First Published: 2017-03-23

إغلاق صفحة أوباما مع مصر

 

تولي ترامب الرئاسة في الولايات المتحدة يصحح من مسار العلاقات مع مصر. لا يزال هناك الكثير مما ينبغي تحقيقه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

المؤشرات السياسية المتوافرة، تقول أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عازمة على إغلاق الصفحة القاتمة التي سطرتها إدارة سلفه باراك أوباما مع مصر، لكن هذا لا يعني أن مستقبل العلاقات بين البلدين سوف يكون خاليا من المنغصات والتحديات.

ومنتظر أن تعزز الزيارة التي سيقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسي لواشنطن 3 أبريل المقبل، الملامح الإيجابية، وتؤكد وجود فرص جيدة للتفاهم حول عدد من القضايا الساخنة في المنطقة، وأن المسألة لم تعد تتحمل المزيد من التوتر الذي خيم على العلاقات معظم سنوات أوباما.

وبحكم الدور المحوري للولايات المتحدة في العالم، والدور المهم الذي يمكن أن تقوم به مصر في الشرق الأوسط، سوف تتقلص مساحات الخلاف، على قاعدة المصالح المتبادلة.

العربون السياسي الذي قدمته إدارة ترامب لمصر حتى الآن، يشي بارتفاع درجة التصميم على إزالة السحب القاتمة التي تراكمت خلال السنوات الماضية، ويبعث برسالة تطمين بأن الأخطاء التي ارتكبت من السهولة معالجة عدد كبير منها.

ولعل رفض إدارة ترامب تعيين آن باترسون في منصب مساعد وزير الدفاع للشئون السياسية، يصب في اتجاه المحاولات الرامية لتنقية الأجواء، لأن هذه السيدة عندما كانت سفيرة لبلادها في القاهرة انحازت بصلف لجانب الإخوان، وتجاهلت أصوات الملايين في مصر من الرافضين لحكمهم، وصممت على استمرار دعم واشنطن للجماعة، ووقفت موقفا عدائيا من مؤيدي ثورة 30 يونيو 2013.

لذلك ينطوي رفض تعيينها في هذا المنصب، على إشارة تؤكد عدم العودة إلى الفترة التي احتدم فيها الخلاف بين البلدين، ويدعم التوجهات الأميركية الجديدة نحو التعامل مع الإخوان، باعتبارها جماعة تتحمل جانبا رئيسيا من العنف الذي يسود مناطق كثيرة في العالم، واحتمال إدراجها على قائمة التنظيمات الإرهابية ليس ببعيد، وسط مطالبة دوائر عديدة بضرورة تجفيف منابعها المادية والمعنوية في الأراضي الأميركية.

في المقابل، لم يخل تعيين دينا حبيب باول في منصب مساعد مستشار الأمن القومي، من دلالة رمزية، فهي مواطنة مسيحية مصرية في الأصل وتجيد العربية، ووجودها في هذا المنصب الذي تمر عبره التصورات الخارجية الأميركية، يعني أن إدارة ترامب تولي اهتماما كبيرا للمنطقة التي نعيش فيها، وستكون ضمن أولوياتها العملية الفترة المقبلة، ما تطلب وضع شخص ينحدر منها ويدرك تفاعلاتها، ما يؤيد الميل نحو أهمية التفاهم مع مصر.

كما أن حضور سامح شكري وزير الخارجية اجتماع التحالف الدولي ضد "داعش" في واشنطن أمس الأربعاء، رسالة أخرى تسير في اتجاه التطمينات السابقة، لأن مصر حرصت على تجنب الانخراط، عسكريا وسياسيا، في هذا التحالف، الذي تعامل منذ البداية بطريقة انتقائية مع المتطرفين، ففي الوقت الذي بدا كأنه يتعامل بحزم مع فرع داعش في كل من العراق وسوريا، تجاهل فرع التنظيم في ليبيا مثلا.

وفي الوقت الذي مال الخطاب الدولي للقسوة مع التنظيمات المتشددة التي محتمل أن تهدد بعض الدول الغربية، استخدم اللين مع نظيرتها التي تهدد فعلا الكثير من الدول العربية، وتجاهل التحذيرات المصرية من خطورة الانتقائية، ولم يعر بالا للنداءات المتكررة التي طالبت ببلورة رؤية شاملة للتعامل مع التنظيمات الإرهابية، وواصلت الولايات المتحدة وحلفاؤها صم الآذان عن وضع مفهوم محدد للإرهاب، اعتقادا في حشر روافد الحرب القذرة التي يدار بها ملف المتطرفين، بعيدا عن الغرب.

وحضور وزير الخارجية المصري اجتماع واشنطن، يعني أن هناك تغيرا واضحا في الإستراتيجية الأميركية للتعامل مع الإرهاب، والوقت حان للاتفاق حول رؤية شاملة، ما يحمل اعترافا صريحا بأن السياسة التقليدية التي استمرت سنوات لم تعد مجدية حاليا، واستجابة مصر للمشاركة في الاجتماع تؤكد أن لديها معلومات بوجود تطور حقيقي في المفاهيم الدولية والأميركية خصوصا، وثمة صفحة قديمة يجري العمل بجدية على إغلاقها، والكوابيس التي صاحبت تصرفات إدارة أوباما في المنطقة في طريقها إلى الزوال.

سواء كان للرئيس ترامب دورا مباشرا في استئناف ضخ النفط السعودي لمصر أم لا، ففي الحالتين ضاعفت زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي لواشنطن مؤخرا من أهمية تمتين أواصر العلاقات بين القاهرة والرياض، لأن الزيارة تطرقت إلى كثير من أزمات المنطقة وآليات التعامل معها، وكشفت عن الدور المركزي الذي يمكن أن تقوم به مصر في أي ترتيبات قادمة.

المحاولات الساعية لفتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة ومصر لن تكون خالية من المطبات. فهناك ملف التسوية السياسية الذي لم تستقر الإدارة الأميركية على موقف محدد بشأنه، وتبعث بإشارات متناقضة، فتارة تقول بعدم اقتناعها بحل الدولتين، وأخرى تذهب إلى أنها لا تزال تبحث عن صيغة للتسوية، وفي ثالثة تطمئن إسرائيل بعزمها نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

باستثناء تحركات جس النبض، لم تقدم واشنطن دليلا يؤكد أنها تسعى إلى تسوية عادلة، الأمر الذي يقلق مصر، التي تبذل جهودا مضنية لحل القضية الفلسطينية بصورة تحترم قرارات الشرعية الدولية، وهو ما يجعل التباين ظاهرا، وقد يمتد إلى العمق ليضع سطرا أحمرا في الصفحة الجديدة، إذا لم تقدم إدارة ترامب تصورات جادة، تراعي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ناهيك عن إيمان مصر أن الشكل القديم لعلاقة التبعية ذهب بلا رجعة، ولها الحرية الكاملة في اختيار حلفائها وأصدقائها، فأن التعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة لا يعنيان إطلاقا التخلي عن روسيا، وهذه معطلة يمكن تجاوزها في ظل التشابكات التي يحفل بها النظام الدولي، وجعلت واشنطن تلجأ إلى التعاون مع موسكو ذاتها في سوريا.

الحاصل أن قواسم التعاون تتفوق على التباعد، وسوف تكشف نتائج لقاء الرئيس السيسي مع ترامب، ارتفاع درجة التناغم والتفاهم في التفاصيل السياسية، التي تعزز إمكانية حل المشكلات دون أن يضطر أحد إلى تقديم تنازلات مصيرية، ما يسمح بطي صفحة أوباما بسهولة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>