First Published: 2017-04-08

بين التطبيل والتجريح.. هل من خيار عاقل؟

 

كما لم تصنع ثقافة التملق والتطبيل سوى طاغية، فأن ثقافة التشويه والإساءة والتجريح لن تفرز إلا إرهابيين فكريين وخوارج جدد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: اللواء عبدالحميد خيرت

ليس غريباً أننا في مصر، نعيش حالة غير مسبوقة تستحق التأمل والدراسة، حتى يصبح اعتبارها حالة عربية بامتياز، لا أدري لماذا نختص نحن بها من بين كل شعوب الدنيا، وبالتالي نكون أمام صورة ذهنية غاية في التطرف الفكري أو الموقف الشخصي وتحديداً برزت بوضوح خلال السنوات الست الماضية لنجد أنفسنا أمام بديلين لا ثالث لها.

وكما اختفى تقريباً مصطلح "الطبقة الوسطى" بمفهومه الاجتماعي والاقتصادي، وصلت الأزمة إلى عقر دار المفهوم السياسي ذاته ـ لدى النخبة أو حتى العامة ـ وبات لا يحتمل سوى النقيضين: مع أو ضد. وكنتيجة غير موضوعية، وجدنا أنفسنا أمام ثقافتين: التطبيل بكل مآسيه وظواهره، والتهجم بكل إساءاته وكوارثه.

لم نعد نفهم أنه إذا تحول المدح أو القدح ـ وكلاهما موقف شخصي ـ إلى ثقافة عامة وسلوكاً بذيئاً في الحالتين، فإن هذا يعني أننا أمام مجتمع معوق، لأنه حول الموقف المتغير والمتأثر بمعطيات الظروف والأوضاع، إلى ثقافة ثابتة، تؤدي في نهايتها إلى تعميق أزمة الحراك المجتمعي ليصبح مثل قضيبي السكة الحديد، لا يلتقيان أبداً مهما امتدَّا.

الأول: يرسمُ مبالغات مندفعة ترسم صورة خاطئة، وتعيدنا إلى جوهر الآفة المسيطرة منذ قرون على فكرنا السياسي برسم صورة "الإله الجديد" المقدَّس بالطبع، والثاني: لا يرى شيئاً وينطلق من دوافع كراهية شخصية لا تقبل ولا تعترف بإنجاز أو محاولة للنهوض.. وكلاهما كارثة وطنية.

العقل السويّ لا بدَّ أن يدرك أنه في المسافة الشاسعة بين الإطراء الأعمى والتهويل المندفع، وبين التجاهل والهجوم الجارح توجد منطقة وسطى أفضل وأكثر رحابة هي النقد البناء والمنهجي والموضوعي الذي يكاد يتلاشى في منهجنا العام ومجمل البنية الفكرية لدينا، ولأن غالبيتنا لا يعون ذلك، فإننا نعاني الآن بصراحة، وبتنا لا يحتمل أحدٌ منا الآخر، وتضيق صدورنا بحساسية مفرطة تتحول إلى حالة نفسية من العداء أو الاستعداء العدواني الصريح.

قد يكون صحيحاً جداً، أن للإعلام بجميع أدواته ووسائله دور كبير في هذه الحالة المصرية خصوصاً والعربية عموماً، سواء بخلق حالة التملق المشمئز، أو باللعب على أوتار الإثارة الفضائحية المتشنجة، وبالتالي يتوزع العقل الجمعي إلى ضمير مشتت ومتضاد ومتناقض لا يجد وعياً نقدياً حقيقياً يكون هو الصوت العاقل والموضوعي الذي يقلل من توابع هذا الصراع الشخصي وتصفية الحسابات والتشكيك والتآمر بنوعيه. والنتيجة طبعاً لن تكون سوى تدمير آخر قلاع المعنوية الوطنية بكل تجلياتها وشرائحها، سواء على مستوى النخب أو الشارع العادي.

مجرد خطوات بسيطة في أي شارع مصري، تجسد عمق المأساة بكل سلوكياتها اللفظية وإيماءاتها الجسدية، وغالبيتها تدور حول شخصنة الأمور من منصب الحاكم إلى مسؤولية الحكومة، مروراً بكل تفاصيل العمل السياسي والاجتماعي العام.. لنكون في مستنقع الاتهام الجاهز.. التطبيل أو التهوين والتشويه.

لا أنكر أن فترة العام الأسود من حكم الجماعة الإرهابية، قد ساهمت في تعميق هذا الشرخ المؤلم في بنية المجتمع المصري، ولا أنكر أن ارتفاع وتيرة التقسيم المجتمعي والتصنيف العقائدي، وما تبعها من خطورة إسقاط القيم الإنسانية والأخلاقية والتقليدية، قد أوصلنا إلى هذه النتيجة المريرة، وللأسف هي بكل نتائجها وطقوسها بعيدة عن أبسط قيم المواطنة السويّة.

على العقلاء ـ إن وجدوا ـ أن يفهموا أن ثقافة التملق والتطبيل لن تصنع سوى طاغية، وأن ثقافة التشويه والإساءة والتجريح لن تفرز إلا إرهابيين فكريين وخوارج جدد. فهل هذا ما نختاره ونرتضيه أم يجب التراجع خطوة للخلف وإرساء منهج النقد الموضوعي والهادئ بكل عناصره، إذا كنا نريد فعلاً الخروج من هذا النفق المظلم؟

 

اللواء عبدالحميد خيرت

رئيس المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية ونائب رئيس جهاز أمن الدولة الأسبق

 
اللواء عبدالحميد خيرت
 
أرشيف الكاتب
تفجيرات 'الأحد' الإرهابية.. ونظرية التعامل بالقطعة مع الأمن
2017-04-11
بين التطبيل والتجريح.. هل من خيار عاقل؟
2017-04-08
حتى لا نتحول لـ'داعشيين' جُدُد
2017-03-29
المزيد

 
>>