First Published: 2017-04-15

ولاية الفقيه.. فقر التجديد في مواجهة نار التطرف

 

شيخ الأزهر يعلم مأساة الخطاب الديني المعاصر، ويفطن للتحديات التي ما زالت تواجه الإسلام ديانة ومعتنقين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. بليغ حمدي إسماعيل

اعتداد قطيع من المحسوبين على الإعلام قهرا وطوعا وكرها أيضا أن ينتهزوا أدنى فرصة سانحة للهجوم على المؤسسة الدينية الإسلامية لا في مصر وحدها بل في العالم كله وهي مؤسسة الأزهر الشريف، وهذا الهجوم يأتي إما بفضل تجارب ذاتية يمكن شخصنتها بعوامل غير موضوعية عادة، أو من أجل قناعة شخصية بأن النخب المثقفة هم الأجدى والأنفع لتجديد الخطاب الديني رغم أن عملية التجديد نفسها تحتاج إلى دراسة دينية عميقة يمكن تأصيلها بطروحات أكاديمية متخصصة من أجل الاقتراب وتصوير وتوصيف المشهد ثم طرح محاولات التطوير والتجديد والإصلاح ومن ثم تجويد الخطاب الديني نفسه.

ورغم هذا الهجوم المعلن والصريح المتداول عبر المواقع الإلكترونية والصحف غير القومية الاستثمارية التي يديرها حفنة من رجال الأعمال غير المثقفين وبعض القنوات الفضائحية التي وجدت في موضوع تجديد الخطاب الديني الفرصة الذهبية في اعتلاء المشهد بغير حجة أو دليل أو مبرر مقنع أيضا، على مؤسسة الأزهر، إلا أنني أجدني متفقا ومتوافقا مع بعض أصواتهم وأقلامهم في التنويه عن بعض المثالب التي يعاني منها بعض رجالات المؤسسة وليس شيخها الجليل الإمام أحمد الطيب الذي يعد بحق أبرز المجددين بحكم دراسته الأكاديمية وبفضل سماته الشخصية، وليس أيضا المؤسسة بعمقها التاريخي الضارب في القدم.

وربما في اللحظة التي تلت جلوس شيخنا الجليل الإمام أحمد الطيب على كرسي مشيخة الأزهر الشريف كنت قد حذرت من مغبة بزوغ نظرية ولاية الفقيه الدامغة في الذهنية العربية التي اعتادت الاستسلام لقمع إعمال العقل وقهر الاجتهاد في أقدم مؤسسة دينية إسلامية عالمية. وذكرت وقتها أنني اغتبطت فرحاً عندما علمت بصدور القرار الجمهوري بتعيين الدكتور أحمد الطيب شيخاً للأزهر الشريف؛ كانت تلك الغبطة نتيجة معرفة سابقة بتاريخ هذا الرجل التي يمكن وصفها بعبارة "مسيرة كفاح" ونبهت على ضرورة إحداث تغيير شامل وليس تعديلاً لسياسات ومناهج وآليات هذه المؤسسة بما تتوافق مع الذهنية التجديدية لفضيلة الإمام الأكبر.

ولعلي أدرك يقيناً أن فضيلة الإمام الأكبر الجديد شيخ الأزهر يعلم مأساة الخطاب الديني المعاصر، ويفطن للتحديات التي ما زالت تواجه الإسلام ديانة ومعتنقين. وأظن أن فرقاً كبيراً بين توليه منصب الإفتاء، ومنصب رئيس لجامعة نوعية، وبين توليه رئاسة أكبر مؤسسة دينية في العالمين العربي والإسلامي. لكن اجتهاد الرجل تقابله ذهنية تأبى أن تخرج عن نظرية ولاية الفقيه أو إيجاد مرجعية دينية صارمة لا تعترف بالاجتهاد ولا تؤمن بحرية وحق التنوير، الفكرة التي طالما حارب من أجلها الإمام المجدد محمد عبده.

وربما فضيلة الإمام الأكبر الجديد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب من المسئولين المحظوظين، لأنه ذهب إلى الأزهر الشريف وهو يعرف تمام المعرفة مشكلات ومهمات ومسئوليات عمله التنويري التجديدي عملا باجتهاد سابقيه من أمثال الشيخ الإمام محمد عبده، ولكن المعرفة وحدها لا تكفي وتفي بالغرض، ولا العزيمة وحدها من شأنها أن تحقق آمال الرجل الذي يسعى بالضرورة إلى خدمة الإسلام والمسلمين، فقد تكون المشكلات التي تمثل تحديات عائقة أمام الخطاب الديني سهلة وبسيطة، لكن ربما تبدو الوسائل والوسائط والإمكانات المتاحة لإزالة هذه العقبات معدمة وفقيرة.

