First Published: 2017-04-02

مارساليس: الصبر مفتاح لتطوير البراعة التقنية والأسلوب الفني الخاص

 

أسطورة الجاز يؤكد أن التواضع هو أساس التعليـم لأنه يبعـد الغرور الذي يضع عصابة على عينيـك، وبذلك يبقيهمـا مفتوحتين على الحقائق لتكشف عن نفسها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

إلى عازف جاز يافع

شهد الأمسية الموسيقية التي أقامها أسطورة الجاز، المؤسس والمدير الفني لـ "جاز لينكولن سنتر" وينتن مارساليس بصحبة فرقته الموسيقية، وانضم إليهم ضيف شرف الحفل، أستاذ العود العراقي الموسيقار نصير شمّة في لقاء حضاري فريد، وحوار ثقافات متنوع، ثراء فنيا وجماليا، حيث تجلت الموسيقي الشرقية في العزف المشترك الذي أداه كل من مارساليس وشمة.

الأمسية التي أقيمت ضمن مهرجان أبوظبي الفنون 2017 في دورته الرابعة عشر انقسمت إلى قسمين الأول تخلله مقطوعات رائعة مثل "شقلاوة" و"سلام إلى السودان" و"زوروني" من تأليف نصير شمة، و"حركة المقطوعة الصغيرة 2" من تأليف وينتن مارساليس، والثاني شهد عدداً من المقطوعات الارتجالية لوينتن وفرقته كـ "باغي رايد"، و"المنارة رقم 4"، و"المنارة رقم 7"، و"شيروكي" و"صوفي روز روزالي".

وأشارت هدى إبراهيم الخميس، مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، المؤسس والمدير الفني لمهرجان أبوظبي، إلى أنّ "تقديم المهرجان لأسطورة الجاز وينتن مارساليس مؤسس مركز الجاز – لينكولن سنتر، مجدداً في أبوظبي، بعد إحيائه أمسية لا تُنسى ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي 2010، هو تعبيرٌ واضح عن التزام المهرجان بقيم اللقاء الثقافي بين الشرق والغرب، والعرب والعالم، وترجمةٌ صادقة لإيمان مجموعة أبوظبي برسالة الإمارات التي تعزّز قيم التسامح ودور الثقافة والإبداع كلغة موحّدة للإنسانية".

وأضافت "إن لقاء رائد موسيقى الجاز وينتن مارساليس، مع أستاذ العود العربي نصير شمة للمرة الثانية على خشبة مسرح مهرجان أبوظبي يحمل إلى العالم الدعوة إلى الإخاء والتلاقي والتسامح ويمد جسور الحوار بين الثقافات، ويؤكّد على أن الانفتاح على العالم بالفنون والموسيقى هو الطريق إلى استدامة التعبير الحر والإبداع ونهضة الفكر الإنساني".

ويحظى مارساليس بشهرة عالمية واسعة كموسيقي وملحن وقائد فرقة موسيقية ومدرس للموسيقى، بالإضافة إلى كونه أحد رواد الثقافة الأميركية. ويعتبر مارساليس أول موسيقي على مستوى العالم يقوم بأداء وتلحين جميع أنماط موسيقى الجاز بدءاً من أشكالها الأصلية في مدينة نيو أورلينز الأميركية، مرورا بأسلوب "بيبوب" وانتهاء بموسيقى الجاز المعاصرة.

وقام مارساليس بتأليف وتقديم مجموعة واسعة من المقطوعات الموسيقية الجديدة للفرق الموسيقية الرباعية والكبيرة، وفرق موسيقى الحجرة، وفرق الأوركستـرا والرقص النقري والباليه.

وانطـلاقاً من ذلك، نجح مارساليس بتوسيع نطاق مصطلح "الجاز" وتأسيس أعمال موسيقية مفعمة بالحيوية ساهمت بترسيخ مكانته كواحد من أفضل الموسيقيين والملحنين على مستوى العالم.

