First Published: 2017-03-17

السعودية الجديدة... من يريد اخذ العلم؟

 

اللغة السعودية الجديدة هي لغة الأرقام والمصالح المشتركة والحسابات الدقيقة لا اكثر ولا اقلّ.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

هناك مملكة عربية سعودية جديدة بكلّ مقياس من المقاييس. هذا ما يغيب عن كثيرين يرفضون رؤية ما يحصل في المملكة. هل من يريد اخذ العلم بذلك؟

لم تكن الجولة الاسيوية للملك سلمان بن عبدالعزيز التعبير الوحيد عن وجود هذه السعودية الجديدة فحسب، بل جاء أيضا اجتماع الأمير محمّد بن سلمان وليّ وليّ العهد السعودي مع الرئيس دونالد ترامب ليؤكّد ان تغييرات عميقة كثيرة طرأت على المملكة. وهذا يعني بكلّ بساطة انّ لا بدّ من إعادة اكتشاف السعودية من جهة والتخلي عن أفكار قديمة راسخة في ذهن بعض الناس، بما في ذلك جهات عربية معروفة، من جهة أخرى.

يعتبر تحرّك للملك سلمان تجاه آسيا الاوّل من نوعه اذا اخذنا في الاعتبار طول الجولة وعدد الدول التي زارها العاهل السعودي فضلا عن طبيعة هذه الدول التي اختيرت كلّ منها بعناية فائقة ولأسباب محدّدة. جمع هذا التحرّك، الذي تمثله الجولة الطويلة للعاهل السعودي، بين دول ذات أكثرية إسلامية حققت نجاحات اقتصادية واعطت صورة مشرقة عن الإسلام وبين ثاني وثالث اكبر اقتصادين عالميين هما الصين واليابان (تمثل الصين 14 في المئة من اقتصاد العالم واليابان اقلّ بقليل من ستة في المئة منه).

جمع العاهل السعودي بين مجموعة من الدول الاسلامية الناجحة مثل ماليزيا واندونيسيا ودول متقدّمة اقتصاديا وتكنولوجيا، كالصين واليابان، وذلك بهدف واضح كلّ الوضوح. يتمثّل هذا الهدف في ان المملكة العربية السعودية قادرة على التعاطي مع التغييرات التي يشهدها العالم، بما في ذلك الثقل الاسيوي الذي باتت تمثّله دولة مثل الصين تطمح الى لعب دور اكبر في محيطها، فيما لا تزال اليابان من بين اكثر دول العالم تقدّما من الناحية التكنولوجية، إضافة الى انّ لديها قصة نجاح خاصة بها.

ليس سرّا ان اليابان التي لا تمتلك ثروات طبيعية والتي خرجت مدمّرة من الحرب العالمية الثانية والتي تعرضت لالقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي، استطاعت النهوض. نهضت من دون عقد ومن دون شعارات مرتبطة بالسيادة والاستقلال والقيود التي فرضتها عليها الهزيمة. نهضت اليابان لانهّا اعتمدت على الانسان وعلى قيم راسخة في المجتمع الياباني في مقدّمها تقديس فكرة العمل الجدّي في ظلّ الانضباط. نهضت اليابان لانّها استفادت من تجارب الماضي، بما في ذلك ما مرت به في الحرب العالمية الثانية.

لدى اليابان التي تحتاج الى الطاقة، مثلها مثل الصين، مصالح مشتركة مع المملكة العربية السعودية. اين المشكلة في تطوير هذه المصالح وفي جعلها تخدم البلدين بطريقة افضل؟

كشفت جولة الملك سلمان انّ هناك هوامش كثيرة للتحرّك السعودي على الصعيد العالمي وانّ المملكة لاعب في الساحة الدولية، خصوصا انّها تعي مواقع ضعفها كما تعي مواقع قوتها. تعي خصوصا انّ الجمود لم يعد مقبولا وانّ لا بدّ من سعودية جديدة تتعاطى مع عالم جديد يتكوّن. من ابرز عناوين هذا العالم الجديد الصعود الاسيوي والتراجع الاوروبي في ظلّ الازمات الكبيرة التي تعاني منها دول القارة القديمة والتهديدات التي يتعرّض لها الاتحاد الاوروبي المتصدّع الذي لم يعد مضمونا استمراره في ظلّ صعود اليمين المتطرّف في غير بلد من بلدان الاتحاد.

كان الملك سلمان في طوكيو عندما استقبل ترامب محمّد بن سلمان في البيت الأبيض. لا حاجة الى وصف أجواء اللقاء. الصور كانت اكثر من معبّرة عن التغيير الذي طرأ على جوّ العلاقات السعودية ـ الاميركية في ضوء انتهاء عهد باراك أوباما.

من كان لديه ادنى شكّ في وجود سعودية جديدة، يستطيع التمعّن في التصريحات التي صدرت عن احد مستشاري وليّ وليّ العهد السعودي الأمير فيصل الفرحان الذي لم يستخدم اللغة الملتوية للتعبير عن الموقف السعودي. وهذا مغزى الوضوح كما عبّر عنه محمّد بن سلمان امام ترامب.