والمشكلة المستدامة أن مصر كلما استفاقت على خطر الإرهاب واستعار موجات التطرف الديني اتجهت الأنظار قاطبة صوب المؤسسة الدينية الرسمية التي كانت لابد وأن تنتهج خطة أو مشروعا دائما لمواجهة الفكر المتطرف ربما بالتعاون مع وزارة الأوقاف، لكن مشكلة الوزارة أن مشغولة بصورة مستمرة بوزيرها ومؤلفاته الحصرية التي يعتقد صاحبها أنها تؤاجه الفكر المتطرف رغم أن ذاكرتي تعي وتحفظ عشرات المواقف له ولبعض أئمة الوزارة بمديرياتها الكثيرة جدا جدا التي تؤكد ثمة تقاعس خطير لمثل هذه المواجهات، وكنت أتمنى بدلا من أن تهتم وزارة الدكتور مختار جمعة ـ إن أسعفتني الذاكرة باسم الوزير ـ في ترجمة مؤلفاته ومنشوراته وخطبه وآثاره الفكرية إلى لغات كاليابانية مثلا ـ برجاء مراجعة أعداد المصريين المهتمين باللغة اليابانية ـ ولغات أخرى عجيبة وغريبة في الوقت الذي كان لابد وأن ينصب الاهتمام على الداخل المتطرف والأكثر شراسة وخطورة ودموية.

حتى مشاركة النخبة في عملية تجديد الخطاب شكلت منازعة بينها وبين المؤسسة الدينية وربما الأزهر بحكم تاريخه العميق القديم لا يقبل تلك المزاحمة في التجديد بحجة الاختصاص الديني والفقهي، لكن بعيدا عن كل المساجلات التي استمرت لمدة عام وشهرين منذ دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي لشيوخ الأزهر الشريف وحتمية التجديد بل وإحداث الثورة الدينية لا ينبغي الغفلة عن مشهد الانفصال البائس بين الواقع الآني والإضافة الحضارية للفكر الديني الذي ربما مات بعد وفاة مجدد النصف الثاني من القرن العشرين الشيخ محمد متولي الشعراوي بعد سنوات بعيدة من التجديد الذي أرسى قواعده المجدد الأكبر الشيخ محمد عبده والذي كان وحده منفردا مدرسة وإمامة في التجديد والاجتهاد سار على دربه كل رواد النهضة العربية بعد ذلك.

وكم كنت أتمنى أن فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب سيدرك سريعاً ـ وهذا ظني الحسن به وبمقامه الرفيع ـ أن مشكلة الخطاب الديني لا تتمثل في الكتب الدينية والمصادر المعرفية التي يستقي منها الخطباء والأئمة معارفهم وحدها، بل وتتمثل فيهم أنفسهم أيضا، فلا تزال عقدة الثقة هي المحك الرئيس لاختيار الإمام والخطيب بل والمعلم الأزهري أيضاً، وسط تجاهل مستمر ومعلن لمعايير أخرى كالكفاءة والخبرة المستدامة غير المنقطعة في الدراسة وحضور المؤتمرات والندوات.

ومنذ سبع سنوات كاملة قلتها بصدق في إحدى مقالاتي بالصحف المصرية آنذاك لشيخ الأزهر، كان نصها الآتي: "وأقولها صادقاً لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر: قبل أن تجلس على كرسي المشيخة لا بد وأن تعي بأنك مقدم على معارك ضارية لابد من حسمها سريعا، أبرزها الخطاب الديني الذي تردى، ونادى الرئيس ـ كان وقتها الرئيس المخلوع حسني مبارك ـ بضرورة تجديده وتطويره، ومنها صورة الإسلام في الإعلام الغربي، الذي بات يصور ويجسد المسلم في المقالات والدراسات العلمية وحتى في الأفلام السنيمائية على أنه بدوي جاهل مسعور."

