First Published: 2017-03-31

الصين وأفريقيا، من الثورة إلى الثروة

 

ما بدأ ايدلوجيا في الخمسينات من القرن الماضي صار اقتصاديا شاملا يومنا هذا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. طارق ليساوي

لا شك في أن صعود الصين له تأثير على الاقتصاد العالمي، فوزن هذا الاقتصاد وسرعة نموه له تأثير مزدوج –سلبي وايجابي- على العديد من البلدان والقطاعات الاقتصادية. فهناك العديد من الدراسات التي تناولت تأثير الصين على من الدول والأقاليم. لكن دراسة تأثير الصعود الصيني على إفريقيا لم يحظَ بنفس الاهتمام الأكاديمي إلا في السنوات الأخيرة وبدافع من المنافسة الامبريالية على موارد القارة.

ففي السنوات الأخيرة تصاعدت وثيرة المخاوف والشكوك من الحضور الصيني بالقارة السمراء. فالبعض ينظر بإيجابية لهذه العلاقة الجديدة "جنوب-جنوب". وتحمل هذه العلاقة بعض المؤشرات على كيفية تطور السياسة الخارجية للصين بعد 1978. ومنهم من يعتبره "استعمارا صينيا جديدا" الغرض منه السيطرة على المواد الأولية للقارة. وهذا الموقف عبر عنه مؤخرا رئيس البرلمان الاوروبي انطونيو تاجاني في عدد صحيفة دي فليت الألمانية.

في علاقات الصين مع أفريقيا - كما هو الحال في معظم مجالات صنع السياسة في الصين - أفسحت الأيديولوجية المجال لعملية السعي إلى الاستفادة الاقتصادية بدلا من تصدير الثورة إلى القارة. وتبعا لمؤشرات التجارة الصينية الأفريقية، فإن إجمالي قيمة تجارة الصين مع أفريقيا في عام 1999 قد بلغ 2 مليار دولار أميركي، ارتفعت في عام 2004 إلى نحو 29.6 مليار دولار، وارتفعت عند مطلع العام 2006 إلى أكثر من 39.7 مليار، وتجاوزت في متم العام 2016 سقف 130 مليار دولار.

ثمة مجموعة من التساؤلات المرتبطة بطبيعة التغير في السلوك الصيني الخارجي تجاه أفريقيا، ولاسيما بعد 1978. هذه التساؤلات لا يتم الرد عليها إلا من خلال تناول تطور العلاقات الصينية الأفريقية، بغرض فهم مرونة الدبلوماسية الصينية واستجابتها للاحتياجات الصاعدة للاقتصاد الصيني، وذلك عبر محورين.

أولا – دبلوماسية تصدير الثورة

العلاقات الصينية- الإفريقية تعود إلى القرن الخامس عشر، ما بين 1405 و1433. قام البحار الصيني زينغ هي في عهد أسرة "مينغ" برحلة بحرية قادته إلى المحيط الهندي وقد استغل هذه الرحلة للرسو بغرب القارة الإفريقية حيث نزل هو ورجاله بكينيا والصومال، وحملوا معهم من هذه الرحلة بعض الحيوانات الأفريقية، كما خلفوا وراءهم بعض الأواني الخزفية.

غير أن العلاقات الصينية ـ الأفريقية، ستعرف تحولا مند مؤتمر باندونج عام 1955 والذي يمثل بداية حقيقية لإدراك الصين لأهمية العالم الثالث. فقد كانت الصين تهدف منذ أوائل الخمسينيات إلى تأمين وجودها كدولة، والاعتراف بها في مواجهة تايوان، ومواجهة الخطر الأميركي، بالإضافة إلى أن تجاوز سياستها الخارجية حدود الكتلة الاشتراكية والدول الآسيوية لتشمل مناطق أخرى من العالم في أفريقيا. ويمكن إرجاع الاهتمام الصيني بأفريقيا خلال مرحلة الخمسينات والستينات إلى العوامل التالية:

- الاعتقاد بأن منظومة دول العالم الثالث هي الأقدر على تحقيق الأهداف السياسية والأيديولوجية للصين، وقد ساد شعار "الإخوة الفقراء".

- السعي الصيني لتأمين الدعم والتأييد الدولي لها ولحكومتها، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصيني.

- أدى الصراع الصيني ـ السوفييتي إلى تزايد الاهتمام بأفريقيا باعتبارها ساحة خلفية للصراع بين العملاقين. ويبدو ذلك جليا من الجولات التي قام بها رئيس الوزراء الصيني شوين لاي للقارة خلال الفترة 1963ـ 1964.