توجّه محمّد بن سلمان، استنادا الى مستشاره، بكلام مباشر الى الرئيس الاميركي، فالاتفاق في شأن الملف النووي الايراني "سيء وخطير" وايران تدعم كلّ أنواع التطرّف بما في ذلك "القاعدة" و"داعش". الاهمّ من ذلك كلّه ان السعودية مستعدة للمساهمة بالرجال في الحرب على الارهاب.

ادّت زيارة محمد بن سلمان لواشنطن الى تغيير كبير في الموقف الاميركي، او على الاصحّ، سمحت الزيارة بالتأكد من حصول التغيير الكبير في السياسة الاميركية التي بدأت تعي خطورة المشروع التوسّعي الايراني في المنطقة وعلاقة ايران بكلّ أنواع التطرّف اكان شيعيا او سنّيا. هذا ليس عائدا، فقط، الى انّ الإدارة الاميركية الجديدة مختلفة. بل الامر عائد اصلا الى ان السعودية قامت بما يجب ان تقوم به ولم تكتف بالتفرّج على ما يدور في محيطها. ليس سرّا ان ايران تشّ حربا على المملكة. ليس سرّا ان السعودية لم تدفن رأسها في الرمال، بل قالت الامور كما هي من دون مواربة. ترافق كلامها مع الأفعال المحدّدة. استكشفت المملكة ما اذا كان هناك تغيير في لبنان في ضوء انتخاب رئيس للجمهورية هو الجنرال ميشال عون. سيكون على لبنان تنفيذ ما تعهّده الرئيس اللبناني خلال وجوده في الرياض في حال كان راغبا في الخروج من تحت الهيمنة الايرانية... وإقامة علاقات طبيعية مع الخليج العربي.

لم تكتف السعودية بالتفرّج على ما يدور في العراق. أرسلت وزير الخارجية عادل الجبير لجس نبض الحكومة العراقية واستكشاف الى أي حدّ يمكن ان تخرج حكومة حيد العبادي من تحت سيطرة الميليشيات المذهبية.

وفي اليمن، اكدّت السعودية انها لا تحارب الشعب اليمني، بل ان "عاصفة الحزم" تستهدف تأكيد رفضها تحوّل هذا البلد المهمّ شوكة إيرانية أخرى في خاصرتها وخاصرة دول مجلس التعاون الخليجي عموما.

يبقى انّه بالنسبة الى سوريا، سيكون للسعودية خصوصا وللعرب عموما دور في قيام "المناطق الآمنة". المرجح ان تكون "المنطقة الآمنة" الاولى في منطقة الحدود الأردنية ـ السورية. هناك علاقة اخذ وردّ مع اميركا وليس مجرّد تقديم طلبات عربية واطلاق تمنيات الى الإدارة في واشنطن. لا بدّ من تخليص الشعب السوري من هذا النظام الاقلّوي الذي استعبده منذ العام 1970. لا بدّ من خطوات عملية تصبّ في البحث الجدّي عن تسوية سياسية من شروطها رحيل بشّار الأسد ونظامه المتورط في دعم الإرهاب الى ما فوق اذنيه.

يخطئ بين العرب وغير العرب من يتعاطى مع السعودية من دون اخذ في الاعتبار لما تغيّر فيها جذريا، خصوصا بعد طرح "رؤية 2030". الماضي مضى. من كان يتصوّر ان الكلام الجريء سيحل مكان الصمت وانّ ما كان صالحا في التعامل مع المملكة لم يعد له فائدة تذكر الآن. اللغة السعودية الجديدة هي لغة الأرقام والمصالح المشتركة والحسابات الدقيقة لا اكثر ولا اقلّ، ولكن من دون ان يعني ذلك انتفاء الحاجة الى إصلاحات في العمق في الداخل السعودي. انّها اصلاحات على صعيد بناء الانسان بعيدا عن ثقافة التطرّف والتزمّت في ظلّ برامج تربوية مرتبطة بالعصر والانفتاح ونشر ثقافة العمل لساعات طويلة يوميا.

 

خيرالله خيرالله

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الإنسان العاقل لا يعادي إنسان عاقل. إن العداء دائما للسياسات النرجسية. القومية والدين الموروث منذ آلاف السنين واعتباره من السلف الصالح. نرجسيته تؤذي النفس والآخر، والنرجسية سببها الطمع والخوف والوضاعة ، والتاريخ عدو المستقبل والممسك به عدو نفسه.

2017-03-17

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
السهل والصعب في القمّة العربية
2017-03-29
أوروبا في مهبّ الريح
2017-03-27
ما يجمع بين المغرب والأردن
2017-03-26
متظاهرون لبنانيون من عالم آخر
2017-03-24
مجازفة انتزاع العراق من ايران
2017-03-22
الوجه الآخر للحرب اليمنية
2017-03-20
في المغرب... إصلاحات في الإصلاحات
2017-03-19
السعودية الجديدة... من يريد اخذ العلم؟
2017-03-17
لماذا لا يطرح خيار الدولة الواحدة
2017-03-15
سلاح لبناني اسمه القرار 1701
2017-03-13
المزيد

 
>>