First Published: 2017-03-27

تنويعات على جسد مصري لا متجانس

 

غادر كوهين ويلملم مرقص اغراضه استعدادا للرحيل، ولم يبق إلا حسن بأشكاله: حسن الأخواني، وحسن السلفي، وحسن الليبرالي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: مي فاروق

وجوهنا الملونة بمساحيق باهتة، لم تعد تتعامد عليها الشمس يوما، نتحاشى النور والحقيقة. فراغٌ كبير صار يملأنا وأفكارٌ ملعونة، وبابٌ مفتوح لم نعد نمر منه، وأشياء أخرى عبثية تأتي متدافعةَ من النافذة، في كل مكانٍ أجزاءٌ متفرقة لجموعٍ حاشدةٍ يملؤها الغبار والأتربة، أجزاء لا جسدَ لها ولا هويةَ.

فرغم ملحمة آلالاف السنين من تاريخ الحياة والكون والحضارة ظل الجسد البشري أجزاءً في كل صوب وفِي كل حدب.

ولحديث الْيَوْمَ شجنٌ كبير، فالواقع والحدس معا يخبرانا إننا نشيدُ معابدَ في أرض كربٍ وبلاء.

لن أُطيل عليكم الوجع الذي صار دخانا، يكسونا بمعطفه الرمادي. وسأتذكر معكم ما أخبرتنا به الذاكرة الوطنية، أن ثمة شخصية عاشت على ضفاف النيل، خلقت سماتٍ متميزة، ومتشابهة على مدى العصور، تُسمى الشخصية المصرية. لكننا إذا استعرضنا الدراما التاريخية كاملة بوعي وصدق، سنرى في الآفاق بؤسا شاخصا يجعلني أسأل بعض الأسئلة المعقدة والمحرمة معا، والتي بحاجة لشفافية من نوع خاص للإجابة عنها.

فهل حقا مصر متجانسة اجتماعيا؟ وإذا كانت فلماذا لم تحقق ضميرا جمعيا واحدا على أسس وطنيةَ فحسب؟

مصر صاحبة أقدم تاريخ بالعالم يعود لأكثر من 3300 ق.م. لم تستطع تحقيق ديمقراطية توافقية تحترم فيها الأغلبية الأقليات. فلماذا؟

مثل هذه الأسئلة والأطروحات لا تعني مطلقا الانصراف عن الوطن والمواطنة، بل بالعكس تماما هي الوطن ذاته إذا أردناه كلا لا يتجزأ. كما أن جملة الأحداث الأخيرة والتي أخذت شكلا دينيا صارت تهدد الوحدة الوطنية، وتوضح أن ثمة ورما خبيثا وقديما يعاني منه المجتمع المصري صار الآن يهدد هويتها بالتشويش، وقد يحولها (بعيدا عن نظرية المؤامرة - وفي ظل الفساد الداخلي، والفراغ الإقليمي) إلى نمط استعماري استعلائي، يجعل الأقليات فاقدةَ للثقة فيما بينها، بل يجعل الجميع في احتقان دائم.

الصورة الآن لا يمكن تجميلها، ولا اختزال معناها، هي تشظي وانشطارات في الكل والجزء معا.

فبعد رحيل كوهين لدواعٍ أمنيةٍ، وأخرى قسرية، لم يعد المشهد متسعاَ لحسن، ومرقص معا، الآن يجمع مرقص أغراضه ويرحل ليس من سيناء فحسب، بل من مصر كلها. ليترك المشهد لحسن وحده، الذي قرر ان يواجه حسن الاخواني، وحسن السلفي، وحسن الليبرالي، مزيد من الانفصال والانقسامات.

الكل تحول لكيانات خطابية مشحونة تسير على تنويعات من النفي.

أعلم أن العلاقة بين الأديان معقدة على مر القرون وأحيانا متوترة، إلا ان في جوهرها تسود الألفة والمشابهة، مما يستوجب التبادل الإنساني والحضاري.

لا بد أن نستوعب أن الهجري كان يوما ميلاديا، والميلادي كان يوما عبريا، وأن السلطة الوحيدة لهم وعليهم ليست سوى سلطة العقل والمعرفة.

المعادلة الوطنية تصر على القول إن الدين لله والوطن للجميع، لذا إما أن نبقى معا أو نغادر معا.

فلماذا يرحل الأقباط ولماذا تبارك الدولة ذلك مستندة لحجج أمنية، أي أمنٍ تدعي وهي تعيد بذلك رسم خريطة جديدة تنبني على الانفصال والرحيل.

صحيح أن مصر كحال العالم العربي في أكثر فتراتها دراماتيكية، إلا ان المجتمع يعيد انتاج نفسه على أساس من الظلم مرة، ومن الانفصال مرة أخرى، فماذا ننتظر من المجتمعات المغلقة (الكومبوندات)، ومجتمعات "الكوفي شوب" رمز الانفصال المدني، والسجون التي امتلأت بالشباب، وسواء أكانوا مجرمين أم مظلومين، فالأمر صار سوداويا ومخيفا للمستقبل، وماذا ننتظر من مآذن محرضة، وأجراسا تبارك الرحيل.

