First Published: 2017-04-04

'بعيدا عن مصر' بين الذكرى الشخصية والذاكرة العلمية

 

جابر عصفور: كنت أحلم ـ وأنا طالب جامعي ـ أن أمضي في طريق طه حسين، ولكن جاءت كارثة 1967 لتجهض الحلم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

لم يزد عدد طلابي عن ستة

يجمع هذا الكتاب "بعيدا عن مصر" للناقد د. جابر عصفور مقالاته التي كتبها في عدد من الصحف العربية والمصرية عن سفراته خارج مصر خاصة إلى أميركا والسويد، سواء للدرس أو التدريس، وقد كان جمع بعضا منها في كتاب صغير – صدر في سلسلة "كتاب الهلال" بعنوان "من هناك".

وها هو يجمع "من هناك" إلى كل ما كتبه من مقالات أخرى. مؤكدا أن الكتاب "ليس تسجيلًا للذكريات الشخصية فحسب، وإنما هو محاولة للجمع ما بين الذكرى الشخصية والذاكرة العلمية، في سياق لا يخلو من الإشارة السياسية.

"والحق أنني أردت أن أنقل إلى قارئ الكتاب بعض ما تعلمته وما لاحظته على السواء، وما أسعدني شخصيا، وما أثراني أكاديميا. أعني لكل ما يجعلني أتطلع إلى زمن الذكريات الذاتية والعلمية بنوع من فرحة الحنين وعرفان المغترب بحثا عن معارف جديدة لا نهاية لتغير مجاليها واحتمالاتها".

وقال د. عصفور "كنت أحلم ـ وأنا طالب جامعي ـ أن أمضي في طريق طه حسين، فأستكمل تعليمي العالي بعيدا عن مصر. ومرت الأعوام الدراسية، وتفوقت وأصبحت معيدا في الجامعة سنة 1965 وفي قسم طه حسين، واقترب تحقيق الحلم، ولكن جاءت كارثة 1967 لتجهض الحلم، فحصلت على الماجستير سنة 1969، ولم يكن هناك مفر من استكمال الدكتوراه في جامعة القاهرة، ووعدتني أستاذتي سهير القلماوي بأن أذهب في منحة دراسية إلى الولايات المتحدة لاستكمال أدواتي في النقد الأدبي، ودراسة تيارات النقد الجديدة التي أخذنا نسمع عنها، ولذلك ذهبت إلى الجامعة الأميركية، ودرست فيها ما يؤهلني لفهم اللغة الإنجليزية والكتابة بها. ولكن المنحة التي وعدت بها طارت، وبقي حلم السفر لا يضيع، وبالمصادفة التي حكيت تفاصيلها فيما كتبت، حصلت على فرصة للسفر إلى جامعة وسكنسون- ماديسون، أستاذا زائرا، ولست دارسا. وسافرت بالفعل سنة 1977.

وأضاف "منذ أن وضعت قدمي في هذه الجامعة العزيزة على قلبي، عاهدت نفسي أن أحقق في اثني عشر شهرا ما يحققه غيري في أعوام. وبالفعل، واصلت العمل ليلا ونهارا، فكنت طالبا مجتهدا وأستاذا ملتزما، ولم أترك شيئا ينبغي أن أتعلمه إلا تعلمته، ولا كتابا يستحق أن أقرأه إلا قرأته. وكان عاما كاملا مرهقا، امتد من العام الدراسي إلى أشهر الدراسة الصيفية.

كما سافرت في أول أغسطس 1977.. عدت في أواخر أغسطس 1978. وأشهد أن هذه الأشهر هي من أجمل أشهر العمر، لا لأنني عرفت فيها الجامعات الأميركية للمرة الأولى التي تشبه في بهجتها الحب الأول، ولكن لأنها وضعت قدمي على الطريق المنهجي الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة في النقد الأدبي، وأسهمت في إحداث قطيعة معرفية مع كثير مما كنت أعتقده صوابا من قبل، وما عرفته بعد أن اتسعت حدقتا الوعي المعرفية على كل المستويات".

