First Published: 2017-04-07

السلوك المعرفي.. بذور الارهاب

 

لفكر لا يقارع الا بفكر والقانون العلمي قانون حتمي لإبقاء فيه الا للأصلح المتقدم بالإنسانية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد بن علي المحضار

يظل المسكوت عنه في تحليل اسباب العنف، اما تائها في تفاصيل الحدث الذي نتج عنه، او متواريا في ركن قصي، وسط الحديث عن العدالة الاجتماعية والاستبداد السياسي، وسوى ذلك من مسببات تأجيج الارهاب في المجتمعات.

ذلك لأن الذي يقدم على حمل البندقية ومواجهة المجتمع كوسيلة حوار وفرض لرؤى معينة، تحركه في البدء فكرة.

فكرة مفخخة كهذه من اهم خصائصها انها- مصادِرة – تفترض احقية وجود يماثل الحقيقة المطلقة فلا يقبل نقاش فيها.

مما يعني ان من يمارس هذا التوجه يلبس الافكار لبوسا الاستبداد، فتتحول من المجال المنفتح الذي هو اصل في وجودها بما يعنيه ذلك من قبولها، او ردها، او الاعتراض عليها الى ان تصبح معتَقَلا لمن يناقش، او معتقِلا لمن اعتنقها وفي كلا الحالتين فإنها تؤسس لاستبدادا فكري مقيت.

شواهد هذا الاستبداد في تاريخنا العربي كثيرة ومتعددة ورغم ان مراحل من هذا التاريخ تعددت فيه المواجهات والوقائع العسكرية، فإن الوقائع الفكرية وصراعاتها كانت حاضرة دوما في كل مرحلة ومع كل جيل.

فضحايا كلا الميدانين كان النفي جامعا بينهم، هذا النفي الذي اتحدت ادواته حينا ولم تختلف اهدافه ابدا، لأن المقصود في كل حال كان التعتيم ومقاومة الاختلاف.

واذا تأملنا الاسباب الدافعة للوصول لتلك النتيجة، فإن عدم الاعتراف في النقص المعرفي، وعدم الرغبة في تحليل الرأي المخالف، والافتراض المسبق بالحق الذي معي والباطل مع غيري، اهم محددات السلوك تجاه الفكر المختلف.

فالفكر العربي الذي تشبع بأثر الفلسفة اليونانية، وانتج اتجاها فلسفيا ميزته اضافات نوعية للفلاسفة العرب أثرت الفكر الانساني، كانت تلك الاسهامات موضع صراع كان ولازال بين اتجاهين، محافظ يرى في بعض أراءها انتقاصا من الدين او على الاقل تأخير مرتبته عن الفلسفة، ومجدد يراعي ان جملة هذه الافكار تدعم العقيدة في الذود عنها امام المخالف، هذا الصراع جعل من هؤلاء المجتهدين في هذا الميدان عرضة للتكفير وحكم عليهم بشبهة اصبحت لازمة تاريخية كلما جاء ذكر احد منهم.

فإذا بحثنا عن منهج التفاعل مع بعض الطروحات العلمية، فسنجد في هذه القضية- محل الاستشهاد – سلوكا وجيها عند الراحل الدكتور محمد البهي في كتابه "من قضايا الفكر الفلسفي الاسلامي" في تحليل آراء الفلاسفة العرب – والتي اوجبت تكفيرهم عند بعض الخصوم – الى تبني هؤلاء الفلاسفة نهجا تأثر بمدرسة الاسكندرية الفلسفية التي سادت فيها محاولات التوفيق بين المسيحية والفلسفة بعد غياب الفيلسوف المستقل كأرسطو وسقراط وسواهما، هذا المدرسة رأى الفلاسفة العرب في تعاليمها امكانية توفيق بين تعاليم الاسلام والفلسفة مماثلة لتلك التي تبنتها المدارس الفلسفية المتأخرة، وبالتالي اوسعوا هذا الاتجاه شروحا واضافات.

هذا التحليل في التعاطي مع الافكار، واتاحة الفرصة لإعادة تقييم الرأي بدلا من الاكتفاء بالإقصاء، يعبر عن نهج ايجابي عناصره ثلاث، فعنصر عقلي يؤكد على أن نطاق المجهولات اوسع من نطاق المعلومات وبالتالي فقد يتوفر لدى احد ما علم لا يتوفر لسواه، وعنصر انساني يكفل حرية التعبير طالما كان متوازنا، انيقا في لفظه ومبناه، واخيرا عنصر اخلاقي يتمثل في مراعاة الاختلاف واستيعاب النفس للتنوع وتقدير الاجتهادات، فالفكر لا يقارع الا بفكر والقانون العلمي قانون حتمي لإبقاء فيه الا للأصلح المتقدم بالإنسانية.

 

محمد بن علي المحضار

mohammadalmehdar.ma@gmail.com

 
محمد بن علي المحضار
 
أرشيف الكاتب
السلوك المعرفي.. بذور الارهاب
2017-04-07
المزيد

 
>>