First Published: 2017-04-15

زمن أولاد الشوارع

 

الشعوب التي التبس عليها مفهوم عظمتها كانت في الحقيقة مغيبة. لقد أخرجها زعماؤها عنوة من التاريخ. لم تعد علاقتها بالزمن قائمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

العالم، كل العالم يعيش زمنا منسجما مع نفسه. أما العالم العربي فإنه وحده يعيش زمنا، توقيتاته مضطربة.

ساعة العالم العربي أصابها الخلل. خلل لا يُرجى له اصلاح. منذ متى اختل الشعور بالزمن لدى العربي الذي لم تهبط عليه نعمة المواطنة إلا من خلال الخطابات الرسمية التي كانت توجه إلى الشعب العظيم الذي لم يكن يرى شيئا من عظمته مجسدا على أرض الواقع؟

كان ياسر عرفات يصر على أنه يقود شعبا من الجبارين.

في المخيمات كان الفلسطينيون يقتل بعضهم البعض الآخر.

الشعوب النائمة كانت قد أوكلت لزعمائها مهمة الحلم بدلا عنها. وهو ما دفع أنور السادات إلى أن يركب الطائرة ليصدم الإسرائيليين في القدس من غير أن يفكر بصدمة شعبه في مصر. ما فعله صدام حسين حين احتل الكويت لم يكن المقصود به مفاجأة الكويتيين وحدهم بل كانت صدمة العراقيين حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل ذلك الغزو الذي وأد القومية العربية إلى الأبد.

الشعوب التي التبس عليها مفهوم عظمتها كانت في الحقيقة مغيبة. غير أنها لم تكن واعية لأسوأ ما وقع لها. لقد أخرجها زعماؤها عنوة من التاريخ. لم تعد علاقتها بالزمن قائمة.

لو أن عقارب الساعة قد توقفت لكانت الخسائر أقل. غير أن تلك العقارب وقد صارت تعمل عكس مسارها الطبيعي، كان واضحا أن العودة إلى الوراء هي الشيء الممكن الوحيد وهو ما خلص إليه خطاب الولايات المتحدة الموجه إلى الشعب العراقي قبل حرب تحرير الكويت بساعات "سنعيدكم إلى العصر الحجري".

لم يكن ذلك التعبير مجازيا. بعد ربع قرن من تلك الحادثة لا يزال الشعب العراقي يعيش حياة لا تمت إلى العصر الحديث بصلة.

لا أحد في إمكانه أن يؤكد أن الشعب المصري قد شفى تماما من آثار الصدمة التي سببتها زيارة السادات إلى القدس. كانت زيارة عبثية أضفت الشيء الكثير من العبث على حياة المصريين.

ما فعله السادات وبعده صدام حسين يمكن أن يفعله أولاد الشوارع.

كان الأخ العقيد معمر القذافي قد احتفى بسلوك أولاد الشوارع حين مزق ميثاق الأمم المتحدة أثناء خطابه الشهير بنيويورك. لقد انقطعت يومها صلة ليبيا بما يمكن أن يشكل قاعدة لحمايتها.

كانت ليبيا بلدا محاصرا فحولها سلوك زعيمها المجاني إلى ورقة محترقة. لم يعد انتهاك الأجواء الليبية محرما على أحد. وهو ما فعله البند السابع الذي لا يزال ساريا بالنسبة للعراق.

في ظل أنظمة يقودها زعماء مطلوبون للعدالة الدولية كما هو حال الرئيس السوداني عمر البشير فإن كذبة من نوع الشعوب العظيمة صارت مفضوحة أكثر مما يجب. فشعوب تصمت وهي ترى أبناء الشوارع يتسلقون ليصلوا إلى أعلى المناصب التي تتيح لهم أن يسرقوا وينهبوا ويفسدوا ويقتلوا وينشروا السلاح غير المشروع ويستهينوا بالقوانين عليها أولا أن تراجع علاقتها بالمفاهيم الإنسانية قبل أن تفكر بعظمتها المتخيلة.

قبل كل شيء ينبغي على العربي أن يتساءل عن معنى أن يكون المرء إنسانا حيا؟ لا يكفي كل ما نقوم به من أنشطة بريئة وعفوية للإجابة على ذلك السؤال الذي يتعلق بعلاقتنا بالزمن.

الشعوب العظيمة هي التي تخترق الزمن فيكون لما تفعله قوة الأثر الراسخ الذي يؤكد وجودها. وهي من أجل انجاز تلك المهمة الفذة تتغير وتتأثر وتتفاعل وتتسامى وترتقي وتتعلم وتتفوق وتغامر وتقتحم وتجازف وتراجع وقبل كل هذا تحلم.

ما علاقة العرب بكل ذلك؟

عبر ثلاثة عقود من الزمن رأينا كيف تراجع العرب عما أنجزوه منذ بداية القرن العشرين وحتى خمسيناته. تراجعوا عن التعليم والتحرر والاستقلال والسيادة والمواطنة والعدالة الاجتماعية والثقافة والمستوى الصحي ومحاربة الفقر وحماية الحريات المدنية. بل أنهم تراجعوا عن فكرة أن يكونوا أحراراً. ألم يرحب عراقيون بالاحتلال الأميركي؟ ألا يحلم سوريون بأن تمحق ضربة أميركية سوريا.

يوم كان المعلم حامل نبوءات المستقبل كان الزمن العربي منسجما مع حركته الطبيعية أما حين قفز أولاد الشوارع إلى السلطة فقد صار زمنهم عنوانا لخروج العرب من التاريخ.

 

فاروق يوسف

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

اولاد الشوارع ثوار في مجتمع تكلس بالماضي ، ومغامراتهم في الإنتقام تتجه نحو مجتمعاتهم. القطيع يشعر بالنصر بسبب إختلاف اولاد الشوارع عنهم ، والاعتراف بشجاعتهم هي الإثبات المحزن في الإعتراف بجبن القطيع اللذي استهلك السيف والشجاعة والكرامة والنبوة والطموح والأخلاق.

2017-04-15

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

السيف أصدق انباءا من الكتب في حده الحد. جميع زعماء العرب بعد الحرب العالمية الأولى أدوات فاقدة لحريتها وكرامتها في الظل. الاستهتار بمجتمعاتهم هو حد السيف اللذي انتقموا به من مجتمعاتهم ومن أنفسهم. المهزم على طرف الحبل منتقم على الاخر.

2017-04-15

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
آن لقطر أن تلتفت إلى وجودها
2017-04-26
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
المزيد

 
>>