First Published: 2017-04-07

العرب والإدارات الأميركية: اختلاف الأدوات وثبات الأهداف

 

المرتكزات الحقيقية غير المعلنة للسياسة الأميركية تجاهنا تعمل على خلق بيئة سياسية غير مستقرة، وصراعات إقليمية، وحروب أهلية قائمة على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عبدالواسع الفاتكي

تتعامل الإدارات الأميركية جمهورية كانت أو ديمقراطية، مع الملفات الساخنة للمنطقة العربية -كالملف العراقي والسوري واليمني - كملفات متكاملة، وإن أبدت أن خطابها إزاء تلكم الملفات، يبدو منفصلا. فالإستراتيجية الثابتة للأميركان تجاه العرب، لا تلقي بالا لمصالحهم أو احتياجاتهم، ولا تكترث للمخاطر المحدقة بهم، تقتصر فقط على التمحور حول المحددات العليا للسياسة الأميركية، المتمثلة بالسيطرة على منابع النفط، وأمن إسرائيل، والحيلولة دون وصول قوى عربية نهضوية للسلطة، مستقلة القرار والإرادة، وأهم ما يميز علاقة واشنطن بالأنظمة العربية الحاكمة، أنها ذات طابع تكتيكي، يخضع لمتطلبات كل مرحلة وظرفها السياسي، وينطلق من قراءة الواقع وتشخيصه، ومن ثم التعاطي والتلاعب باحتراف مع مؤشراته، التي تعتبر في نظر واشنطن تهديدات لمصالحها على المدى القريب أو البعيد، بما يكفل لحجم تلك التهديدات أو التخفيف من آثارها.

يعتقد العرب -خاطئين - أن أقصر الطرق للتأثير على السياسات الأميركية، ودفعها نحو التوازن أو التعاطف مع مشكلاتهم وتحدياتهم، هو إعطاء الجانب الشخصي أهمية كبرى، من خلال بناء علاقات شخصية مع المسؤولين الأميركيين، وهذا خطأ فادح، يقود لمواقف عربية خاطئة، تفضي لنتائج عسكية، تفرزها رؤى ناقصة لفهم خاطئ لسياسات أميركية، يجب أن يخضعها العرب للدراسة العلمية والتحليل الرصين، في منأى عن العاطفة وروابط الصداقة، التي تربط نخب أنظمة العرب الحاكمة بمسؤولي البيت الأبيض، المنفذين لسياسات وتوصيات مراكز البحث والفكر الأميركية، وجهاز الأمن القومي والاستخبارات الأميركية، ناهيك عن اللوبي اليهودي ولوبي السلاح والنفط.

الخطير أننا نحن - العرب - لا ندرك أو نتجاهل، أن المرتكزات الحقيقية غير المعلنة للسياسة الأميركية تجاهنا، تعمل على خلق بيئة سياسية غير مستقرة، وصراعات إقليمية، وحروب أهلية قائمة على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية، كما أنا لا نعي أن واشنطن تحاول جاهدة مسك خيوط اللعبة، مع كل الأطراف المتناقضة، وتعمل في الخفاء أكثر من العلن، ففي الوقت الذي تتعامل فيه مع الأنظمة العربية الحاكمة الصديقة لها! لا تجد غضاضة في التعامل مع الجماعات والحركات المناوئة لتلك الأنظمة، والطامحة للوصول لسدة الحكم، ولو بالقوة، معتبرة أن هذا النهج هو إحدى أدوات السياسة الفعالة، في إجادة إدارة التناقضات والتعامل مع الشيء ونقيضه، وعلى الرغم من زعم واشنطن وقوفها مع دول الخليج، ضد التدخل والتمدد الإيراني في المنطقة، لكنها لا ترغب مطلقا في استئصال وكلاء وأذرع إيران المسلحة في ذات المنطقة، وتدفع نحو الحوار معها وشرعنة وجودها في الجسد العربي، تحت يافطة الحلول السياسية أو التوافق والشراكة الوطنية.

بعد أن انكشف الزيف والخداع الأميركي، في احتلال العراق عام 2003 بكذبتي امتلاك نظام صدام حسين أسلحة الدمار الشامل، وتخليص العراق من الديكتاتورية ونشر الديمقراطية والحرية فيه، كان لزاما على واشنطن سلوك إستراتيجية جديدة، تبقي على قواتها في العراق واستمرار تحكمها في المشهد العراقي، فلجأت بالتحالف مع طهران؛ لتصنيع مليشيات إرهابية بوشاح طائفي ديني؛ لتكن أدوات صراع واحتراب معدة لهذا الغرض، يغذيها خطاب مطبوخ بعناية فائقة في دهاليز المخابرات والإعلام؛ لهيكلة العقول وتنمية الصراع المسلح؛ لتمزيق النسيج الاجتماعي وتدمير منظومة القيم الدينية والوطنية والأخلاقية، فورقة مجابهة التطرف والتنظيمات الإرهابية، كالقاعدة وداعش، موجودة باستمرار على طاولة الإدارات الأميركية، كورقة تلعب بها واشنطن في أي بلد عربي، في الوقت المناسب وبتكتيك استخباراتي دقيق، وماكينة إعلامية ضخمة، تخلط الحابل بالنابل، وتضخم من التنظيمات الإرهابية كقوى غير متخيلة، وتضمن رفدها بآلاف المقاتلين؛ لتستمر الحرب لسنوات طويلة تأتي على ما تبقى من مقدرات الأمة العربية.

