First Published: 2017-03-29

السهل والصعب في القمّة العربية

 

قمّة البحر الميت لم تنجح كلّيا في احياء التضامن العربي، لكنّها نجحت في طرح القضايا الخلافية في أجواء من الشفافية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

هناك الجانب السهل في القمة العربية... وهناك الجانب الصعب فيها. اذا وضعنا جانبا انّ القمة التي يستضيفها البحر البيت الميّت تمثل انتصارا كبيرا للاردن بعدما استطاع الملك عبدالله الثاني تأمين حضور كبير للزعماء العرب، بمن في ذلك تأكيدات على حضور الملك محمّد السادس، الذي قلّما يحضر مثل هذا النوع من القمم، فان السهل سيكون الاتفاق في شأن كلّ ما له علاقة بالقضية الفلسطينية.

لم يسبق لقمّة عربية ان جمعت كلّ هذا العدد من الزعماء العرب منذ فترة طويلة. لن يتغيّب سوى الزعماء الذين لديهم أسباب صحّية تحول دون حضورهم مثل رئيس دولة الامارات العربية المتحدة الشيخ خليفة بن زايد والسلطان قابوس والرئيس عبدالعزيز بوتفليقة. الأكيد ان العاهل الأردني بذل جهودا مضنية للوصول الى ضمان هذا المستوى من الحضور، لكن ذلك لا يمنع الاعتراف بانّه يبقى هناك الجانب الصعب في القمّة.

يتمثّل الجانب الصعب في المواضيع المتعلّقة بايران ومشروعها التوسّعي المرتكز على اثارة الغرائز المذهبية وعلى الأدوار التي تقوم بها الميليشيات التابعة لها. ما يجعل الامور اكثر تعقيدا مواقف دول مثل العراق والجزائر ولبنان الذي يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه بعدما اطلق رئيس الجمهورية ميشال عون تصريحات يُفهم منها انّه يعتبر سلاح "حزب الله"، الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الايراني، مكملا لسلاح الجيش اللبناني.

يزداد الموقف اللبناني حساسية، حتّى لا نقول سذاجة، في ظل اصرار بعضهم على تفسيره الخاص لقضية الموقف من اللاجئين السوريين الى الأراضي اللبنانية. ينطلق هذا البعض من انّ قسما من هؤلاء دخل الى لبنان "من دون ارادته"، أي غصبا عن السلطة اللبنانية. بدا لاعضاء الوفود الذين كانوا يستمعون الى ممثل لبنان في الاجتماعات التحضيرية للقمة كما لو انّ اللاجئين السوريين جاؤوا الى البلد بملء ارادتهم وليس هناك من دفعهم الى الخروج من سوريا بعد اقتلاعهم من ارضهم. في كلّ الأحوال، اضطرت جامعة الدول العربية الى تصحيح الموقف اللبناني. زادت على نصّ القرار المتعلّق باللاجئين السوريين عبارة "الذين هجروا قسرا"، وهذا يعني من باب التوضيح انّ هؤلاء اجبروا على مغادرة مدنهم وقراهم في سوريا... ولم يكن انتقالهم الى لبنان مجرّد نزهة بين من تسبب بها "حزب الله" الذي يشارك في الحرب التي يخوضها النظام مع الشعب السوري.

هل يمكن للقمة اتخاذ موقف واضح من التدخلات الايرانية في الشؤون العربية؟ ثمّة من يعتقد ان ذلك ممكن وان تحفّظ العراق والجزائر، وربّما لبنان، لا ينفي وجود أكثرية عربية تعي تماما ماذا يعني ان تكون هناك ميليشيات مذهبية تابعة لإيران تعمل على تمزيق العراق وسوريا ولبنان واليمن وتهدّد البحرين...

سيجد الزعماء العرب صيغا لتجاوز الخلاف في شأن التدخلات الايرانية والحرب على الإرهاب. فالجميع في البحر الميّت يدين الإرهاب. ولكن من الذي يمارس الإرهاب في المنطقة؟ هل "داعش" تنظيم إرهابي يمكن محاربته بواسطة "الحشد الشعبي" الذي يتكوّن من مجموعة ميليشيات تابعة لاحزاب عراقية من نوع معيّن تجمع بينها التبعية لإيران؟

الواضح ان هناك تفاهما في شأن سوريا واليمن. لا حلّ عسكريا في سوريا التي تتنافس فيها كلّ القوى الإقليمية والدولية، فيما لا تزال المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني وقرارات مجلس الامن لا تزال تشكّل اسسا لتسوية في اليمن حيث استطاعت "عاصفة الحزم" وضع حدّ للمشروع الايراني. لكنّ الواضح أيضا انّ دول الخليج العربي لن تتهاون حيال كلّ ما من شأنه الحؤول دون الخروج بموقف لا لبس فيه تجاه الممارسات الايرانية التي توفّر حاضنة لـ"داعش" وما شابه "داعش".