وحصل مارساليس على جائزة "غرامي" 9 مرات بفضل أسلوبه المتميز، وهو الفنان الوحيد الذي فاز بجائزة "غرامي" عن مقطوعاته الكلاسيكية وأدائه لموسيقى الجاز في عام 1983 وقد نجح بتكرار هذا الإنجاز في العالم التالي أيضاً.

وهو كذلك الفنان الوحيد الذي يفوز بهذه الجائزة على مدى خمسة أعوام متتالية 1987 – 1983 فضلا عن عدد كبير من الجوائز والأوسمة الأخرى مثل جائزة "بوليتزر" للموسيقى و25 شهادة فخرية.

وتم اختيار مارساليس من قبل "مجلة تايم" الأميركية مرتين كواحد من أكثر الأشخاص تأثيراً في الولايات المتحدة، كما تم تعيينه سفيراً للسلام في منظمة الأمم المتحدة في عام 2001 وحصل على "الميدالية الوطنية للفنون". وفي عام 1987 شارك مارساليس في تأسيس مركز "جاز لينكولن سنتر"، وساهمت النجاحات المتميزة التي حققها المعهد في تصنيفه ضمن المكونات الرئيسية لـ "جاز لينكولن سنتر" في يوليو 1996 ليقف بذلك على قدم المساواة مع "أوركسترا نيويورك الفلهارمونية" ودار "أوبرا متروبوليتان" وفرقة "باليه نيويورك".

وساهم مارساليس أيضا في تطوير موسيقى الجاز بقاعة "فريدريك بي. روز" في "جاز لينكولن سنتر"، وتعد هذه القاعة أول منشأة للتعليم والأداء وبث العروض الخاصة بموسيقى الجاز، وقد تم افتتاحها في أكتوبر/تشرين الأول 2004 ويشغل مارساليس حالياً منصب المدير الإداري والفني لـ "جاز لينكولن سنتر" وكذلك مدير الدراسات في "مدرسة جوليارد".

الكتاب الذي أصدره المهرجان احتفاء بالموسيقار وينتن مارساليس تناول جانبا من مسيرته حيث أشار إلى أن مارساليس قدم الكثير من الأنشطة التعليمية التي لم تقتصر بطبيعة الحال على تعليم الموسيقى للمتدربين أو إعداد برامج موسيقى الجاز في "جاز لينكولن سنتر" فحسب، وإنما تعدتها إلى تجربة أوسع نطاقاً شجع مارساليس خلالها على التعلم من الدروس التي تقدمها لنا الحياة جميعا.

ولفت إلى أن لمارساليس كتابا بعنوان "إلى عازف جاز يافع"، يقدم فيه خطوات توجيهية قيمة توضح كيفية تأليف موسيقى رائعة وعيش حياة جيدة. هذا الكتاب ألفه مارساليس خلال تنقلاته بين رحلات الحافلة، وجلسات اختبار الصوت، والحفلات، حيث ينقل إلى العازفين الشباب رؤيته التي تنطوي على رؤى مهمة. ويكتب بأسلوب بليغ واصفاً التواضع بأنه أساس التطور المستمر، وأن الصبر هو المفتاح الرئيسي لتطوير البراعة التقنية والأسلوب الفني الخاص بعيداً عن تقليد الآخرين. وتعتبر هذه الأسس جوهرية لأن "الحرية تكمن في تكوينها".

ويقدم مارساليس دروساً تعلمها خلال مسيرته المهنية كعازف ومن أسلافه أمثال ديوك إلينغتن وتشارلي باركر وآخرين. كما يستعرض فن التغيير، ويناقش أهمية أن يسعى المرء وراء أحلامه وليس بعيداً عنها. ويتحدث أيضاً عما يجب فعله عندما تصطدم نزاهتنا بأشخاص يفتقرون لها أو بجوانب ثقافية تفتقدها.

