First Published: 2017-03-25

من الشاه القديم إلى الشاه الجديد

 

بعد رحلة مضنية دامية طويلة قطعها النظام الإيراني من طهران إلى دمشق وبيروت عن طريق بغداد، وأنفق عليها سيولا من الدماء، وأطنانا من الدنانير والتومانات والدولارات، حان وقت عودته إلى مسقط رأسه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إبراهيم الزبيدي

لا أحد يُنكر أن علاقات العراق بإيران، في عهد الشاه رضا بهلوي، لم تكن سمنا على عسل دائما، بل كانت تتأزم أحيانا، وتوشك أن تُشعل حروبَ حدود بينهما، مثلما يحدث دائما بين بلدين من بلاد الله المتجاورة، لكن عقل حكامهما كان ينتصر، دائما، على جنونهم، فيسارعون إلى إطفاء فتيلها، وتهدئة الخواطر، وإعادة المياه إلى مجاريها السائرة الرائقة، دون دم ودموع.

وفي مجمل الحسابات يمكن القول إن رضا بهلوي، برغم ما عرف عنه من كبرياء وغرور وعنجهية، كان ذكيا وحصيفا وبعيد نظر. فلم يستخدم مع العراقيين سياسة المكابرة والتعدي والإهانة وتهريب السلاح والمال وتأسيس المليشيات لفرض نفوذه بالقوة والغصب والاحتلال، بل اعتمد سياسة ناعمة، صادقا أو مراوغا، تقوم على تقديم المساعدات، والتبرع بإنشاء المدارس، وصيانة العتبات المقدسة، والمشاركة في أعمال الإغاثة عند الشدائد، لاستمالة قلوب العراقيين، والتغلغل في شؤون الطائفة الشيعية في العراق. لذلك لم يكن العراقيون الآخرون، من غير الشيعة، حاقدين ولا كارهين لذلك التواجد الإيراني الواسع الكبير.

أخبرنا الدكتور عدنان الباجه جي، وكان وزير خارجية الرئيس الراحل عبدالرحمن محمد عارف، بأن توتر العلاقة بين العراق وإيران في أواسط عام 1966 بلغ أشده، وأوشك أن يتحول إلى صراع عسكري بسبب مطالبة الشاه بنصف شط العرب.

يقول الباجه جي، ذات صباح هاتفني رئيس ديوان الرئاسة وأخبرني بأن السيد الرئيس يريدني أن أتوجه إلى معسكر الرشيد على الفور. وحين سألته عن السبب قال هناك ستعرف.

يقول، وفور وصولي وجدت طائرة عسكرية على وشك الإقلاع، وحين دخلتها وجدت أن الرئيس قد سبقني إليها، ومعه وزراء الدفاع والداخلية والموارد المائية، ثم أقلعت الطائرة.

لم يخبرني الرئيس، ولا زملائي الوزراء، بوجهتنا إلى أن علمنا بأن الطائرة دخلت الأجواء الإيرانية، دون ترتيب ديبلوماسي مسبق، ودون علم الجهات الإيرانية المعنية، حين خاطب قائد الطائرة برج المراقبة الإيراني وأخبره بأن السيد رئيس الجمهورية العراقية قادم لتناول طعام الغداء مع جلالة الشاه.

يقول، وهبطنا، وتوجهنا فورا إلى القصر الملكي، وكانت المفاجأة أن وجدنا الشاه في انتظارنا عن المدخل الخارجي للقصر، على غير عادته، مرحبا بالرئيس وبنا بحرارة.

وفي جلسة غير رسمية في صالة استراحة القصر بادره الرئيس عبدالرحمن بالكلام قائلا بابتسامته العفوية التي عودنا عليها "لماذا أنت غاضب أيها الأخ والجار والصديق؟ أتريد ماءً؟ خذ ماءً بقدر ما تستطيع، فنحن إخوة وجيران، وحق الجار على الجار". وأردف قائلا، "نستطيع الآن، أنت وأنا أن نعلن الحرب بين جيوشنا، ولكن صدقني لا أنت ولا أنا سنستطيع وقفها، لأن عشرات الأيدي الخفية سوف تتدخل وتتلاعب وتمد أجل الحرب سنوات طويلة، ولن يدفع الثمن غير شعبينا وجيشينا، ولن ينتصر أحد منا على الآخر، مهما قلتُ أنا وفعلت، وقلتَ أنت وفعلت".

