First Published: 2017-04-06

قفزة حماس الجديدة

 

التعديلات التي تنوي حماس إدخالها يمكن أن تكون قفزة في الهواء فتسقط في مستنقع خلافات داخلية وعرة، أو قفزة على الأرض تمكنها من الصمود في مواجهة العواصف وتحقيق مزيد من المكاسب الخارجية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الأجواء التي أشاعتها التسريبات الأخيرة بشأن وثيقة حماس الجديدة، جعلت البعض يتوقع منها حدوث قفزة سياسية تتماشى مع التطورات الإقليمية التي قد تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، وأن الحركة ذات التوجه الإسلامي-الإخواني عازمة على التعامل بقدر من المرونة تتواكب مع التحديات التي تواجهها في الداخل والخارج، ومن الأعداء والأصدقاء.

قصة إصدار حماس وثيقة جديدة خلال أيام هدفها الإيحاء بأنها تتسم بدرجة عالية من الليونة، وعلى استعداد للتكيف بشكل أكبر مع المستجدات، لتضمن لها مكانا مناسبا تحت شمس الترتيبات السياسية المقبلة في المنطقة.

منذ صدور وثيقة التأسيس الأولى في أغسطس 1988، والحركة تزعم أنها متمسكة بما تضمنته من ثوابت حيال الصراع مع إسرائيل ومقاومتها بل وإزالتها من الوجود، مع أنها لجأت في أحيان كثيرة إلى ما يمكن وصفه بمبدأ التقية الشيعي، وتواصلت مع جهات تندرج تحت لافتة الخصوم والأعداء.

المعلومات التي تناثرت بشأن مضمون الوثيقة تشير إلى تغير ظاهر في ثلاث قضايا محورية، على علاقة قوية بالتقديرات الإقليمية والدولية لكل منها، واختيرت بعناية لأنها توحي بأن الحركة قابلة للحياة وقادرة على التأقلم مع أي حسابات معقدة.

الأولى، تتعلق بالموقف من إسرائيل، وتتجه حماس إلى تعديل رؤيتها السابقة والإقرار بوجود إسرائيل كأمر واقع، ما يعني التخلي عن أحد ثوابتها الرئيسية والاعتراف بها وعدم استبعاد التعامل معها في العلن، فوسط حديث التسوية السياسية والتأييد الذي تحظى به عربيا وأميركيا وأوروبيا وروسيا، متوقع أن يتسع نطاق الكلام للجلوس على مائدة مفاوضات جديدة بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وفي هذه الحالة لن تكون مقاطعة حماس أو تنديداتها الراديكالية مقنعة، وعليها الاختيار لتكون في صف المعارضة أم جزءا في صفقة سلام شاملة، بصرف النظر عن طبيعة النتيجة التي سوف تستقر عليها التسوية.

الثانية، تخص الموقف من الدولة الفلسطينية، ومرجح أن تؤيد الوثيقة الجديدة حل الدولتين، إحداهما فلسطينية والأخرى إسرائيلية، وهو تطور لافت في الخطاب السياسي لحماس، التي تعتبر وثيقتها الأولى أرض فلسطين للشعب الفلسطيني فقط، وعلى الاحتلال الصهيوني الرحيل ومقاومته بكل ما توافر من قوة، وبعد التعديلات المتوقعة، ستجد الحركة نفسها في مأزق البحث عن إجابة لجدوى استمرار خطاب المقاومة وتفسير الاحتفاظ بجناحها العسكري (كتائب عز الدين القسام).

الثالثة، هي العلاقة مع جماعة الإخوان، التي تعتبر في الوثيقة الأولى الحركة الأم، وحماس أحد فروعها، وفي هذا السياق جرت مياه كثيرة، معظمها يصب في باب المراوغة، لإيجاد حل لهذا المأزق، فإذا أعلنت رسميا التخلي عن الجماعة فإنها تخسر بعض أنصارها، وإذا احتفظت بعلاقتها معها وضعت في مواجهة مع دول عربية كثيرة تعتبر الإخوان جماعة إرهابية، كما أن بعض الدول الغربية بدأت تغير مواقفها وتحمل الإخوان مسئولية العنف والإرهاب في المنطقة، وإصرار حماس على الالتصاق يفقدها المصداقية ويعرضها لمزيد من الانتقادات.

المؤكد أن الوثيقة فرضتها تقديرات خارجية ولم تأت من رحم قناعات داخلية، فحماس وجدت الموقف العام يسير ناحية تغيير الكثير من ملامح الخريطة التقليدية في المنطقة، وثورات الربيع العربي أخلت بتوازنات إستراتيجية متعددة، صبت حصيلتها في صالح إسرائيل.

