First Published: 2017-04-13

الخطر الأول الذي يهدد العرب

 

داعش هو التجسيد الكامل لعمق أزمتنا النفسية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

طفلة من الموصل تقول كنا نحاول الهرب وقام أربعة دواعش فقط بالقاء القبض علينا وعزل النساء والأطفال عن الرجال، ثم تم ضرب الرجال بالعصي وأخذهم إلى مكان بعيد لإعدامهم. أربعة رجال فقط ساقوا 45 رجلا الى الموت وكانوا مستسلمين تماماً لمصيرهم دون أي مقاومة. هذا يعطينا فكرة عن حجم الخوف الذي يبعثه الدواعش في نفوس المدنيين. الطفلة عبرت إلى الجهة الآمنة وتقول بأن فرحتها بالخلاص من داعش لم تكتمل لأن أباها ليس معها. وتحدثت عن الجوع حيث أنها لم تأكل لثلاثة أيام متواصلة.

تقرير عن وكالة رويترز يتحدث عن مشرحة عراقية في الموصل وصعوبة سيطرة الأطباء والموظفين على الوضع في بلد لا يمتلك البنية التحتية الكافية لهذه الأعداد من القتلى. تعطي المشرحة لمحة عن هول ما يتكبده المدنيون من خسائر بسبب الصراع. هناك تعقيدات في عملية الحصول على شهادات الوفاة وقلق من حصول تزوير للحصول على تعويضات من الحكومة.

كما كشف مواطنون عن دفن ذويهم في حدائق البيوت، وفي تقرير سابق تحدثت رويترز عن دفع النازحين لعربات تحمل جثامين أبنائهم لدفنها بشكل لائق. وحتى بعد انتهاء المعارك يتوقع طبيب المشرحة أن تكلفه وزارة الصحة بالتحقيق في المقابر الجماعية التي سيخلفها التنظيم في الموصل.

من شدة الجوع يعلو بكاء الأطفال الرضع غير أن الهزال الشديد الذي أصابهم من جراء سوء التغذية يدفع الأطباء الذين يعالجونهم في مستشفى بالعراق للخوف من تدهور حالاتهم إذا ما أعطوهم ما يكفيهم من الغذاء لتسكين آلامهم. وكثير من الأطفال يُنقلون فورا إلى العناية المركزة. ويقول سكان الموصل الذين تمكنوا من الهرب إنه لا يوجد طعام تقريبا سوى الطحين (الدقيق) المخلوط بالماء وحبوب القمح المسلوقة.

تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" يبث تسجيلا جديدا قبل أيام يهدد الأردن تحديداً حيث ظهر فيه أربعة مواطنين أردنيين منتمين إلى داعش في إصدار بعنوان "لن تهنأوا بعيشكم" عبارة عن ذبح ودم وقبح حتى انقلبت معدتي ولم أتناول عشائي ذلك المساء. ماذا يريدون من الأردن ذلك البلد الجميل الآمن؟

وإصدار آخر في نفس الفترة للدواعش عبارة عن رعب مطلق، يريدون تخويف سنة العراق "اذا تتعاونون مع الحكومة سنلحق آخركم بأولكم". لا بد من مطالبة الجيش البقاء في المدن المحررة، فلا يمكن للحياة أن تعود تحت تهديد هؤلاء. سنة العراق "ممكور بهم" الميليشيات تبطش بهم بحجة "نواصب" والدواعش يبطشون بهم بحجة "مرتدين". لقد أصبحت الحياة صعبة جدا في هذا الجو الخانق.

وفي نفس الأسبوع إصدار داعشي من "ولاية" سيناء تفنن في الإنحطاط والإساءة للمشاعر الوطنية المصرية السليمة. يعرضون إصدارا كاملا لعمليات قنص للجندي المصري الطيب "ابن الشعب". يقتلون شبابنا الفقراء وحماة الديار بعنوان الدين والإسلام ويقولون هؤلاء الجنود هم "مطايا اليهود". أي منطق وأي ضمير وأي روح يمتلك هؤلاء الدواعش؟ جعلوا الناس تنظر اليهم وهم يقتلون الجنود المصريين بعمليات قنص بلا ذنب سوى أدائهم للواجب وخدمة العلم. ما الغاية من تخريب سوريا والعراق وتهديد الأردن ومصر؟