ولعل أكثر الأمور بروزاً في كتابه هو جو الخوف والتعصب السائد في الوقت الراهن، حيث يعبر مارساليس بطريقة شعرية عن الحاجة إلى معالجين يعملون من خلال التفاعل والتبادل الثقافي، ويقول بهذا الشأن "يعود الأمر برمته إلى طريقتك في معالجة ثقافتك وشفاء مريض في كل مرة، والبدء من نفسك أولا".

ومما جاء في كتاب مارساليس رسالته إلى صديقه أنطوني وفيها يكشف الكثير من تفاصيل رؤيته للموسيقى كموهبة أصيلة وعلم وتطور وتعليم، يقول:

4 يونيو 2003

إلى العزيز أنطوني،

اليوم سيكون مناسباً لحضورك الحفل معنا في ولاية ماين. كالعادة، عليك تسجيل الحجز في الفندق والتوجه إلى قاعة الاحتفال لتفحص تقنيات الصوت قبل العودة مجدداً إلى الفندق للتحضير من أجل العرض. لقد حظيت بفرصة التحدث حول تجارب العزف مع بعض اليافعين في المرحلة الثانوية أي أصغر منك قليلا. وقد غص المدرج المدرسي بالجمهور من الآباء والأمهات والأخوة والأخوات والأقرباء، فالجميع تابع الأداء المميز لهؤلاء الشباب في فرقة الجاز التابعة للمدرسة. وقد أثارت مهاراتهم في العزف اهتمامي الكبير واستمتعت بمشاهدتهم على المنصة وأعجبت بالجهود التي بذلوها حتى وصلوا هذه المرحلة من التطور. كما أحببت مشاعر الفخر والآمال التي أبدتها العائلات أثناء متابعتهم لنتائج هذا العمل الجاد. وبعد انتهاء العرض، أثنيت على جهودهم وحرصت على تشجيعهم للحفاظ على حماسهم والعزف مع بعضهم البعض ومواصلة التدريب.

لكني أتساءل أحيانا هل التدريب لوحده كاف؟ لقد استحضر الحديث مع هؤلاء الشباب إلى ذهني إجابة جون كولتراين عند سؤاله من قبل أحدهم "متى تتدرب؟" فأجاب: "أتدرب عندما أعمل على شيء ما". صحيح أنك تستطيع مواصلة العزف إلى ما لا نهاية والتدرب على ذلك يومياً لتصل إلى إتقان الكثير من المقطوعات. لكنك وهؤلاء الشباب في ماين لا تمتلكون تجربة كولتراين، ولذلك عليكم التدرب على ذلك الشيء الذي تحدث عنه.

يمكنك أن تدرب صوتك، أو إحساسك الداخلي، أو عزفك المنفرد، أو حتى قدرتك على مواكبة الإيقاع. فالمكسب النهائي يتمثل في التدريب الذي يتعين عليك المواظبة عليه قدر الإمكان. فلا تكتف بالجلوس وانتظار الفرصة حتى تصل إليك، وإنما عليك السعي وراءها، لقد أمضيت وقتاً طويلا في التفكير حول ما يجب أن أتحدث عنه خلال رسالتنا الأولى قبل أن أهتدي في النهاية إلى فكرة التواضع.

هل تعتبر نفسك متواضعا؟ هل تفكر في ذلك دائماً؟ دعني أقول لك بأن التواضع بالنسبة لعازف الجاز هو باب الحقيقة ووضوح الأهداف والمدخل الرئيسي للتعلم. لدينا اليوم الكثير من عازفي الجاز الجامعيين، ولكن أغلب المؤسسات الأكاديمية تشدد على عزف المقامات والنماذج الموسيقية وتجانس الإيقاع. ولكن كم مرة سمعت أحد المخضرمين الموسيقيين متذمراً بأن هؤلاء الصغار لا يستطيعون العزف أو مواكبة التوزيعات الموسيقية السريعة؟ ويطرح ذلك شكوكاً حول قيمة التدريب المؤسسي في مجال موسيقى الجاز حيث يتعرض الصغار لإساءة فهم التعليم عندما يعتقدون بأن تحقيق بعض الأهداف التقنية هو العزف الحقيقي. وكذلك عندما يكون الشكل على حساب المضمون على غرار الكثير من الكتابات الأكاديمية، فالعدد الكبير من الكلمات حول أفكار سطح في حال رغبت بدراسـة الهندسـة على سبيل المثال، فإن تجربتك في الكلية لن تمنحك سـوى أساسـيات محددة ومسـتويات عامة من الخبرة.