بالتالي لم تعد الأدوات والرؤية والمنهج الذي تتبناه حماس مجدية في الوقت الراهن، وعليها تبني مواقف ترفع من المواءمات التي يمكن أن تنقذها من صعوبات تحدق بها ومن جهات مختلفة، ولم تجد أفضل من تغيير النظرة إلى إسرائيل، لتقفز فوق مجموعة كبيرة من المطبات.

النظرة المنسجمة مع المعطيات الإقليمية، تجبر حماس على الحد من اللعب على المتناقضات، لذلك فقدرتها على الجمع بين دول متنافرة لن تكون صالحة، ما يفرض عليها التخلي عن علاقتها مع دولة مثل إيران أصبحت هدفا صريحا لبعض القوى الدولية، وضرورة التوافق مع كل من مصر والأردن باعتبارهما من ركائز التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، ما يعني لن يكون مقبولا أن تستمر الحركة كأداة طيعة في يد كل من قطر وتركيا.

الواضح أن لدى قيادة حماس قدرة على التلون السياسي، والمواقف التي مرت بها تعزز هذا الاستنتاج، فهي رفضت اتفاقيات أوسلو التي أفضت إلى السلطة الفلسطينية واستفادت من نتائجها في السيطرة على قطاع غزة، وخاصمت منظمة التحرير الفلسطينية علانية ولم تعدم وسيلة للحوار والتفاهم مع أعضائها، ولم تعترف رسميا بإسرائيل لكنها تجاوبت معها كثيرا لتسيير الحياة اليومية في غزة وعقد صفقات لتبادل الأسرى، وجمعت بين علاقات جيدة بكل من مصر وقطر وتركيا وإيران والسعودية.

التعديلات التي تنوي حماس إدخالها يمكن أن تكون قفزة في الهواء فتسقط في مستنقع خلافات داخلية وعرة، أو قفزة على الأرض تمكنها من الصمود في مواجهة العواصف وتحقيق مزيد من المكاسب الخارجية، إذا أحسنت القراءة السياسية.

على المستوى الأول، سوف تجد قيادة الحركة الجديدة (متوقع إعلان الأسماء قريبا) نفسها أمام موقف بالغ الصعوبة، لأنها مطالبة بتبني خطاب يحافظ على الثوابت الأساسية، للحفاظ على عناصرها الراديكالية، بدلا من التعرض لانشقاقات تؤثر على تماسكها، وهي التي نجحت طوال الفترة الماضية في سد ثغرات كثيرة كادت أن تدخلها دوامة عميقة من الانقسامات.

ومطالبة أيضا بقدر وافر من الوضوح، ولن تستطيع تحمل التأويل السلبي لمواقفها، ومنهج التقية والازدواجية وتوظيف الخلافات بين القوى الإقليمية لن يكون مفيدا حاليا، وعملية الفرز التي تجري على قدم وساق في المنطقة من أهم نتائجها تقليص هامش المناورة التي تجيدها بعض الدوائر، من بينها حماس، وسوف يؤدي التصميم على تبني خطاب جديد وأدوات قديمة إلى وقوعها في فخ الاستهداف السياسي والأمني.

على المستوى الثاني، تملك الحركة ما يكفي من الأساليب المطاطية التي تساعدها على تقليل الخسائر، وعلى استعداد للتنصل من جزء رئيسي من القواعد التي قامت عليها وتضمنتها الوثيقة الأولى، وتوحي بإنهاء روابطها مع الإخوان، وتستجيب لأي مخططات تمكنها من الانفراد تماما بغزة، لذلك ربما تساعد قفزة حماس الجديدة على تثبيت أقدام الحركة على الأرض، لكن يمكن أن تتسبب في ضياع ما تبقى من قوة للقضية الفلسطينية برمتها.

 

محمد أبو الفضل

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

إدارة الصراع أجبرت المدير لتصنيع سلاح جغرافي منكوب(م.ت.ف للمعنيين بالمشكلة)ثم تصنيع سلاح ديني إسلامي ( ح.م.اس ). الهجوم على النظام الفكري القومي والديني يجبر الأطراف قبول أساليب الحرباء . التغيير قصري والنتيجة قهري.

2017-04-06

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
الأزهر بين المؤامرة والتطوير
2017-03-09
الاختبار الحاسم لمكافحة الإرهاب
2017-03-02
نكبة الأحزاب المصرية
2017-02-24
إنهاء الانقسام الفلسطيني أم تكريسه؟
2017-02-16
المزيد

 
>>