والملمح الصادق اليوم هو انفصال الخطاب الديني عن قضايا الوطن الدينية والاجتماعية والسياسية، وكثيرا من رجال الأزهر أنفسهم وأنا شخصيا عملت لمدة خمس سنوات بالأزهر الشريف يحتاجون إلى مراجعات فقهية وإعداد ثقافي وديني طويل الأجل والبعض منهم وليس القليل من المتطرفين دينيا بغير حجة أو دليل واضح فقط الاستناد إلى طروحات إيرانية أو هندية أو أفغانية متطرفة وكأنهم بصدد العيش في ظل ولاية الفقيه.

أما هؤلاء المتهوكون والمسعورون في هجومهم المزمن صوب مؤسسة الأزهر فهناك ثمة شواهد لاتزال معاصرة تفيد جنوح هؤلاء المثقفين بعيداً عن أحداث المشهد الذي لا يمكن اعتباره سياسياً أو اجتماعيا أو اقتصادياً بل يمكننا توصيفه بالمشهد الوطني، فقط هم يجيدون الظهور من أجل الهجوم وربما التطاول أيضا، فالمثقف لا يزال يجيد الفعل السياسي على مستوى التنظير فقط دون أدنى مشاركة حقيقية وتشابك فعلي مع حالة الشهود الثوري التي اشتعلت منذ صباح الخامس والعشرين من يناير وقت اشتعال الانتفاضة الشعبية في وجه نظام مبارك، بل إن كثيرين من المثقفين المهمومين بفعل الثقافة كان لديهم قدرة فائقة على الاعتصام بالسكينة والترقب الهادئ البعيد عن غضب السلطة آنذاك وهم بالضرورة يعانون احتجاب الشهرة والأضواء بالنسبة لرجل الشارع العادي الذي خرج إلى صهد الشوارع بحثاً عن الحرية والعدالة الاجتماعية وممارسة حقوقه السياسية المشروعة.

وربما عزوف المثقفين عن التشابك الحقيقي مع الشارع المصري المحتدم بأحداثه الوطنية والتي كان من آخرها تدشين المشروع الوطني العملاق الخاص بتنمية قناة السويس هو دليل على حالة اللايقين التي يعاني منها معظم مثقفي الدولة، وهذا اللايقين الذي يعبر عن حالة سيكولوجية تشير إلى اضطراب في الاستقرار النفسي مفادها الرهان الخاسر دوماً على التاريخ. ومشكلة الثقافة في مصر والتي كرس لأزمتها نظام مبارك هي انعدام درجات الوثوقية لدى المثقفين بالدولة، وهم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ورغم وعيهم الشديد بالجذور القديمة والراسخة للقمع في تراثنا العربي إلا أنهم يخسرون كل مرة حينما يقامرون مع التاريخ الذي عادة ما ينصف إبداعاتهم الخالصة ولا يظلم طروحاتهم الفكرية بشأن الوطن.

ولعل حادث تفجير الكنيستين المصريتين بالإسكندرية وطنطا أعاد المشهد الذي لا يزال قائما إلى الصدارة، وأعادنا من جديد إلى نقطة الصفر التي وجه إليها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وهي تجديد الخطاب الديني، ففشلت وزارة الأوقاف، وفشل المثقفون، ولم تنجح مؤسسة الأزهر وظل نداء السيد الرئيس عب الفتاح السيسي مرهونا بفكرة الوطنية التي لابد وأن تكون باعثا حقيقيا لمواجهة التطرف وأنصاره والإرهاب ومعتنقيه فكرا وفعلا.

وسواء اتفقنا على أن حادث التفجير يمكن انتسابه إلى تنظيم داعش أو بعض الفصائل الدينية المتطرفة في مصر، الأجدر هو أن اليوم بات ضروريا إيجاد طرائق سريعة تتناسب وطبيعة المواجهة من أجل تحقيق هدفين رئيسين هما الحفاظ على الهوية الإسلامية من ناحية، وحفظ مصالح البلاد وأمنها واستقرارها، وتكفي نظرة سريعة إلى أحداث المنطقة العربية لإدراك حالة التشظي السياسي والديني بها وموقف المثقف صوبها وماذا أفاد من إحداثياتها المضطربة وماذا أفاض من حلول لفك شفراتها، تحديداً مجازر الكيان الصهيوني في غزة والخلافة المزعومة المنسوبة لتنظيم داعش والموسومة بتنظيم الدولة الإسلامية، وبعيداً عن ما يحدث في غزة لأن الإنسانية تنهار لحظة بلحظة أمام المشاهد اليومية التي تبث عبر الفضائيات والتي تحتاج إلى عناصر ثلاثة كي تنفك عقدة فلسطين عموما وليست غزة وهدها وهي الإرادة والإخلاص والتعاون الصادق، وهي كلمات ثلاث تبدو بسيطة نسبياً إلا أن تحقيقها ومثولها على أرض الفعل لا يبدو سهلاً أو ممكناً لكنه لا يعد أيضاً مستحيلاً. ومن الصعب تناول الطرح السياسي للمثقفين العرب إزاء مذابح غزة لاسيما وأن الصمت العربي الرسمي كفيل بمذابح جديدة، وأن تناول الملف الفلسطيني على موائد الاجتماعات العربية صار طبقاً شهياً لأن الطعام فيه لا ينفد.

