First Published: 2017-04-05

تونس.. للتنوير أساس ودعاة

 

كم يبدو الإنسان التونسي العادي متديناً في داخله متسامحاً متنوراً في تعامله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

ما زالت تونس بخير، على الرَّغم مِن قلق التونسيين مِن سريان «السَّلفية الجهادية» بين أبنائهم. نلمحُ هذا القلق في مانشيتات الصُّحف، بعد إذاعة نبأ دهس المشاة بلندن: «إرهابي لندن ليس تونسياً» (صحيفة الصَّريح)، وكان القلق بائناً مِن عودة عشرات المقاتلين إلى بلادهم، وقد تأثر سوق السِّياحة بما حدث من عمليات اغتيال طالت بارزين واجهوا أجندة الإسلاميين بقوة: شكري بلعيد (6/2/2013)، ومحمد براهمي (25/6/2013)، وغيرهما، إلى جانب التفجيرات التي تهز البلاد بين حين وآخر.

فمن المعلوم أن وارد تونس الأهم من قطاع السِّياحة، حباها الله بطبيعة متنوعة، وشواطئ جميلة، إلى جانب كثرة حقول البرتقال والزيتون، ومنها نُحت اسم جامع «الزَّيتونة»، مِن أقدم الجوامع والمدارس، ذي العمارة التَّاريخية الباهرة، يبدو لك داخله غابة مِن الأساطين، أخذ هذا الاسم العتيد «الإخوان المسلمون» وأطلقوه على فضائيتهم، وشتان بين الزيتونيتين!

تنافح تونس مِن أجل الحفاظ على بقية التّنوير الذي نالته، من مصلحها خيرالدّين التَّونسي (ت 1889) ورئيسها الحبيب بورقيبة (ت 2000)، وبهذا الأثر عُقدت في مكتبتها الوطنية ندوة «التَّنوير»، والمناسبة ذكرى كاتبها العفيف الأخضر (ت 2013)، الذي أفنى بقية عمره محاولاً بطريقته إعادة منزلة العقل، وحسب شقيقه القاضي بشير الأخضر، المشارك في النَّدوة، أنه كان أحد تلاميذ الزَّيتونة. ومع تقديرنا للأخضر، في دراساته التَّنويرية، إلا أنه كان مستعجلاً التغيير، بعد كساد قرون من الزمن.

لذا اتصف أسلوبه في العديد من الأحيان بالحدة، التي يراها مطلوبة في مواجهة حدة الإرهاب الدّيني، ولعله السَّباق إلى استخدام مصطلح «عبادة الأسلاف»، مركزاً على إصلاح التعليم، ومقدراً التعليم التونسي الرسمي، السَّائد في زمن بورقيبة، وهذا ما انتفعت به تونس، فكم يبدو الإنسان التونسي العادي متديناً في داخله متسامحاً متنوراً في تعامله، ناهيك عن درجة التنوير العالية لدى الطبقة المثقفة التونسية.

استطاعت تونس، بذلك الإرث التنويري، الخروج مِن مأزق «الربيع العربي»، فعلى الرغم مِن الديكتاتورية السياسية السابقة، إلا أنها لم تستطع إزاحة العقل من موقعه، قياساً بما حدث لبلدان، تكاد الحرية تحذفها من الخارطة. ظلت تونس متوازنة، بين متطلبات الدولة والمجتمع والحرية السياسية، بل أجبرت الإسلاميين على تبني «المدنية» شعاراً، فبعد الغرور بالفوز الكبير، ما كانوا يتوقعون كلّ هذا التشبث بالتنوير.

أما عن مقالة «عبادة الأسلاف» فنجدها قويةً في النِّزاع المذهبي، كلٌّ يتمترس وراء مقالات رجال عقيدته وفقهه، وكأن الزمن توقف عن الجريان، فقد نُقل عن أبي حنيفة (ت 150هـ) في ما تركته الفتراتُ: «نحنُ رجالٌ وهم رجالٌ» (الذَّهبي، سير أعلا النُّبلاء).

تبنت ندوة التَّنوير التي عُقدت في (18/3/2017) جماعة «العقلانيين العرب»، وهو عنوان واسع، يدخل فيه شتى النَّاس، بشرط إعطاء العقل منزلته، وربَّما يُذكر هذا العنوان بتراث إسلامي كفرقة «المعتزلة» مثلاً، فقد فُسرت مقالتهم «خلق القرآن» أن اللهَ يخلقه على مصالح العباد (عبدالجبار، المغني في التوحيد والعدل)، وبهذا تكون المقالة «العدل»، أحد أبرز أُصولهم الخمسة.

بدأ التنوير بتونس من التأثر بالنهضة الأوروبية، تحت مبرر لا حاجة لاكتشاف المُكتشف، يشرح ذلك خيرالدِّين التونسي قائلاً: «والغرض مِن ذِكر الوسائل، التي أوصلت الممالك الأوروباوية إلى ما هي عليه من المنعة والسُّلطة الدُّنيوية، أن نتخيّر منها ما يكون بحالنا لائقاً، ولنصوص شريعتنا مساعداً وموافقاً، عسى أن نسترجع منه ما أُخذ مِن أيدينا، ونخرج باستعماله مِن ورطات التفريط الموجود فينا» (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك). لا خوف على الدِّين، فلم تفقد تونس إسلامها، بل حافظت عليه في إطار المدنية، ومنح حقوق النِّساء، في ما عُرف بـ«مجلة الأحوال الشَّخصية» (1956).

اختتمت النَّدوة بتأسيس جائزة باسم العفيف الأخضر، تُمنح كل سنتين للباحثين الشَّباب، خاصة في دراسات التّنوير والإصلاح، لِما لثقافة التنوير مِن حاجةٍ ماسةٍ، في هذا الزَّمن، وقد وصل الانحطاط مداه.

يُذكر لتونس أنها في مقدمة البلدان التي أنهت نظام الرِّق (1846) والاتجار بالرَّقيق، وإصدار ما عُرف بـ«عهد الأمان» (1857)، الذي أكد على المواطنة قبل أي انتماء، والذي احتوى على (11) قاعدة، ومع السلبيات التي أوضحها الدارسون، في ما بعد، إلا أنه كان مقدمةً لإصدار الدُّستور (1861)، وإقرار: الأمان لسائر السكان على اختلاف الأديان، والمساواة بينهم، ولا يُجبر غير المسلم على تبديل دينه، ولا يُمنع مِن ممارسة طقوسه (مقدمة أقوم المسالك). ربَّما لم يشتهر ذلك الفضل عن تونس كاشتهار بيت شاعرها أبي القاسم الشَّابي (ت 1934) شرقاً وغرباً: «إذا الشَّعبُ يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر». كانت القصيدة معلقة بخط يده في واجهة معرض تونس للكتاب لهذا العام.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
ولد الإمام.. مات الإمام!
2017-04-27
الاختراعات والاكتشافات.. فضحتنا!
2017-04-19
14 عاماً والانتقام يكوي الضُّلوع!
2017-04-12
تونس.. للتنوير أساس ودعاة
2017-04-05
الإسلاميون.. صادروا الشُّهداء أيضاً!
2017-03-29
طريق الإخوان ليس بهذا النُّبل
2017-03-22
وماذا عن الناسخ والمنسوخ؟
2017-03-15
العراق والسعودية.. وخسارة الطائفيين
2017-03-08
قَتل المثقفين.. مَن يُحاسب المفتين؟
2017-03-01
العراق.. وطابع البريد الباقي
2017-02-22
المزيد

 
>>