وأشار عصفور إلى المرة الأولى التي كان فيها بعيدًا عن مصر، وتمثلت في السنة الأولى التي قضاها في الولايات المتحدة، وكانت ذات أثر معرفي على كل المستويات والمجالات. وقال "قد أثر ذلك في مقالاتي ودراساتي التي نشرتها في مجلة "فصول" التي أسهمت في إقناع صلاح عبدالصبور بإصدارها حين كان رئيسا للهيئة المصرية العامة للكتاب. وقد صدرت المجلة سنة 1980. وكان رئيس التحرير عز الدين إسماعيل ونائباه صلاح فضل وأنا. ولا يستطيع متابع منصف إلا أن يقرر أن هذه المجلة قد أحدثت ثورة في النقد الأدبي العربي، وأنها أسست لنقد أجد، وحققت قطيعة معرفية مع ما قبلها وما عاصرها من مناهج تقليدية، وأنها أسهمت في تغيير المصطلح النقدي".

أما المرة الثانية التي كان فيها د. جابر عصفور بعيدا عن مصر فجاءت مع أحداث سبتمبر/أيلول 1981، التي أطاح فيها السادات بأكثر من ستين أستاذا من الجامعات المصرية. وأوضح "انتهت بي مصادفة طيبة إلى أن أتلقى دعوة لكي أعمل أستاذا زائرا في جامعة استكوهلم بالسويد. ولم يكن من سبيل أمامي إلا الرحيل. وظللت في جامعة استكوهلم لعام كامل، تغيرت فيها الأحوال والأوضاع، فقام الرئيس الأسبق مبارك بعقد مصالحة وطنية، وأعاد الأساتذة المفصولين إلى جامعاتهم معززين مكرمين.

ولم أجد صعوبة في التأقلم الفوري مع الحياة السويدية، فأكثر سكان السويد يتحدثون الإنجليزية. ولا يضطر الشخص إلى تعلم اللغة السويدية إلا من كان ينوي الإقامة في السويد. والحق كدت أفعل ذلك، ولكن حبي للوطن ـ الجمر هو الذي منعني من البقاء في السويد، فاضطررت إلى العودة بعد وداع حار من أصدقائي وتلامذتي. ولكن السويد لم تكن هي السفرة الأخيرة، بعيدا عن مصر، فقد جاءت سفرة ثالثة. كانت إلى الولايات المتحدة من جديد سنة 1995، ولكن لكي أعمل أستاذا زائرا في جامعة هارڤارد هذه المرة. وما أدراك بجامعة هارڤارد، فهي درة الجامعات الأميركية. وقد جاءت بعد دعوة شفاهية من زميلي وليام جرانارا، فوافقت، وبعد شهر أو أكثر قليلًا وصلت الدعوة الرسمية لأشغل كرسي الشواف بقسمي اللغة العربية ومركز دراسات الشرق الأوسط، وهو كرسي أنشئ بتمويل سعودي، لكن لا علاقة للسعودية بإدارته أو بمحتويات التدريس فيه أو اختيار الأساتذة المدعوين للتدريس باسمه، فهذه كلها أمور أكاديمية بحتة تخضع للمعايير الدقيقة لجامعة هارڤارد التي هي جامعة صارمة فيما يتصل بالتقاليد الأكاديمية".

وأضاف "كنت في ذلك الوقت أمينا عاما للمجلس الأعلى للثقافة. وكان قبولي السفر إلى هارڤارد يحتمل الاعتذار عن عملي في وزارة الثقافة، ولكني كنت وضعت ـ منذ بداية عهدي مع المناصب العامة في وزارة الثقافة وغيرها ـ أن يكون انحيازي النهائي هو الانحياز لمساري الأكاديمي وما يمكن أن يفتح أفقا معرفيا لي. وفي ضوء ذلك، عرضت الأمر على فاروق حسني وزير الثقافة في ذلك الوقت. وكان يعرف قيمة ومعنى أن تدعوني جامعة هارڤارد للتدريس فيها، وخففت عليه بأن أخبرته أنني لن أتغيب أكثر من أربعة أشهر، وبعد تفكير طويل منه، وافق على أن أحصل على إجازة بدون مرتب من عملي أمينا عاما للمجلس الأعلى للثقافة لأربعة أشهر، يتولى فيها صديق العمر فوزي فهمي الإشراف على المجلس إلى حين عودتي.