"أنا عسكري وأعرف ما تنتجه الحروب لأهلها، فهل توافقني على ذلك؟" يقول الدكتور الباجه جي، وهنا نهض الشاه مبتسما وعانق الرئيس، ثم هدأت الخواطر، وحل الوئام والرضا والسلام، وتناولنا طعام الغداء، وعدنا ونحن فخورون بمبادرة الرئيس الذي أنجز، بطيبته وبعد نظره، ما لم أستطع أنا، وزير الخارجية، وخبراؤنا وسفراؤنا، أن ننجزه مع إيران في شهور.

والحقيقة التي لا تنكر أن الإيرانيين والعراقيين، على امتداد أجيال وأجيال، كانوا يتزاورون بدون أذونات دخول. وزهور حسين ويوسف عمر كانا يغنيان بالفارسية في الإذاعة الوحيدة التي يستمع إليها أصحاب الحكم العراقي ومعارضوهم على السواء ولا أحد يشتكي أو يعترض.

وعشراتٌ من أبرز الأدباء والشعراء والتجار وقادة الجيش والأمن وشرطة الحدود كانوا من أصول إيرانية استوطن أجدادهم وآباؤهم العراق، وحصلوا على جنسيته، وأصبحوا من أهله المحترمين، بل من أكثرهم وطنية عراقية صافية، وغيرة عليه.

ولم تتغير الأمور إلا حين حكمت الظروف (المُحيـِّرة) بصعود اثنين، صدام حسين والإمام الخميني إلى موقع القيادة في البلدين، وفي العام نفسه كذلك.

الأول ارتكب غلطة عمره حين طرد الثاني من العراق، بطلب من الشاه، بعد توقيع اتفاقية الجزائر، ورماه مع ولده على حدود الكويت التي رفضت منحه تأشيرة دخول، خوفا من الشاه، لتلتقطه فرنسا وأميركا وتحمله إلى باريس وتُعينه على نشر رسائل الكاسيت التي أسقط بها حكم الشاه، وأصبح حاكم إيران المطلق القوي، ليرفع شعار تصدير الثورة لإسقاط صدام (البعثي) (الكافر) في العراق.

والثاني كان الأكثر عنادا وجبروتا وعنجهية. فقد ترجم حقده الشخصي والقومي والطائفي على الحاكم الذي أهانه ذات يوم بإعلان دعوته إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية على أنقاض حكومات المنطقة، وأولها العراق. الأمر الذي أشعل بينهما حرب الثماني سنوات التي خلفت ملايين القتلى والمفقودين والأسرى والمشوهين، وأحرقت مئات المليارات من الدولارات من موارد الدولتين.

أما صدام فقد لجأ إلى الاستنجاد بالعصبية القومية العروبية لجعل حربه دفاعا عن البوابة الشرقية للوطن العربي ضد الهجمة الفارسية (المجوسية)، لاستثارة حمية المصريين والأردنيين وعرب الخليج.

أما الخميني فقد لجأ إلى إنعاش العنصرية الفارسية، مستغلا دعاية صدام ضد الأمة الفارسية وأمجادها القومية القديمة، جنبا إلى جنب مع جهده الكبير لاستثمار مظلومية الشيعة العراقيين والعرب في ظل حكم الطائفة السنية في العراق وفي غيره من الدول العربية التي يتواجدون فيها، رافعا شعارات نصرة الإمام علي الذي اغتصبت منه الخلافة، والثأر للإمام الحسين من قاتليه.

شيء آخر. لقد تعلم الخميني من هزيمته في حربه التقليدية مع خصمه (الشخصي) (الطائفي) (القومي) صدام حسين أن الحروب، بالواسطة، رغم أنها الأطول نفَسا، هي الأضمن للنتيجة، والأقل تكلفة، والأقدر على تحقيق حلمه الامبراطوري الكبير. فعمد إلى تأسيس الأحزاب والتجمعات والمنظمات والمليشيات من أبناء الدولة التي يريد غزوها. وأوصى وريثه باتباع النهج ذاته، والالتزام به لإكمال المسيرة نحو دولة الخلافة الجديدة، ولكن وفق شروط الخميني وفهمه وقناعاته، وحده لا شريك له.

ورغم رحيله فقد بقيت فتاواه وتوجيهاته وراءه ترسم سياسات وريثه الولي الفقيه.