وكذلك هو الحال بالنسـبة لكلية موسـيقى الجاز، فالمقامات وتقنيات الكورد والتوزيعات السـريعة التي يتم تعليمها بشـكل متكرر لا تشـكل منهاجاً دراسياً متقدماً. وبالتالـي فإن هذه التقنيات لن تقودك إلى تحقيق أهدافك وإثراء خبراتك الموسـيقية وتوجهاتك الشـخصية، ولن تساهم بطبيعة الحال فـي تطوير تصوراتك أو إطلاق العنان لطاقاتك الكامنة. إنها مسـألة ترتبـط بجميع الحالات التي يمكنك من خلالها إطلاق العنان لنفسـك وقدراتك الكامنة. ويتطلب منك ذلك إدراك كيفية المشـاركة دون أن تكون أنانياً.

وفي موسـيقى الجاز، تشـكل قوتك الشـخصية مصدر إبداع فريد من نوعه. فمن خلال التدويـن والتعبير بوضوح وتحديد أهدافك التـي تتطلب جهداً عالياً عبر أداة معينة، سـيكون بمقدورك إطلاق العنان لقدراتك الشـخصية. ومع تقدمك أكثر في السـن، ستكتشف أن الإلمام بخبايـا الـذات هو من أصعب الأمور التي يمكن اكتسـابها. وبالنسبة لعازفي الجاز، يبدو الأمر أصعـب مما تتصـور؛ حيث يجب عليك أن تتقن ما سـتعزفه وأن تدرك كيف ستتطور مقطوعتك وكيفيـة العزف برفقة الآخرين. ولذلك فإن المسـتوى الأول للإتقان يبدأ من الذات، ويشكل التواضع أول اختبـار للذات.

هل تعلم ما هي سـمات المتواضع الحقيقي؟ أعتقد أن اختباراً بسـيطاً قد يكشـف لك ذلك؛ فالمتواضـع يتطـور بقدر ما يصر على الملاحظة والاسـتماع، وبقدر ما يتفادى اعتبار نفسـه مصيبا فـي افتراضاتـه. ومن بين المئات أو ربما الآلاف من الموسـيقيين الذيـن عملت معهم، هناك ثمانية أو تسـعة فقط واصلوا التطور وذلك على مدى يتراوح بين 20 ـ 25 عاما وفي معظم تجاربي مع الموسـيقيين، وكنت قد اسـتمعت لبعضهم عندما كانوا لا يزالون في الخامسـة عشـرة من عمرهم أو نحو ذلك؛ كنت أفكر كيـف حدث ذلك؟ كيف بدأوا بهذا الحجم الواسـع من القدرات والعبقرية والإبداع وانتهى بهم المطاف بعد 10 سـنوات إلى هذا المسـتوى؟ هل فهمت ذلك يا أنطوني؟

ستسـمع هذا الأمر مراراً وتكراراً، ولكن يتعين عليك الارتقاء بمسـتوى التواضـع لديك إذا ما أردت التعلم بصورة أفضل وترسـيخ حب التعلم بداخلك. التواضع هو أساس التعليـم لأنه يبعـد الغرور الذي يضع عصابة على عينيـك، وبذلك يبقيهمـا مفتوحتين على الحقائق لتكشف عن نفسها.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
باحث مصري يؤكد أن جيش المسلمين كان جيش دعوة لا جيش قتال
2017-11-22
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
المزيد

 
>>