وعلى صعيد الممارسة العملية، عملت السياسة الصينية على دعم الدول الأفريقية، من خلال المساعدات الفنية والاقتصادية والعسكرية، وذلك في محاولة منها لتقويض هيمنة القوى الغربية، ولتأسيس دعائم نظام عالمي جديد تقوده طبقة البروليتاريا. وفي المقابل، كانت الدول الأفريقية بحاجة إلى الحلفاء لكسب معركة التحرر الوطني، كما أنها كانت بحاجة أيضا إلى الدعم المادي لتمويل مسيرة نضالها الوطني من أجل الاستقلال والتنمية.

كانت الثورة الثقافية التي عرفتها الصين خلال الفترة 1966 ـ 1969 قد أسهمت في عرقلة تطور العلاقات الصينية –الأفريقية، حيث بدأت الصين في الانكفاء على الذات، وهو ما ظهر جليا في استدعاء أغلب سفرائها من أفريقيا. لكن مع نهاية الحقبة الماوية بوفاة ماو تسي تونغ وتنحية "عصابة الأربعة" عن السيطرة على الحزب والدولة، وصعود نجم الإصلاحيين، وفي مقدمتهم دونغ شياو بينغ شهدت الدبلوماسية الصينية تحولا برغماتيا باتجاه توفير احتياجات الاقتصاد الصيني وتأمين متطلبات التنمية.

ثانيا- دبلوماسية البحث عن الثروة

تبدأ هذه الحقبة بعام 1978 واتسمت بتركيز السياسة الصينية على الاستثمار في القطاع الاقتصادي بغرض تحديث الصين وتنميتها. فقد استمرت أفريقيا تمثل مكونا محوريا في التوجه الصيني الخارجي. وظهر ذلك بوضوح في المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر 1982 الذي شخص ثوابت السياسية الخارجية للصين:

- التأكيد على مبدأ السياسة الخارجية المستقلة، حيث نأت الصين بنفسها عن القوى الكبرى في العالم.

- كما أكت على مبادئ التعايش السلمي مع جميع دول العالم بما فيها الدول الاشتراكية.

ـ التأكيد على المصالح والمنافع المتبادلة في برنامج المساعدات الاقتصادية والفنية المقدمة لأفريقيا.

وبعد أحداث ميدان تيانتمين عام 1989، أعادت الصين رفع شعار تعاون دول الجنوب وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وذلك توطئة لتدعيم ركائز النظام العالمي الجديد. وهذه القراءة الصينية لمبدأ عدم التدخل الدولي توجهت ولو بشكل غير مباشر إلى موقف الغرب من قضايا حقوق الإنسان.

ورغم أن السياسة الصينية الجديدة خلال تلك المرحلة قد غلب عليها التوجه البرغماتي، الذي ينحاز للمصالح الاقتصادية للصين، وهو ما أعطى دبلوماسيتها الخاصة بالنفط في أفريقيا أهمية كبرى، إلا أن الاعتبارات السياسية والأيديولوجية التي شكلت دوما ركيزة العلاقات الصينية الأفريقية لا تزال تحتفظ ببعض من جاذبيتها. وليس أدل على ذلك مما جاء في حديث رئيس جنوب أفريقيا السابق تابو مبيكي أثناء زيارته للصين عام 2001 حينما قال: "إنه يمكن التعرف على واقعنا والعالم من حولنا من خلال الانقسام الحادث بين الأغنياء والفقراء الذين يملكون والذين لا يملكون... إننا جميعا مع الصين ننتمي إلى موقف واحد وهو دول الجنوب...".

ومع عودة هونج كونج إلى الصين في الأول من يوليو عام 1997 بقيت مسألة تايوان وعودتها إلى السيادة الصينية أحد أهداف السياسة الصينية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وقد حققت الصين نجاحا ملحوظا على الصعيد الأفريقي في هذا السياق، إذ تقلص عدد الدول التي تعترف بتايوان بنهاية عام 2006 إلى خمس دول فقط.

لكن العلاقات الصينية الأفريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة أصبحت تحكمها اعتبارات اقتصادية مثل احتياجات الاقتصاد الصيني للنفط والموارد الطبيعية الأفريقية، وسياسة الاستثمار والتجارة، وسياسة المعونات الصينية لأفريقيا.

 

د. طارق ليساوي

إعلامي مغربي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي

 
د. طارق ليساوي
 
أرشيف الكاتب
الصين وأفريقيا، من الثورة إلى الثروة
2017-03-31
المزيد

 
>>