ولحسن الحظ كان المجلس قد استقرت أموره. وحملت رحلي، وانطلقت بالطائرة إلى مدينة بوسطن القريبة من مدينة كمبردچ التي رأيتها مدينة جامعات عريقة، ففيها هارڤارد، وهي أعرق ـ وأقدم ـ الجامعات الأميركية.

وإلى جوارها على امتداد نهر تشارلز جامعة إم. آي. تي. ومن الناحية المقابلة على شاطئ النهر نفسه رادكليف براون كولج التي تحولت من جامعة مخصصة للبنات إلى جامعة مفتوحة، هي جزء من جامعة هارڤارد. هذا عن الجامعات العريقة القديمة، ولكن هناك الجامعات الحديثة، وغيرها من الجامعات التي جعلتني أعتقد أن مدينة كمبردچ تكونت حول جامعة هارڤارد التي أسسها رجل دين مسيحي اسمه جون هارڤارد سنة 1636 لكي تكون منافسة لجامعة أكسفورد في بريطانيا".

وأكد عصفور أنه منذ اليوم الأول له في جامعة هارڤارد، كان مفتونا بعراقتها وقدمها ومكانتها. و"كان أول جزء توقفت عنده في ساحاتها تمثال القس البروتستانتي جون هارڤارد، وأخذت أسترجع تاريخها الذي أعرف بعضا منه منذ تأسيسها سنة 1636 قبل أن ينتصف القرن السابع عشر، وأتأمل المباني القديمة من حولي، وهي مبان تم تجديدها وترميمها أكثر من مرة لتحافظ على عبق التاريخ العريق العتيد لهذه الجامعة التي يضيف فيها كل جيل إلى ما سبقه، فتجد المباني القديمة إلى جانب المباني الحديثة.

وكان صديقي وليام جرانارا لا ينسى أن يصحبني في جولات تعريفية، لم أكتف بها، فقد عرفت طريقي إلى أماكن بيع الكتب لأحصل على أكثر من كتاب عن تاريخ جامعة هارڤارد العريق. وزادني فخرا بوجودي بها ما عرفته بعد ذلك من أنها لم تحمل اسم مؤسسها عند تأسيسها سنة 1636، وإنما سنة 1639 تكريما للقس الإنجليزي الذي تبرع بمكتبته ونصف ممتلكاته. وبعد ذلك أطلق على الضاحية التي أسس فيها جون هارڤارد نواة الجامعة "كلية" اسم كمبردچ أيضا تحية للجامعة البريطانية التي تخرج فيها جون هارڤارد في موطنه إنجلترا. وقد تضاعفت مساحة الضاحية مع الأيام إلى أن تحولت إلى مدينة باسم الجامعة القديمة التي تخرج فيها المؤسس جون هارڤارد".

ورأى أن دافع جون هارڤارد لتأسيس كليته كان تعليم المهاجرين الأوروبيين المستقرين في بوسطن المطلة على المحيط الذي جاء عبره المهاجرون. وكان المقصد الأساسي من التعليم هو تعميق المعتقدات البروتستانتينية وتعليم اللاهوت والإدارة والتجارة بإشراف الكنيسة.

وافتتحت هارڤارد باثني عشر طالبا مدعومين بالكتب والإعانات المادية. ولكن مع مرور الوقت تقلصت الصلة بين الجامعة والكنيسة البروتستانتينية وسلطة الولاية. وتحولت هارڤارد سنة 1865 إلى جامعة خاصة مدنية لا دينية، وإن لم يمنع ذلك من وجود كلية لاهوت. أما كلية رادكليف براون للبنات فأنشئت مع بدء التعليم العالي للبنات سنة 1879، مقابل هارڤارد المخصصة للبنين، إلى أن تغير الأمر بعد ثورات الشباب في الستينيات، فادمجت رادكليف في هارڤارد التي كانت أخذت تقبل البنات سنة 1977".