نجحت القمة التي استضافها الأردن قبل ان تبدأ. سيكون هناك، للمرّة الاولى منذ فترة طويلة، اخذ وردّ بين العرب في أجواء شبه معقولة وبحث في قضايا كان هناك دائما من يريد تفادي البحث فيها لسبب او لآخر. ستكون هناك مصالحات، حتّى لو لم يستطع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي التزام تعهداته العربية، خصوصا تجاه دول الخليج. في النهاية، سيظلّ السؤال المطروح من اقوى من الآخر في العراق؟ هل العبادي اقوى من "الحشد الشعبي" الذي صار مؤسسة شرعية معترفا بها، كما صار صاحب الكلمة الفصل في هذا البلد. ما يشير الى انّ مثل هذا السؤال في محلّه هو انّ الكلّ، على الضفّة الأردنية من البحر الميّت يعرف انّ "الحشد الشعبي" صار قوّة لا يستهان بها في العراق وانّ الكلمة الاولى والأخيرة ستبقى، الى اشعار آخر، لإيران منذ سلّمته لها إدارة جورج بوش الابن في مثل هذه الايّام من العام 2003.

ما سيزيد من نجاح القمة التي يستضيفها الأردن رفض القبول بقرارات الحدّ الأدنى من اجل المحافظة على نوع من التضامن العربي. لا معنى لايّ تضامن عربي حقيقي من دون اتفاقات وتفاهمات في العمق تشمل كلّ أنواع الإرهاب وليس إرهاب "داعش" وحده. سيحصل ذلك حتّى لو لم يتوفّر له اجماع.

معروف تماما انّ هناك تحالفا دوليا سيجتثّ "داعش". ولكن ماذا اذا كانت معركة الموصل ستنتهي غدا ليتبيّن ان لدى "داعش" واخوته قدرة على الانتقال الى مكان آخر. ماذا اذا تبيّن ان ممارسات "الحشد الشعبي" في الموصل ستزيد من حال الاحتقان المذهبي بين السنّة والشيعة في العراق؟

مرّة أخرى، سيكون من السهل حصول تفاهم عربي في شأن القضيّة الفلسطينية. هذا سيساعد الى حدّ كبير في التأثير على مواقف الإدارة الاميركية الجديدة التي لا تزال في مرحلة بلورة سياساتها الشرق الاوسطية والخليجية.

في المقابل، سيظلّ صعبا إيجاد موقف موحّد من المشروع التوسّعي الايراني الذي يشكّل حاليا خطرا على كلّ المجتمعات العربية نظرا الى اعتماده على الميليشيات المذهبية اوّلا وأخيرا.

المفيد انّ مجموعة من العرب قرّرت مواجهة الواقع بدل الالتفاف عليه. هناك مصالحة مع الواقع دفع في اتجاهها بلد اسمه الأردن يعرف الملك فيه تماما ان في العالم حاليا مراكز قوى عدّة. من يبحث عن دليل على ذلك يستطيع التساؤل لماذا بقي هناك حدّ ادنى من الهدوء في الجنوب السوري ذي الكثافة السكّانية؟ اليس ذلك عائدا الى الدور الذي لعبه الأردن على صعيدين؟

الصعيد الاوّل اقناع عبدالله الثاني الرئيس فلاديمير بوتين بتفادي التصعيد في تلك المنطقة (حوران ومحيطها) التي فيها نحو سبعة ملايين سوري والتي يؤثر الوضع فيها مباشرة على الوضع الأردني. امّا الصعيد الآخر، فهو يتمثّل في نجاح الأردن في إقامة منطقة عازلة بفضل قوات من المعارضة السورية المعتدلة والعشائر.

يعرف الأردن ما يمكن عمله وما لا يمكن عمله. لذلك يمكن القول ان قمّة البحر الميت لم تنجح كلّيا في احياء التضامن العربي، لكنّها نجحت في طرح القضايا الخلافية في أجواء من الشفافية تعكس رغبة لدى معظم العرب في ان لا يكونوا على هامش الاحداث الدائرة في المنطقة والعالم، بما في ذلك الاجتماعات التي تجري في استانا حيث الأردن، مثله مثل الولايات المتحدة في دور المراقب، فيما الموضوع السوري يناقش بين روسيا وايران وتركيا. اليس دور المراقب افضل من الغياب العربي التام!

 

خيرالله خيرالله

الاسم بلدوزر
الدولة المكان المناسب

القمه العربيه في الأردن وفي اوطي نقطه تحت سطح الأرض تجمعوا قاده العرب

2017-03-31

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
كي يكون للمصالحة الفلسطينية معنى
2017-10-06
المزيد

 
>>