ووقع صباح الأحد الماضي حادث انفجار عبوة ناسفة داخل كنيسة مارجرجس بطنطا في محافظة الغربية وأسفر عن سقوط نحو 30 قتيلا و71 جريحا وبعده بثلاث ساعات فقط وقع انفجار آخر بمحيط الكنيسة المرقسية بمحطة الرمل بالإسكندرية وهي الكنيسة التي يلقي فيها البابا تواضروس عظة الأحد. كما وقع انفجار ثالث بكنيسة مارمرقس بمنطقة العطارين بالإسكندرية، وتأتي الإعتداءات الخسيسة بالتزامن مع احتفال الأقباط بعيد السعف.

لم يعلن تنظيم داعش عن مسؤوليته عن التفجيرات الوقحة في مصر فقط، بل أعلن مسؤوليته عن تفجيرين آخرين في روسيا والآخر بألمانيا. الأمر الذي يجعلنا نتساءل مع أي وحش مرعب نحن نتعامل اليوم؟ رسائل مرعبة تصلني من العراق "استاذ البارحة داعش ارتكب مجرزة في تكريت، دخلت مجموعة من تنظيم الدولة يرتدون زيا عسكريا الى شارع الاربعين وقتلوا من فوج الطوارئ صلاح الدين وهناك ضباط قتلى "أربعة أشخاص تنكروا وقتلوا ثم فجروا أنفسهم. ورسالة أخرى "أستاذ قبل ساعة 31 قتيلا في هجوم انتحاري ثلاثي شمال بغداد."

وإصدار داعشي آخر أثار قلقي. فالموضوع عقلي وليس سياسيا. مجرمون بحاجة إلى أطباء نفسيين. شيوخ يودعون أطفالهم وزوجاتهم ويفجرون أنفسهم، أطباء وخطباء وحملة شهادات عليا. المشكلة هناك إهمال عراقي كامل للصحة النفسية. مجموعة من المختلين عقليا تحولوا الى تنظيم مسلح وبيدهم مصير ملايين الناس. يحاولون تصدير الجنون وعقيدة الموت. عيونهم ليست مستقرة وقلقة. من الواضح أنها عيون أناس يعانون نفسيا. السوريون عندهم مثل "اللهم ثبت علينا العقل والدين". كيف اذا حدث لسبب ما تعارض بين العقل والدين؟

يقول الأطباء الكنديون في كل حرب هناك نوعان من الجرحى. الجريح الظاهر جرحه أمامك، وهناك الجرحى النفسيون. هؤلاء جراحهم أصعب لأنهم لا ينزفون ولا تستطيع رؤية عذابهم. الصدمات النفسية التي تخلفها الحروب يتم توارثها من جيل لجيل وتحتاج إلى بنية تحتية ووزارة صحة ودولة حقوق لعلاج هذا الكبير من المصابين بالصدمة.

علينا أن نتذكر الخطر الحقيقي الذي يتهدد دولنا العربية ومجتمعاتنا قبل الخوض في المشاكل الأخرى. لقد كنت عازما على كتابة مقال يتعلق بسوريا والضربة الصاروخية الأميركية لمطار الشعيرات العسكري وموضوع استخدام الأسد للسلاح الكيمياوي في خان شيخون غير أنني ككاتب عراقي علي أن أبدأ من الخطر الأول المتمثل بداعش، ثم نكتب عن المسألة السورية وخطورتها.

السيناتور الأنيق عن ولاية فلوريدا ماركو روبيو ذكر قبل يومين أن وحشية الرئيس الأسد هي السبب الرئيسي في انضمام السوريين إلى المنظمات الإرهابية للإنتقام لأسرهم وأطفالهم. ويرى السيناتور أن القضاء على الإرهاب مرتبط بالقضاء على النظام السوري. لاحظت أن آلاف الأميركيين شاركت كلامه على التواصل الإجتماعي، وهناك تفهم كبير لهذه الإشكالية. في ظلال وعينا الكامل بالخطر الأول على مستقبل العالم العربي المتمثل بالإرهاب الداعشي والتطرف الديني يتبع هذا المقال مباشرة مقال مكمل يتعلق بالمسألة السورية.

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض
2016-11-23
سنة العراق بين السلة والذلة
2016-11-15
المزيد

 
>>