أما بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والذي يسعى لإقامة خلافة إسلامية ممتدة حتى مشارف القارة الأوروبية والتي قدمت أوراق اعتمادها بالعنف وسفك الدماء ونبش قبور الأنبياء والأولياء فإن المثقف العربي لا يمتلك قدرة على استشراف الخطر بصفة عامة، وعادة ما أتعجب من أمر الذين يصرون على إلصاق أسمائهم بلقب المفكر لاسيما وأنهم تنتابهم فجأة ظهور مثل هذه الحركات والتنظيمات في الوقت الذي كان أمامهم متسع من الزمن يسمح لهم بتجديد خطابهم الثقافي وتهيئة العقل العربي لاستقبال التنوير.

وبفعل الضغط الهائل من أنصار الفكر المتطرف والذي تجاوز حد القول والطرح النظري إلى ممارسات وسلوكات دموية أصبح من المهم والبدهي هو إيجاد حلول للمواجهة منها الحل الأمني الذي كنت أرفضه كثيرا لكن اليوم وفي ظل محاولات خبيثة لتقويض وحدة الوطن واستقرارها بات هذا الحل مجديا وسريعا، علاوة على تجديد سبل المواجهة الفكرية، فالقضية لا تقتصر على مجموعة من المناهج البليدة أصلا والتي ينادي الكثيرون بتجديدها فالطلاب أنفسهم في حالة استغراق بالامتحانات ولا يفكرون في سطور المقررات ولا يعبأون بها من الأساس، بل من الضروري التصدي للفكر المتطرف عن طريق تحويل تلك المقررات وتجديد المنظومة التعليمية إلى أنشطة وظيفية تكرس لثقافة الوطنية أولا والاهتمام بتدريب الطلاب على التفكير والاجتهاد بطريقة محمودة دون وصاية الفقيه أو ولايته بمعنى أن رجلا يدعي حق المعرفة المطلقة ومن شأنه أن يتحكم في عقول الناشئة فيوجههم من أجل خدمة أطماعه ومصالحه وتحقيق مآربه المذمومة.

أنا على يقين بأن مصر العظيمة بشعبها وأهلها الطيبين وبرئيسها الوطني، وحكومتها التي لا بد وأن تتوافق مع طبيعة الأحداث المتسارعة، وبجيشها الباسل الذي يرابط على حدودنا ويؤدي مهمته الوطنية أيضا بالداخل، وبأجهزتنا الأمنية التي تتعقب هؤلاء المتطرفين، وأخيرا المثقفين ورجال الدين المجددين الوطنيين أن كل عناصر المنظومة السابقة ستنتجح بفضل الله في عبور محنة التطرف وجموح الإرهاب، هكذا قدر مصر أن تظل عظيمة لأنها كما قال عميد الرواية العربية عنها نوبل العرب نجيب محفوظ جاءت أولا ثم جاء التاريخ بعدها.

 

د. بليغ حمدي إسماعيل

 
د. بليغ حمدي إسماعيل
 
أرشيف الكاتب
وزير التربية والتعليم المصري أمام محكمة الأسرة
2017-09-04
قراءة الأفكار
2017-08-24
خطاب التنوير في مواجهة راديكالية المعرفة
2017-06-17
القرائن اللفظية في القرآن الكريم
2017-06-05
في القاهرة، الدهشة تليق بك!
2017-05-22
من نثائرِ الصوفية .. 'قراءة في فقه المركزية الكونية عند سهل التستريِّ '
2017-05-14
المحطة الأخيرة للاستشراق المعاصر
2017-04-23
قانون القراءة ملامح في طريق التجديد والتنوير
2017-04-22
ولاية الفقيه.. فقر التجديد في مواجهة نار التطرف
2017-04-15
التعليم العربي.. ملامح لوحة لم تكتمل
2017-04-04
المزيد

 
>>