إدارة الرئيس الأميركي ترامب، تشبه إلى حد كبير إدارتي بوش الأب والابن، في التعاطي مع ملفات العرب، إذ أنها ستعطي للبعد العسكري أفضلية، في تحقيق مصالح واشنطن الاقتصادية والسياسية والأمنية، وعندما تشعر هذه الإدارة بأن مجريات الأحداث في المنطقة العربية، تقف دون أهدافها وإنجاز مشروع الشرق الأوسط الجديد، لن تعدم حيلة في تفجير صراع مباشر بين الرياض وطهران، يأتي على ما تبقى من مرتكزات القوة والصمود العربي، فقط ستقوم مدمرة أو فرقاطة أميركية بالتحرش بزورق أو سفينة عسكرية إيرانية في مياه الخليج، ويتطور الأمر لمواجهة مسلحة، يذهب ضحيتها عدد من جنود البحرية الإيرانية والمارينز الأميركي، إضافة لبعض الخسائر المادية، ثم يأتي الرد الإيراني ليس على الأساطيل والقواعد الأميركية المرابضة في الخليج، بل بتوجيه ضربات صاروخية مباشرة، لأهداف عسكرية واقتصادية في السعودية، تزعم طهران أنها أهداف عدائية لها، تستخدمها واشنطن في الاعتداء عليها، وتتلاحق الأحداث لتتوسع المواجهات العسكرية بين السعودية وإيران، وبالطبع لن تحارب واشنطن نيابة عن السعودية، بل ستحرص على إظهار موقف مؤيد لها، بتقديم معلومات لوجستية أو بيعها معدات عسكرية وذخائر، وعندما تطمئن واشنطن إلى أن الصراع تحول لحرب شاملة، ووصل لمنطقة اللاعودة، سيتخذ الكونجرس قرارا ملزما لترامب وإدارته بسحب القوات الأميركية من الخليج، تاركة دول الخليج تواجه مصيرها المحتوم.

يمتلك العرب من الإمكانيات ما يمكنهم من التأثير على السياسات الأميركية، غير أن رؤيتهم الخاطئة جعلتهم غير قادرين على تقييم ومعرفة أوراق القوة، التي في حوزتهم والتي في أحيان كثيرة، تحولت نقاط ضعف ضد السياسة العربية، كما أن اعتماد العرب في أمنهم القومي بشكل كلي أو جزئي، على العنصر الخارجي والضمانات الأمنية والدفاعية الخارجية، القابلة للتذبذب والتغيير مع أي تغيير في البيئة السياسية الدولية، أو في القيادة السياسية للدول المانحة للضمانات، جعل الأمن القومي العربي يواجه كثيرا من التحديات والتهديدات، التي تستهدف الهوية والوجود العربي الإسلامي حضارة ودولا وشعوبا، ما يحتم على الدول العربية الاعتماد على أنفسها، وتطوير قدراتها الدفاعية الذاتية، ورسم إستراتيجية دفاعية أمنية شاملة، تحصن الداخل العربي من الاختراق، وتضمن الحفاظ على استقرار الأمة العربية، في هذا البحر المتلاطم من الصراعات.

 

عبدالواسع الفاتكي

 
عبدالواسع الفاتكي
 
أرشيف الكاتب
العرب والإدارات الأميركية: اختلاف الأدوات وثبات الأهداف
2017-04-07
اليمن والعقد الخفية وإعادة التدوير
2016-06-19
اليمن والملامح المخيفة لسيناريوهات خطيرة
2016-05-21
أوهام التسوية في اليمن والصراع القادم
2016-04-23
الحوار، حل لصراع اليمنيين أم استمرار لإدارته؟
2016-04-04
اليمن والتحالف وعام من الحرب
2016-03-28
اليمن: تأملات في الحرب والسلام
2016-03-14
محنة اليمن: سلطة وقبيلة وعسكر
2016-03-05
اليمن: صناعة الأزمات وعقم السياسات
2016-02-28
الربيع اليمني في ذكراه الخامسة، ما له وما عليه
2016-02-12
المزيد

 
>>