First Published: 2017-04-16

'إديا تدفن في مقبرة 'الحكرة

 

الحياة والموت في بعض المستشفيات هي سباق في القدرة على دفع مصاريف العلاج.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: الهام الطالبي

ترافقني صورتها في كل مكان، أتخيل ابتسامتها ووجعها وهي تتألم تنتظر بعيون طفلة العلاج، أتخيل خوف عائلتها ووقوفهم أمام ردهات المستشفى للانتظار، وجواب الطبيب البارد الذي لا يهمه حالتها: "لا يوجد جهاز السكانر في المستشفى". لتستمر معاناة الاسرة مع فقر مستشفياتنا وأطباءنا، ويكرر نفس الجواب على مسامعهم جواب يعرفه المواطن البسيط جيدا "نعتذر ليست لدينا تجهيزات لعلاج إديا"، "وليس لدينا ما نقدمه لها".

إديا اليوم لم تكشف عن واقع مستشفياتنا لأننا نعرف جيدا هذا الواقع وتجرعنا منه الكثير ولا زلنا، لقد علمتنا مستشفياتنا ان نتألم في صمت حتى يتفاقم وضعنا الصحي وتصبح المستشفى شر لابد منه، نذهب اليها ونحن ندرك جيدا كم من ساعات سننفق في الانتظار كيف سنتكبد الاحتقار والمهانة من حارس المستشفى الى الطبيب، لقد تعلمنا ان نصبر ونحن في عز ألامنا ونكابر حتى لا يتم اذلالنا في مؤسسات تعتبر أن المريض زبون ينبغي أن يدفع أكثر لكي يتعالج، وأن من حقها أن تستثمر في صحة المريض.

اسألوا أبواب مستشفياتنا عن كم إديا لفظت انفاسها بسبب عجزها عن سداد تسعيرة العلاج، اسألوا بعض الأطباء الذين أضحوا سماسرة يساومون في صحة مريض على الفراش، ويطالبونه قبل علاجه بدفع مبلغ باهظ، اسألوا الطبيب الذي يتجرد من عباءة الانسانية ويرد بكل وقاحة على أهل المريض "لا يمكننا اجراء العملية لمريضكم". اسألوه عن كيف نجح في كلية الطب دون أن يدرس مادة الانسانية اسالوا من ذهب يبحث بين أصدقاءه وجيرانه وهو يرجوهم أن يدينوه مبلغا للعلاج. اسألوا من ليس لديه أهل كيف يمرض وهل يوجد مكان لعلاجه وكيف يعيش وجعه حتى يموت وتقتات الكلاب من جثته.

اسألوا دموع أباء وأمهات فقدوا فلذات اكبادهم بسبب جشع طبيب وقلة الحيلة؟ أسئلة كثيرة تطوف في أروقة مستشفياتنا ولا من يكلف أنفسه بالإجابة عنها، لقد اعتادنا على الانصراف عن مواطن الخلل وتعامل مع هذه القضايا بنفس طريقة، نغضب قليلا ومن بعد نعود الى حياتنا طبيعية وتبقى مستشفياتنا على حالها تقدم قرابين أخرى.

وتتكرر حكايات البؤس في وطننا وأستحضر هنا مقولة الأديب الروسي دوستويفسكي "ان البؤس رذيلة، يستطيع المرء في الفقر أن يظل محافظا على نبل عواطفه الفطرية، أما في البؤس فلا يستطيع ذلك يوما، وما من أحد يستطيعه قط، إذا كنت في البؤس فإنك لا تطرد من مجتمع البشر ضربا بالعصا، بل تطرد منه ضربا بالمكنسة بغية إذلالك مزيد من الإذلال".

لذلك عندما يكون الدرويش خارج المستشفى العمومي يحلم بأشياء كثيرة، العمل والسكن وعائلة... هذه حقوقه التي اضحت بالنسبة اليه احلاما يصارع كل يوم لتحقيقها، لكن بمجرد أن يدخل الى المستشفى يتخلى عن هذه الأحلام ويصبح حلمه الوحيد أن لا يزور المستشفى مرة أخرى، وإذا كنت عزيزي القارئ قد زرت يوما مستشفى عموميا ستجد جميع المرضى يكررون نفس العبارة "نطلب من الخالق الصحة فقط"، فهم يدركون جيدا ماذا ينتظر المريض من سوء معاملة تضاعف من ألامه الصحية وتزيد من بؤسه.

نودع اليوم إديا وندفنها في مقبرة ضحايا "الحكرة"، هناك تلتقي اديا بمحسن فكري ومي فتيحة.. ستخبرهم انها كانت تحلم بوطن يمنحها حقها في الحياة وبأن تعيش وسط عائلتها تكبر بينهم وتحظى برعايتهم، ستخبرهم بأنها انتظرت كثيرا أمام ردهات المستشفيات وبكت من شدة المها ستصف لهم نظرات الطبيب الخالية من مشاعر الانسانية ، ستضحك مي فتيحة بصوت مرتفع وتخبرها "انت تطلبين الكثير يا إديا؟ فالإنسانية في وطننا مطلب مستحيل."

 

الهام الطالبي

كاتبة مغربية

 
الهام الطالبي
 
أرشيف الكاتب
هيا لنثور ضد النخب المزيفة في المغرب
2017-06-04
العنوسة شبح الخريجات من الجامعة
2017-05-23
'إديا تدفن في مقبرة 'الحكرة
2017-04-16
انكسار الدراويش... الخيانة بطعم اسلامي
2017-03-28
لا لعنف الحركة النسوية ضد النساء
2017-03-09
المزيد

 
>>