أي خريطة تُرسم وتتشكل في ظل هذه الفوارق الاجتماعية، والدينية، والطائفية، والطبقية التي تفاوتت لتتسع معها مساحات الخطر والتشظي. كل هذا المقلوب والمشطور يخلق خلافاتٍ وتوترات شرسة تهدد تاريخ دولة تعود لأكثر من 3000 عام ق. م.

فمصر التي في خاطري، وفِي فمي شعبٌ بأسره فرعونية، قبطية، إسلامية، عربية، أجزاء في كل واحد.

فمتى نفهم أن مشكلتنا مشكلة تُسمى "التجانس الاجتماعي" الذي يصنع بمنطق العائلة والمواطنة معا.

فمن قال إن التجانس بلون واحد؟ هو بألوان متعددة، وسبيله الوحيد العلاقة القانونية والواضحة بين المواطن والدولة، وان الدين لا دخل له فيها، فمن وُلد مسلماَ أو قبطياَ، فهذا قدره، أما أن يصبح مواطنا فهذا قراره في ظل مجتمعٍ مدني يحترم شرائحه المختلفة، في رابطة عضوية واحدة.

ألم يحن الوقت لفهم وتدبر "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" والتي تعني غرس التشابهات الجوهرية، والاعتماد على البناء العقلي أكثر من التغذية العاطفية.

الصراع المنتفخ بين طبقات المجتمع وعناصره لن تهدأ الا من خلال الرؤية الأخلاقية التي يترابط فيها الدين مع القانون والأخلاق لتحقيق الفعالية الاجتماعية والثقافية.

فمن قال إن الاستقرار وليد الترسانات الأمنية المسلحة فحسب، الاستقرار له طابع معرفي أولا، كما أن التمييز وحده كفيل بخلق جماعات إرهابية، فما أدرانا أنه ممكن بالقريب تأتي جماعات أخرى إرهابية بثوب إنجيلي؟

فغياب التجانس المجتمعي الذي يقوم على روابط مدنية تتخطى الانتماءات والدين يخلق عقولا منفعلة لا فاعلة.

لتضييق الفجوات المتسعة والعبث المستشري لا بد من الدمج المعياري والثقافي والتواصلي والوظيفي لحل الصراعات دون استدعاء للعنف.

أيها المصريون ثمة أنوية ضوئية منتشرة في أجسادكم على مر الزمان، فهل رأيتموها؟

 

مي فاروق

كاتبة مصرية

الاسم حسونه إبراهيم العزابي
الدولة ليبيا

لن نفلح في الخروج من هذا النفق المظلم مالم ندرك بأننا - في حقيقتنا - لسنا مجتمعات متدينة كما نتوهم بل مجتمعات تمارس فقط طقوسًا دينية !! لذا وجدتْ أسافين الأدلجة أرضًا خصبة لتُغرَس فيها وتزيد من منسوب التباغض المفتعل لماءِ نهرٍ يعيش على ضفافه الجميع !! ..أستاذة مي خالص شكري وكام...

2017-03-31

الاسم ريم ابو الفضل
الدولة كاتبة مصرية

مقال عميق وموجع بقدر جماله وحساسيته

كل الأديان جوهرها الإنسانية والرحمة لكن أغلب من يتصدرون المشهد ولا أقول يعتنقون الدين لأنهم سفراء سوء يتجاهلون الجوهر ويتخلون عن إنسايتهم ويؤذون إنسانيتنا

نحن ياعزيزتي لسنا أمام حسن السلفي والإخواني والليبرالي واليس...

2017-03-29

الاسم فاطمة
الدولة الكويت

روووعة

2017-03-28

الاسم ام محمد
الدولة مصر

كلام سليم اللهم اصلح حال مصر يارب

2017-03-28

الاسم علي
الدولة العراق

رأي جرئ و حر و رؤية صائبة

حقا نحن كهرب نحتاج لوعي وطني لا ديني

2017-03-27

الاسم المهاجر
الدولة المهجر

لأول مرة أقرأ للكاتبة \' مي المصري \' وكل ما اتمناهُ رجاء واحد : أتحفينا بالمزيد مع التحية.

2017-03-27

الاسم عبد الله
الدولة مصر

ببساطة و بعمق

اكثر من رائع سلمت أناملك

2017-03-27

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

إن أي أمة تسقط لا يمكن ان تعود إذا سارت على نفس خطا الماضي. الأمة العربية والإسلامية أمة سقطت وأنظمة معينة رفضت الاعتراف ، وجامعات تخرج امعات واموات ، ودور العبادة تروج للسعادة بعد الممات.

2017-03-27

 
مي فاروق
 
أرشيف الكاتب
تنويعات على جسد مصري لا متجانس
2017-03-27
المزيد

 
>>