقد محيت الكثير من آمالنا ولا نزال نشعر أن في إمكاننا أن ننتج آمال جديدة. أو على الأقل أن الحياة ممكنة من غير آمال.

وإلا ما الذي يأمله اليمنيون لو أن الحرب التي دمرت بلادهم انتهت من خلال تسوية سياسية، تتقاسم من خلالها الأطراف المتحاربة ما تبقى من غنائم؟

لن يكون حال الليبيون أفضل فيما لو قررت أطراف الصراع أن تضع السلاح جانبا وهو أمر افتراضي وتحكم البلد بروح الشراكة الوطنية.

شيء من إنكار الواقع سيحل محل الواقع.

في مديح زمن البايات يقيم التونسيون اليوم معرضا بعنوان "عهد الأمان". بعكس العراقيين الذين ينظرون بإشفاق وعيون دامعة إلى العائلة الملكية التي قتل أفرادها عام 1958، فإن التونسيين ينظرون بفخر إلى ماضيهم السياسي الذي انتج أول دستور مدني في العالم العربي.

اليس من واجبنا أن نستعير العين التونسية التي لا تدمع بل تفكر وتسأل حين تتأمل؟

هناك بكاء كثير في العالم العربي. يقابله ضحك أبله، هو مزيج من اللؤم الفاسد والعته المؤدلج. هناك أحزاب وجماعات لئيمة تعيش على البكاء بلؤم هو نوع من الانتقام كما يفعل حزب الله وجماعة الاخوان المسلمين في كل تجلياتها وهناك شيوعيون وعلمانيون ينظرون بحسرة إلى المائدة التي حُرموا من تناول فاكهتها المسمومة.

اما الملايين المشردة والمهجرة والنازحة واللاجئة فإنها لا تملك مَن يرى بعينها. ما يقوله الغرب عن حربه على الإرهاب يبدو مريحا بالنسبة لطبقات الحكم في غير مكان من العالم العربي. فهو يعفي تلك الطبقات من النظر بعيون أطفال حُرموا من التعلم وأمهات لا يجدن رغيف خبز لإطعام أطفالهن وشيوخ يودعون الحياة بغضب.

لا شيء من الواقع العربي يمت إلى حقيقة الواقع بصلة.

لقد قرر الجميع إن الزيف هو الحقيقة الوحيدة الممكنة.

أبهذا يباهي العرب الأمم؟

"خذو عيني شوفو بيها" يقول المغني التونسي. ما ترونه ليس صحيحا. ما تقولونه ليس سوى الافتراء بعينه على الواقع. تجميل القبح لن يخلق جمالا بديلا.

 

فاروق يوسف

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

العربي لم يدخل في منظومة الدولة المتكاملة، المجاميع البشرية لا يعني مجتمع ، بل تجمع أفراد يحشرهم المكان كصندوق البندورة.هل هناك علاقات ومشاعر في الصندوق الاجتماعي الأسود. كل فرد يريد من المجتمع أن يرى بعينة. الدولة بعين واحدة ، والمخيال الإجتماعي معدوم معدوم.

2017-03-15

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
المزيد

 
>>