First Published: 2017-03-20

أيبقى لبنان معفى من الثورات ومشمولاً بضرائبها

 

لا يستطيع اللبنانيون البقاء طويلاً بعد في المنطقة الرمادية: وهي العيش معاً بدون حربٍ من جهة، وبدون اتفاقٍ من جهة أخرى.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: سجعان القزي

منذ بدء عهد الرئيس ميشال عون، والتحديات تتوالى من كل صوبٍ فيما اصبح لبنان دولةً مبعثرةً، ومتعذر حكمها. هناك من يطيب لهم امتحان الرئيس الميثاقي والقوي: "إن كنت الرئيس القوي فجدْ حلولاً فوريةً لكل مشاكل لبنان المزمنة". كان التحدي الأول سياسياً (نوعية الحكومة وتوازناتها)، وكان الثاني دستورياً (قانون الانتخابات)، وكان الثالث أمنياً (أحداث مخيم عين الحلوة)، وكان الرابع اجتماعياً (سلسلة الرتب والرواتب والضرائب)، وكان الخامس عسكرياً (دعوة أمين عام الأمم المتحدة لنزع سلاح حزب الله تطبيقاً للقرار 1701). وكان السادس سيادياً (محاولة إدخال صواريخ استراتيجيةٍ إلى لبنان عبر سوريا)، ولا ننسى الإرهاب، التحدي الدائم.

مجموع هذه التحديات قنابل موقوتة زرعت على طريق العهد. وكل تحد مرتبط بصراعٍ كبيرٍ داخلي و/أو خارجي قابلٍ للانفجار لحظة يعطى فيها الضوء الأخضر. فالأمن اللبناني قرار سياسي أكثر مما هو واقع سلمي. وسيبقى أمناً هشاً إلى حين حصول التحولات التالية: اتفاق اللبنانيين على دولةٍ جديدة، الالتزام الجدي بالقرارين 1559 و 1701، تطبيق جميع المكونات الطائفية اللبنانية لمفهومي: "لبنان أولاً" و"لبنان وطن نهائي"، عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، مراجعة بقاء نصف مليون فلسطيني على أرض لبنان، نهاية الحربين في سوريا والعراق تحديداً.

بانتظار ذلك، أي لدى حلول آخر الزمان، لا بد للبنانيين، الضنينين على الأقل بأمن أنفسهم وعائلاتهم وأولادهم ومصالحهم إنْ لم يكن بأمن بلادهم، أن يتفقوا على الحياة اليومية طالما هم عاجزون عن الاتفاق على المصير. وأول تدبيرٍ هو تعطيل هذه التحديات القنابل من خلال ما يلي: تسويات سياسية مرحلية لجزءٍ منها وحزم أمني تجاه الجزء الآخر، احترام منطوق النظام الديمقراطي أي الدستور والقوانين والاستحقاقات، وعدم تسجيل انتصاراتٍ وهميةٍ وعبثيةٍ ضد بعضهم البعض. وأساساً ممنوع في هذه المرحلة على أي طرفٍ لبناني أن يحتكم إلى السلاح ضد طرفٍ لبناني آخر. اختلال التوازن بين القوى يتم بالسياسة.

خطر هذه التسويات أنها تفتقد الخيارات الوطنية النهائية، وتبقى بالتالي عاجزةً عن تأمين ديمومة الوحدة الوطنية بكل ما تعني هذه العبارة، لكنها تنقل الخلافات إلى داخل الحكومات وتديرها بنجاحٍ أحياناً وبفشلٍ أحياناً أخرى. إن التسويات المرحلية تسقط ما لم تسعف بعد وقتٍ بحل عميقٍ للشراكة الوطنية، ومعها يسقط العيش المشترك. والحال، أننا نعيش في ظل حالة طوارئ دستوريةٍ من دون أن ندري، إذ إن كل طرفٍ لبناني ينتظر مصير حليفه الإقليمي ليحدد سقف مطالبه النهائية في لبنان الجديد. كم انخفضت طموحاتنا وأحلامنا.... الأرزة صارت شجرة بنْدق.

لكنْ لا يستطيع اللبنانيون البقاء طويلاً بعد في المنطقة الرمادية: وهي العيش معاً بدون حربٍ من جهة، وبدون اتفاقٍ من جهة أخرى. هذه الوضعية تحول لبنان من دولة الخيار الوطني إلى دولة الأمر الواقع. والتخبط الحاصل اليوم بين الشعب والمجلس النيابي والحكومة يجد عمقه الحقيقي في هذا الواقع الأليم.

