First Published: 2017-04-05

الاتحاد والمملكة غير المتحدة

 

بريطانيا لم تكن قريبة تماما من مشروع الاتحاد الأوروبي. مفهوم. ما حكاية الاعضاء المؤسسين ممن ابتكروا الاتحاد أنفسهم؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

وكأن رحلة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي لن تنتهي دون متاعب، تبدأ بالعقبات الاقتصادية ولن تنتهي بتفكك المملكة. ففي الـ23 من يونيو/حزيران 2016، صوّت 51.9% من البريطانيين على الخروج، ومؤخرا صوّت البرلمان البريطاني بمجلسيه، بالموافقة على قانون يمهد الطريق للحكومة البدء في عملية مغادرة الاتحاد الأوروبي عبر تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة، التي ترسم خريطة طريق الانسحاب. حدث ذلك بعد تراجع مجلس اللوردات عن محاولة إدخال تعديلات على مشروع القانون المتعلق بضمان حقوق مواطني الاتحاد الأوروبي المقيمين في بريطانيا، وحق البرلمان في إقرار أي اتفاق يتم التوصل إليه مع الاتحاد، حيث رفض النواب التعديل الأول لمجلس اللوردات بغالبية 335 صوتا مقابل 287، الذي هدف إلى حماية ثلاثة ملايين أوروبي يعيشون في بريطانيا، كما تمَّ رفض التعديل الثاني، وبهذا يكون مجلس اللوردات، قد أعطى هو الآخر، موافقته النهائية على القانون ذاته.

إن مسيرة خروج بريطانيا من الاتحاد ليست بالمهمة السهلة، بخاصةً أن تفعيل المادة 50 باتت منجزة، في وقت ستستغرق عملية الخروج، مباحثات تفاوضية شاقة لا تقل عن عامين، وثمة ملفات كثيرة عالقة بين الجانبين ينبغي التدقيق فيها، ويجب في خلالها التوصل إلى مجموعة تفاهمات للعلاقات البينية المستقبلية بعد إنهاء أربعين عاما من العلاقات الملتبسة.

ورغم كثرة الملفات الشائكة،، إلا أن ثمة ملفين مركزيين يمكن أن يعرقلا صيغ التفاهم بين الجانبين، الأول سيتركز حول كيفية العلاقة بين الطرفين عبر عضوية السوق الأوروبية المشتركة، والاتحاد الجمركي، فالجانبان مهتمان بالوصول إلى صيغ للتفاهم حول الموضوع، لكن العقدة تكمن في المفاوضات، لأن الاتحاد الأوروبي سيتشدد في منح لندن عضوية كاملة، أو عضوية بشروط تفضيلية في السوق الموحدة، باعتبار أن بقاء بريطانيا بشروط تفضيلية في السوق سيجعلها مستفيدة، دون تقديم أي التزامات مادية للاتحاد، الأمر الذي ترفضه الدول الأوروبية. أما الملف الثاني فيتعلق بمصير المواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا، ومصير البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد، وتعتبر هذه القضية الخلافية من القضايا الكبرى، لارتباطها بأزمة الهجرة التي كانت سببا رئيسا في الاستفتاء الذي أدى إلى الخروج البريطاني من الاتحاد.

والأمر لا يقتصر على العلاقات البينية، فثمة ملفات داخلية، ينبغي أخذها بعين الاعتبار، فحكومة اسكتلندا أعلنت عن خطط لإجراء استفتاء جديد للاستقلال عن المملكة المتحدة، والأمر ذاته مشت فيه ايرلندا، ما يعزز شكوك الخروج السلس، إذ أكدت زعيمة الحزب القومي الاسكتلندي نيكولا ستيرجن، أنها ستطلب رسميا الإذن، بإجراء استفتاء ثان بشأن استقلال اسكتلندا في الفترة ما بين خريف 2018 وربيع 2019.

والأمر لا يقتصر على الجانب البريطاني، فثمة هواجس من دول أوروبية أخرى تسعى في السر والعلن للانفصال عن الاتحاد. فايطاليا مثلا، التي تعاني أزمة مالية متفاقمة، وأزمة بطالة تصل إلى 35% في فئة الشباب الذين هم تحت الـ25 عاما، تعاني أيضا من مشكلة رفض الاتحاد تجاوز قوانينه، لفسح المجال للحكومة الايطالية لتقديم مساعدات لمصارفها المتعثرة، الأمر الذي عزّز من ميلها نحو الخروج من الاتحاد. والأمر عينه نكرر مع فرنسا، وهذه المرة عبر برنامج المرشحة الرئاسية مارين لوبان التي عرضت خطة لخروج فرنسا من الاتحاد، وعبر شعار "فرنسا حرة"، تضمن برنامجها فك الارتباط مع منطقة اليورو، كما دعت إلى التفاوض لاحقا مع الشركاء الأوروبيين بشأن الخروج من منطقة اليورو، على أن ينظم استفتاء للخروج من الاتحاد.

غريب المفارقات في الخروج البريطاني وتداعياته، تأثيراته على دول أوروبية كانت من أشد المتحمسين والعاملين للاتحاد كنموذج فرنسا، ما يؤشر إلى دلالات سلبية ليس على مستوى الاتحاد الأوروبي نفسه، بل على موقع أوروبا عامة في النظام العالمي، في وقت ظهرت الكثير من المؤشرات السابقة على بروز تعددية قطبية من بينها الاتحاد الأوروبي، إلا أن خيار بعض الدول الأوروبية اللحاق بركب السياسات الأميركية وبالتحديد "الترامبية"، يؤكد مرة أخرى، نظرية أن بريطانيا لم تكن في يوم من الأيام اقرب إلى أوروبا من الولايات المتحدة، أو بالأحرى إلى بلاد العم "ترامب"!

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
تحديات قمم ترامب في الشرق الأوسط
2017-05-27
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
المزيد

 
>>