والحقيقة أن نظام صدام لم تُسقطه دباباتُ الأميركيين، وحدها، بل المعونة الإيرانية والسورية الأسدية التي لا تنكرها إيران، بل تباهي بها على الدوام.

وهنا نأتي إلى خلاصة المقال، ونسأل، من كان الأكثر حكمة وحنكة وبعد نظر، شاه إيران أم الخميني؟

والسؤال بصيغة أخرى. أيُ السياستين أكثرُ قدرة على استمالة العراقيين، وترويضهم وانتزاع رضاهم عن الوجود الإيراني (العميق) في الدولة العراقية، سياسة الاستثمار المالي والثقافي والصحي والاجتماعي والديني، أم سياسة القمع والقتل والاغتيال وتفجير المفخخات وإيقاظ الأحقاد الطائفية النائمة، وتسليط أكثر العراقيين خيانة لهويتهم الوطنية، وأكثرهم فسادا وجهالة وطائفية على باقي فئات الشعب العراقي وطوائفه وأديانه وقومياته المتعددة، وجعل الملايين الصابرة، الشيعة قبل السنية، والعربية قبل الكردية والتركمانية، والمسلمة قبل المسيحية، تترقب الساعة التي ترى فيها نهاية عهد الطاغوت الإيراني البغيض؟

سؤال آخر، كم يبلغ عدد الموالين لإيران من العراقيين الذين تَعلم إيران علم اليقين بأنهم فاسدون وجهلة وأغبياء وانتهازيون ومنافقون وغدارون ومزورون؟ أليس غباءً إيرانيا مُبينا كسبُ هذه القلة من المنبوذين والمغضوب عليهم، وإنتاجُ عداوة عشرات الملايين من العراقيين؟

أليس هذا كافيا لجعل الشعب العراقي، كله، أو أغلبه، يؤيد ويتمنى وينتظر ويبارك أن تأتيه النجدة حتى من الشياطين لتخليصه من الكابوس الإيراني الثقيل، ولطرد جواسيسه، ومحاكمة وكلائه على ما اتركبوه من سيئات ومهازل وموبقات؟

وأليس هذا ما يفسر الإنجذاب العاجل الواسع العميق لدى ملايين العراقيين والسوريين واللبنانيين واليمنيين والبحارنة إلى ترامب وإلى صقور إدارته أملا في إنقاذهم من سطوة أصحاب العمائم الجاهلة الغبية التي لا تقرأ التاريخ ولا تفهم منطق الزمن الذي لا يعود إلى وراء؟

ومن تصاعد شتائم القادة العسكريين والمدنيين الإيرانيين وتهديداتهم ضد ترامب وإدارته يمكن قراءة المحذور المخفي الذي أصبح أقرب إليهم من حبل الوريد.

والظاهر أن وراء الأكمة ما وراءها. فبعد رحلة مضنية دامية طويلة قطعها النظام الإيراني من طهران إلى دمشق وبيروت عن طريق بغداد، وأنفق عليها سيولا من الدماء، وأطنانا من الدنانير والتومانات والدولارات، حان وقت عودته إلى مسقط رأسه، من جديد، شاء من شاء، وأبى من أبى. ولكل ذهاب إياب، كما يقولون.

 

إبراهيم الزبيدي

الاسم عراقي
الدولة الاردن

سبب طرد الخميني من العراق لتحريضه على الحكومة العراقية وايران وهذا مخالف لمبدء اللجوء .

2017-03-25

الاسم مراقب
الدولة العراق

مع الاسف ان كاتب المقال لم يقراء التاريخ جيدا واعتمد على روايات لا تمت للحقيقة بصلة ..

2017-03-25

 
إبراهيم الزبيدي
 
أرشيف الكاتب
محمد بن سلمان العراقي
2017-12-01
بين احتلالين
2017-11-18
الانتخابات العراقية، ما الفائدة؟
2017-11-14
كركوك اليوم، والسليمانية أمس، وغدا أربيل
2017-10-23
شهادة وفاة العقد 'الفيدرالي' المغشوش
2017-10-12
حروب العنصريين القديمة الجديدة في المنطقة
2017-09-26
لا مسعود ولا خصومه
2017-09-15
إذهبوا فأنتم الطلقاء
2017-09-08
مراوغات ومناورات ومغالطات
2017-09-05
إيران وتركيا ومَن بينهما
2017-08-22
المزيد

 
>>