First Published: 2017-04-16

وزير سابق، رئيس تحرير حالي

 

أهمية درس تعيين وزير الخزانة البريطاني السابق جورج أوزبورن رئيس تحرير واحدة من أقدم الصحف في العالم، بالنسبة إلينا، هو أن نعيد التفكير في العلاقة المخادعة بين الحكومات والصحافة في العالم العربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

السياسيون البارعون صحافيون ناجحون، وليسوا صحافيين سابقين، الصحافي المخلص لفكرة التعريف المثالي للصحافة لن يوصف بالسابق، لأنه لم يفقد طريقة التفكير بالنظر بأكثر من عين والسماع بأكثر من أذن والتحرك بأكثر من قدم.

الطريق إلى صالات السياسة عندما يمر عبر أروقة الصحافة يكون أكثر اعتدالا وضمانا لكسب ثقة الناس، وليس كالسياسيين المتطفلين على الصحافة، إنهم عاجزون عن إيصال أفكارهم بشكل سليم عندما يمارسون دور الكاتب من موقع أدنى!

مع أنه يمكن إدراج أمثلة مهمة في تاريخ السياسة عن صحافيين تبوّأوا مناصب رفيعة، لكن لسوء الحظ المزمن لدينا لا توجد أمثلة عربية جيدة عن صحافيين أضحوا سياسيين جيدين!

توجد أمثلة عربية عن سياسيين وقادة أحزاب وتجار ورجال دين أرادوا أن يكونوا صحافيين، لكنهم عجزوا عن صناعة الرأي وظلت وسائل إعلامهم مجرد مشاريع تجارية ممولة لا تقدم أكثر من الخدمات الصحافية.

الفكرة السائدة أن يرتقي الصحافي إلى سياسي تحمل طريق العودة أيضا، فالنظم الديمقراطية لا تنظر إلى علو مرتبة السياسي كما ينظر إليها في العالم العربي، فالرجل الذي كان يُدير خزينة بريطانيا العظمى ومازال عضوا في البرلمان عن حزب المحافظين سيعود إلى أدراجه خلال أيام ليكون رئيس تحرير واحدة من أقدم الصحف البريطانية.

جورج أوزبورن، سيجد تعريفا جديدا لرئيس التحرير عند تقلده منصب رئيس تحرير صحيفة “إيفنينغ ستاندرد” المسائية بداية الشهر المقبل، غير التعريف الذي اقترحه آلان روسبريدغر رئيس التحرير السابق لصحيفة الغارديان.

فليس العمر الافتراضي لرئيس التحرير عشر سنوات، كما يعتقد روسبريدغر، فثمة ما ينتظر أوزبورن في مهمته الجديدة المثيرة للجدل منذ إعلان قبوله بالموقع الوظيفي الجديد.

ليس لأن أوزبورن سيبقى يمارس دوره كعضو بالبرلمان البريطاني، فثمة أطباء أعضاء في البرلمان، وهذا ما دافعت عنه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، مخففة من فكرة تضارب المصالح بين عضو البرلمان ورئيس التحرير الجديد، على اعتبار أن مثل هذا الأمر يجلب مجموعة واسعة من الخبرات إلى مجلس العموم. وهو أمر جيد بالنسبة لرئيسة الوزراء.

جورج أوزبورن خفف من القلق بشأن تعارض المهام، مؤكدا أنه سيبدأ عمله صباحا في مبنى الصحيفة قبل التوجه إلى البرلمان بعد الظهر، وهي فكرة مقبولة ومحظوظ بها أوزبورن ليس بما سيتقاضاه من راتب، بل لأن إيفنينغ ستاندرد صحيفة مسائية مجانية تكون بين أيادي القراء بعد الظهر.

منذ أن تحولت إيفنينغ ستاندرد التي تأسست قبل 185 عاما، إلى صحيفة مجانية عام 2012، فإنها أعادت تقديم محتواها بطريقة تسرق القراء من هواتفهم الذكية، يجدها المسافرون في القطارات والمارة في شوارع لندن والضواحي والمدن القريبة منها، يحملها الموزعون ويعرضون على الناس جريدة من دون مقابل تقدم لهم فكرة عن أحداث اليوم منذ الصباح.

في حقيقة الأمر، لا تنافس هذه الصحيفة التي يملكها رجل الأعمال الروسي ألكسندر ليبديف، غير جودتها، وهذا ما يجعل السياسي المحافظ في امتحان لا يقل صعوبة عن إدارة خزينة البلاد، فهو أمام 600 ألف قارئ ينظرون إليه بعين السياسي الجالس على كرسي التحرير.

في أوج أزمة العالم الاقتصادية التي عاشتها بريطانيا، كان جورج أوزبورن يقترح الحلول ويمضي بها واثقا، رافضا أن يُنظر إليه مع فريق حزب المحافظين الذي كان يدير الحكومة آنذاك مع ديفيد كاميرون، بأنهم أشبه برجال أعمال يتداولون حقائب الأموال الضخمة، كان يرى في موقعه الوزاري أكثر من ذلك بكثير.

وها هو وزير الخزانة السابق في حكومة ديفيد كاميرون، رئيس تحرير صحيفة مسائية يومية مجانية يتداولها البريطانيون باهتمام وشغف، تأتيهم من دون أن يذهبوا إليها. فأي اختبار سياسي صحافي سيخضع له جورج أوزبورن؟

يبدو لي أن ثمة درسا في هذا التحول، فالطريق ليس باتجاه واحد دائما، السياسي يقطع الطريق بالاتجاه الآخر ويعود ليكون في مواجهة نفسه، إنه الصحافي والسياسي في آن واحد، فمَن يغطي مَن؟

يدرك أوزبورن أن علاقة الصحافة بالحكومات على مرّ التاريخ لم تكن حسنة، وعندما تكون على ما يرام فهذا لا يعني أكثر من أن أحدهما قدّم تنازلات، الصحافة ليست صديقة للحكومة، بل الرقيب عليها لمنع الفساد والتغوّل، أمام ضريبة الكلام، لا أكثر، التي يدفعها السياسيون.

أهمية درس تعيين وزير الخزانة البريطاني السابق رئيس تحرير واحدة من أقدم الصحف في العالم، بالنسبة إلينا، هو أن نعيد التفكير في العلاقة المخادعة بين الحكومات والصحافة في العالم العربي، وأن نجد المهنية والمسؤولية تعلوان دائما بالصحافي، كما نجد الإخلاص والصدق عند السياسي، فالصورة مزعجة بقدر كبير وهي تكشف عن تقديم التنازلات المريعة في القيم على حدّ سواء بين الطرفين.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>