First Published: 2017-04-16

ساعة الحقيقة تقترب في سوريا

 

وجود مسؤولين في واشنطن يعرفون الشرق الاوسط في العمق، لن يعني وضع الامور في نصابها بالنسبة الى ايران وروسيا والنظام السوري، او ما بقي منه، فحسب، بل ستتجاوز ذلك الى ضبط إسرائيل أيضا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

حسنا، اظهر دونالد ترامب انّه مختلف عن باراك أوباما ووجه ضربة الى قاعدة الشعيرات الجويّة، قرب ادلب، ووصف بشّار الأسد بما لا يجب وصفه به. لم يكن جائزا لجوء الرئيس الاميركي الى هذا الوصف، اقلّه لان الحيوان يبقى في أحيان كثيرة اكثر رأفة بالمحيطين به من ديكتاتور يحتقر شعبه ويفتك به ويقبل بتغييرات ديموغرافية من منطلق مذهبي بحت. لا بدّ لجمعيات الرفق بالحيوان، في هذه الحال، من تقديم شكوى الى اقرب سفارة أميركية على ما فعله رئيس القوّة العظمى الوحيدة في العالم عندما قارن رئيس النظام السوري بمن هو اكثر إنسانية منه بكثير.

من المهمّ الآن ان يمتلك ترامب خطة واضحة في شأن سوريا وما يريده من سوريا وان يتبع سياسة بعيدة كلّ البعد عن الأهداف التي توخّاها باراك أوباما. تتمثّل هذه الأهداف، التي كانت تلتقي مع ما تريده ايران واسرائيل، في تفتيت سوريا بدل إعادة الحياة لها وذلك بعدما اثبت الشعب السوري من خلال صموده منذ العام 1963 انّه شعب يستأهل الحياة وانّه لم ييأس من المقاومة. عمل أوباما على استمرار الحرب السورية طويلا، بل طويلا جدا، كي لا يعود مجال لتغيير الواقع على الأرض. فعل ذلك عبر سماحه بتدمير المدن السورية الكبرى مثل حلب وحمص وحماة وتطويق دمشق بحزام مرتبط بالمناطق التي يسيطر عليها "حزب الله" في لبنان في سهل البقاع وامتداداته الجغرافية.

لماذا العودة الى العام 1963؟ السبب في غاية البساطة ان الثامن من آذار – مارس من تلك السنة كان يوم سقوط سوريا في يد البعث الذي يمثل كلّ أنواع التخلّف، بما في ذلك اجتياح القرية للمدينة والاستسلام للعسكر ولما بعد الاستسلام للعسكر وللانقلابات التي يقومون بها. كان ما بعد الاستسلام للعسكر بحجة تحويل سوريا الى "سوريا البعث" وتخلّفه، الخطوة الاولى في عملية الانتقال الى سيطرة طائفة من الاقلّيات على البلد بتفاهم واضح مع إسرائيل التي تلقّت هديتها الاولى من حافظ الأسد، وزير الدفاع، بين 1966 و1970. استطاعت اسرائيل احتلال الجولان بعد تسليمه لها تسليم اليد.

يفترض في إدارة ترامب ادراك انّ الموضوع لم يعد الموضوع اسقاط بشّار الأسد وعائلته. الاحداث تجاوزت النظام. المطروح مصير سوريا ولا شيء آخر غير ذلك. ما هو مطروح تحديدا وجود نظام شرعي في سوريا. المطروح التساؤل كيف يمكن إيجاد صيغة لسوريا جديدة بعدما صار مستحيلا العودة الى سوريا القديمة التي حكمها حافظ الأسد وورّثها لابنه.

قضية الشرعية في سوريا حسّاسة الى حدّ كبير. على سبيل المثال، هناك وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف الذي يتذرع بشرعية النظام لتبرير مشاركة بلده في الحرب على الشعب السوري. من اين يأتي النظام بشرعية تسمح له بالاستعانة بميليشيات مذهبية أرسلتها له ايران وبسلاح الجوّ الروسي لقصف المدن؟ الاهمّ من ذلك كلّه ما هذه الشرعية التي تسمح للنظام باستخدام السلاح الكيميائي والبراميل المتفجرة ثمّ نفي ذلك؟

عندما ينفي بشّار الأسد استخدام السلاح الكيميائي، فهو يتجاهل ان وزارة الدفاع الروسية اعترفت، وان بطريقة مواربة بانّ هناك سلاحا كيميائيا استخدم. اعلن ناطق روسي بعد قصف خان شيخون في الرابع من الشهر الجاري ان الطائرات التابعة للنظام استهدفت مكانا كان "الارهابيون" يخزنون فيه سلاحا كيميائيا. من اين اتى هؤلاء "الارهابيون" بالسلاح الكيميائي؟ هل من كذبة اكبر من كذبة وزارة الدفاع الروسية؟ نعم، هناك كذبة اكبر هي كذبة شرعية النظام التي بنيت على قهر السوريين وعلى سياسة مليئة بالشعارات التي لا تمتّ الى الواقع بصلة من نوع "المقاومة" و"الممانعة".