إذا كان السبب المباشر لهذا الواقع هو احتدام الصراعات في المنطقة، فالسبب الحقيقي هو عدم وجود إرادةٍ وطنية كافيةٍ لبناء حياةٍ وطنيةٍ مشتركةٍ في إطار مجتمعٍ متعددٍ وفي ظل دولةٍ ديمقراطية، قويةٍ، مستقلةٍ، وعصريةٍ تسودها الحضارة والمساواة ووحدة القرار. الوطن هو وحدة الأرض والتاريخ واللغة، لكن الوطنية هي القدرة على انتاج دولٍ ودستورٍ ونمط حياةٍ متشابهٍ ومتكامل.

في ظني، والخطأ جائز، لو لم يكن لبنان وطناً قائماً بعد، لما كان للبنانيين، مسيحيين ومسلمين، وبخاصةٍ المسيحيون منهم، أن يؤسسوه من جديدٍ بشكله الحالي، ولما كان المجتمع الدولي ليثق باللبنانيين مرةً أخرى ويساعدهم على بناء وطنٍ ودولةٍ كما فعل مطلع القرن الماضي بسبب ما اقترفوا من ذنوبٍ طوال مئة عام. إن تصرفات اللبنانيين كانت "مثاليةً" للقضاء على صيغة وطنٍ نموذجي وعلى دولةٍ بنوها معاً بقناعةٍ متفاوتةٍ وهدموها بمسؤوليةٍ متفاوتة. وتتحول المسؤولية جريمةً حين يكتشف العالم أن اللبنانيين يدْرون ما يقترفون، وأن الطبقة السياسية، بكل ألوانها وأجيالها، لا ترْتدع ولا تندم ولا تخجل.

إن الخفة والأنانية واللامبالاة والأحقاد والمنفعة المادية وقلة المسؤولية التي، طوال سنواتٍ، تميزت بها مواقف أكثرية المسؤولين السياسيين في معالجة الشؤون العامة أضعفت مناعة لبنان للصمود أمام ارتدادات أحداث المنطقة والمتغيرات العالمية.

لذا حري باللبنانيين، شعباً ومسؤولين، أن يستعيدوا الوعي والمسؤولية والمبادرة، فيتحاشوا التطرف في المرحلة الحالية المفتوحة على أخطارٍ غير قابلةٍ للسيطرة في حال بلوغها ديارنا. ولنا في ما جرى في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن والعراق العبرة الكافية. نحن اليوم على خط التماس بين الدول المعفاة من الثورات والدول المشمولة بالثورات. ومقابل قوى تستبق العاصفة وتسعى لإنقاذ لبنان، هناك أخرى تجاهد لإضافته على منظومة الفوضى والدمار، علماً أننا أخذْنا حصتنا منهما على مدى ثلاثة عقودٍ ونيف.

رغم تورط أفرقاء لبنانيين في حروب المنطقة، ولاسيما في سوريا، بقي لبنان معفى من عدوى الثورات (لا من ارتداداتها) نتيجة قرارٍ داخلي ورعايةٍ دولية. أما اليوم، فالبعض يعتقد بأنه مع خروج حزب الله من سوريا، ستدخل حرب سوريا إلى لبنان، مع أنه لا يوجد في لبنان أي طرفٍ سياسي أو طائفي وازنٍ يريد قتال أي طرفٍ لبناني آخر. لذا، لا خوف من حربٍ أهليةٍ جديدة، إنما الخوف من ثلاثة أمور: اعتداء إسرائيلي، أعمال إرهابية تكفيرية، وشغب اللاجئين والنازحين. والثلاثة ترى بالعين المجردة.

 

سجعان القزي

نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية ووزير العمل

 
سجعان القزي
 
أرشيف الكاتب
أورشليم ترجم بائعها*
2017-12-11
من تسليم سلاح حزب الله إلى التسليم به
2017-12-04
عشر عبر من أزمة واحدة
2017-11-27
من باب فاطمة إلى باب المندب
2017-11-20
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
2017-11-14
النظام اللبناني تغير من دون مؤتمر تأسيسي
2017-11-07
عهدك عهد التغيير والإصلاح يدعى...
2017-10-30
تعايش وتنافس بين الحروب والتسويات
2017-10-23
دعوا الشعوب تبني دولها
2017-10-16
هبوط اضطراري في موسكو
2017-10-09
المزيد

 
>>