وأوضح عصفور "ما أكثر ما كنت أسترجع هذه المعلومات وأنا أتجول ما بين المباني القديمة لهارڤارد، أو وأنا داخل إلى مكتبة وايدنر، وهي أكبر مكتبة جامعية في العالم. ولم تكن مكتبة وايدنر هي المكتبة الوحيدة، بل المكتبة الرئيسية. وكنت أسترجع، في ذاكرتي ما سبق أن عرفته من معلومة أن عملية قبول الطلاب في هارڤارد هي أصعب عملية قبول للطلاب في العالم. ولذلك لم أستغرب عندما عرفت أن جامعة هارڤارد كانت – ولعلها لا تزال - أفضل جامعة في العالم بحسب تقرير صحيفة تايمز عام 2005، وقد جاء بعد جامعة هارڤارد الجامعة المنافسة لها والمجاورة لها في المكان على ضفة نهر تشارلز: أعني معهد ماساتشوستس للتقنية "إم. آي. تي".

ولم يكن من الغريب أن أفيد من الأشهر التي قضيتها في هارڤارد "نصف عام"، وأن تزدوج شخصيتي مرة أخرى فأكون أستاذا زائرا وتلميذا، وأن أقيم علاقات مع الأساتذة المهتمين بالنقد الأدبي، وأن أشارك في الأنشطة الثقافية، فقد كانت هارڤارد في زيارتي الأولى أشبه بمدينة العجائب المعرفية والثقافية التي لا تنتهي، لكن المؤكد أن أجواءها كانت أكثر محافظة من جامعة ماديسون – وسكنسون التي هي جامعة إقليمية في نهاية الأمر، أو جامعة استكوهلم التي ليست في مستوى ولا غنى ولا عراقة ولا تقدم جامعة هارڤارد".

وقال "كان من جوانب التقدم في هارڤارد أن كل طالب يعرف موضوعات الكورسات التي يختار منها قبل بدء الدراسة بأشهر عديدة، ويختارها عن طريق الكومبيوتر، ولذلك كان لا بد أن يعرف طلاب قسم اللغة العربية كغيرهم الموضوعات التي سوف أقوم بتدريسها قبل أن أغادر مصر، كي يعلن عنها للطلاب المهتمين، فاخترت موضوع "جدل الحداثة والتحديث"، واخترت أن يكون ذلك من خلال قراءة نصوص من رفاعة الطهطاوي "تخليص الإبريز"، والمويلحي "حديث عيسى بن هشام"، ونجيب محفوظ "زقاق المدق"، وعبدالرحمن منيف "مدن الملح".

ولم يزد عدد طلابي عن ستة، كلهم درس العربية لعامين على الأقل. وكنت أذهب للتدريس مرتين في الأسبوع، وفي كل مرة ساعة لمقابلة الطلاب. ولذلك كان الوقت متاحا للقراءة، والعودة إلى التلميذ المجتهد الذي كنت عليه في ماديسون – وسكنسون. ونسيت تماما القاهرة التي كنت بعيدا عنها، عملا بشطر صلاح عبدالصبور: أجافيكم لأعرفكم".

أما المرة الأخيرة التي كان فيها د. عصفورا بعيدا عن مصر فكانت في هارڤارد أيضا، سنة 2001 "عندما عرض عليّ أن أكون أستاذا زائرا مرة أخرى، فقبلت فورا، وأخبرتهم أنني سأقوم هذه المرة بتدريس كورس عن القمع في الرواية العربية Novels of Oppression. فقد كان موضوع القمع في الثقافة العربية بعامة، والرواية العربية الحديثة بخاصة يشغل انتباهي منذ أن انشغلت ببحثي "بلاغة المقموعين" طوال عام 1992. وأعلن عن الكورس بالفعل قبل ذهابي إلى هارڤارد بأشهر كالعادة".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
باحث مصري يؤكد أن جيش المسلمين كان جيش دعوة لا جيش قتال
2017-11-22
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
المزيد

 
>>