في بلد مثل سوريا، يمتلك ثروة إنسانية لا تنضب، طالت كذبة "شرعية النظام" اكثر بكثير مما يجب. مع ضربة ترامب والمحادثات الدائرة بين موسكو وواشنطن، اقتربت ساعة الحقيقة. تعني ساعة الحقيقة في سوريا ان النظام غير شرعي بايّ شكل من الاشكال وانّ الوقت حان لتأخذ روسيا حجمها الحقيقي وان تقبل بالشروط الاميركية والعربية، نعم العربية، التي تشدّد على انّ لا مكان لبشّار الأسد في سوريا وفي أي حل سياسي للازمة العميقة التي يعاني منها هذا البلد. الاهمّ من ذلك كلّه، ان تتابع الادارة الاميركية المقاربة التي بدأتها بالرد سريعا على استخدام السلاح الكيميائي. تقوم هذه المقاربة على الوصف الحقيقي للحال التي يمثلّها بشّار الأسد وعلى ان الحرب على الإرهاب لا يمكن انّ تكون ناجعة من دون استيعاب انّ "داعش" والنظام السوري ومن يقف خلفه وجهان لعملة واحدة. "داعش" يقتات من النظام السوري والنظام السوري يبحث عن شرعية من خلال اظهار نفسه في مظهر من يقاتل "داعش"!

كان الهرب الى سوريا، بحجة ان "النظام الشرعي" فيها، طلب ذلك، سقوطا روسيا في لعبة قامت على رهان محدّد. هذا الرهان هو إدارة باراك أوباما التي قرّرت، إرضاء لإسرائيل وايران، ترك سوريا تنهار على أهلها. ثمّة لعبة جديدة الآن مختلفة كلّيا عن تلك التي سمحت بالتدخل الايراني والروسي لمصلحة نظام غير شرعي اخذ على عاتقه انهاء المهمّة الموكولة اليه والتي بدأت بتسليم الجولان الى إسرائيل قبل نصف قرن.

لم تكن ضربة مطار الشعيرات بصواريخ "توما هوك" مجرّد ضربة عسكرية، سبقها ابلاغ روسيا بها كي تبعد عسكرييها عن هذه القاعدة. كانت الضربة نقطة تحوّل على الصعيدين الإقليمي والدولي. يظلّ هذا التحول مرتبطا بسؤال في غاية البساطة هل ينجح دونالد ترامب في إعادة روسيا وايران، الدولتين المفلستين، الى حجمهما الحقيقي؟

هناك حاجة عربية حقيقية الى ذلك، لا لشيء سوى من اجل إعادة التوازن الى المنطقة. انّه توازن مفقود منذ سلّمت إدارة بوش الابن العراق على صحن من فضّة الى ايران في 2003 ومنذ قرّر باراك أوباما الرضوخ لذلك بل تكريسه بحجة انّ الملفّ النووي الايراني يختزل كلّ أزمات المنطقة.

نقطة الانطلاق هي سوريا حيث يعرف النافذون في الإدارة الاميركية ماذا تعني في مجال نجاح الحرب على الارهاب من جهة وتغيير قوانين اللعبة الدولية من جهة أخرى.

باختصار شديد، انّ النجاح الاميركي في سوريا، سيشكل عودة الى مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة عندما سقط جدار برلين في خريف العام 1989 وصولا الى انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع العام 1992. مثل هذه العودة، بوجود مسؤولين في واشنطن، يعرفون الشرق الاوسط في العمق، لن تعني وضع الامور في نصابها بالنسبة الى ايران وروسيا والنظام السوري، او ما بقي منه، فحسب، بل ستتجاوز ذلك الى ضبط إسرائيل أيضا.

من يتذكّر ان ضبط إسرائيل، اميركيا، حصل للمرّة الأخيرة في العام 1991، عندما انعقد مؤتمر مدريد وكانت في الولايات المتحدة إدارة جمهورية قويّة تضم الرئيس جورج بوش الاب ووزير الخارجية جيمس بايكر ومستشار الامن القومي الجنرال برنت سكاوكروفت.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
لغز ايمانويل ماكرون
2017-04-26
قصّة ملك... ورئيس لنظام
2017-04-24
إيران تردّ على اميركا في لبنان!
2017-04-23
بين صعود تيريزا مي... وهزالة فرنسا
2017-04-21
ما اشبه اليوم بالبارحة في ايران
2017-04-19
تأخّرت معركة الحديدة... ام لم تتأخّر
2017-04-17
ساعة الحقيقة تقترب في سوريا
2017-04-16
وصيّة سمير فرنجية
2017-04-14
استهداف مصر مرتبط بالردّ الاميركي
2017-04-12
من ضياع الجولان... الى ضياع سوريا
2017-04-10
المزيد

 
>>