First Published: 2017-04-18

البنك الدولي وصندوق النقد وماهية المساعدات

 

الصفقات بين المؤسستين الماليتين الدوليتين والمقترضين لا تؤشر إلى علاقة صحية، بل طرف يفرض وطرف يعاني ويستجيب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أحمد الهاملي

الدور الذي يتبناه كل من البنك وصندوق النقد الدوليين في مساعدة الدول على تخطي مصاعب الاقتصاد الداخلي يكاد يكون غير مجدٍ مع معظم الدول التي تعاني العوز والفقر. إن المتاعب التي تعاني منها الدول الفقيرة أو التي تنشد المساعدة من هاتين المنظمتين تصطدم بالواقع المرير الذي يتطلب التعامل معهما بخصوص المساعدات التي يتمنن بها هذان الذراعان الداعمان للإمبريالية. تتوافد الدول الفقيرة والمعوزة إلى أبواب هاتين المنظمتين أملا بأن يتغير واقعهم الاقتصادي والاجتماعي السيء إلى واقع أكثر اشراقا ولكن تكافئ هذه الدول بسلسلة من المتاعب التي تزيد من مرارة التعامل مع هذه المنظمات.

في بادئ الامر نبدأ بنبذة عن البنك وصندوق النقد الدوليين. البنك الدولي فهو عبارة عن مجموعة من خمسة منظمات دولية يأخذ على عاتقه مسؤولية تمويل الدول الأعضاء لمحاربة الفقر وتطوير البلدان بالإضافة إلى حماية وتشجيع الاستثمار العالمي وقد تأسس للمساعدة في إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية خلال اجتماع بريتن وودز، وأنشئ معه أيضا صندوق النقد الدولي. تشترك الجهتان الدوليتان في أنها تساهمان في الدعم المالي للدول، ويدعم البنك الدولي الدول الأعضاء ماليا على المدى الطويل بقروض ومنح بعكس صندوق النقد الدولي الذي يدعمها على المدى القصير، وتأتي موارد هاتين الجهتين من الدول الأعضاء بمساهماتها أو من خلال اقتراضهما من البنوك المالية الدولية.

من الملفت للنظر أن البنك الدولي كان رئيسه دائما اميركيا منذ عام 1944، كون الولايات المتحدة تمتلك ما حصته 15 بالمئة من أصوات البنك لا يعني هذا أن يكون الرئيس باستمرار ينبغي أن يكون منها. ولكن دعم الدول الأخرى مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة واليابان والتي تمتلك مجتمعاتٍ مع الولايات المتحدة ما يقدر بـ 40 بالمئة من الأصوات وبضغط أميركي على الدول الأخرى أصبح هذا تقليدا لدى البنك. يتضح من هذا أن البنك الدولي مسيطر عليه من قبل الولايات المتحدة وهو يطبق أجندتها ويعزز مصالحها في العالم. إضافة إلى ذلك، يسيطر على رئاسة صندوق النقد الدولي الاوربيون منذ نشأته ما عدا رئيس واحد فقط كان أميركيا، في الواقع فكل من الولايات المتحدة وأوروبا تقتسمان إدارة هاتين المنظمتين.

لذا من حق دول العالم الثالث أو دول الجنوب الارتياب من جدوى أو المراد الحقيقي من أنشائهما، قد يكون في بادئ الامر كانا ينتهجان سياسة ذات مغزى شريف ولكن حاليا قد اختلف الوضع فلا يمكن لدول الجنوب التغاضي عن النهج الذي يمارسانه ضدها. وفي الحقيقة فإن البنك الدولي وصندوق النقد يقومان بمنح قروض ذات فائدة للدول الأعضاء وذلك للتغلب على حاجتها مما يغرق هذه الدول في الديون التي لا تنتهي بفعل الفوائد وأسر الاقتصادي الوطني لهذه الدول من قبل الشركات الأجنبية وبالطبع هي شركات أميركية وأوروبية ومن يدور في فلكهما.

بالإضافة إلى ذلك، يفرض كل من البنك وصندوق النقد الدوليين على الدول المقترضة سياسات مجحفة وما هو الا ليتم فتح أبواب هذه الدول للشركات الأجنبية لاستغلالها حتى أخر رمق وجعل دول العالم الثالث تعيش تحت مظلة وضغط البنك وصندوق النقد الدوليين. من هذه السياسات مثلا خصخصة الكثير من الشركات الوطنية، فتح الاقتصاد الوطني وخفض عوائق التجارة للدول الصناعية، تحرير سعر العملات للدول المقترضة في السوق العالمية، إبقاء دول العالم الثالث أسيرة لإنتاج المواد الاستهلاكية الأولية، التحكم في السياسة الداخلية والخارجية للدول، التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وجعل دول العالم الثالث تستورد التكنولوجيا من الدول الصناعية من دون تشجيعها على تنمية القدرات التكنولوجية في الداخل.

عانت الكثير من الدول من تبعات السياسات الانتهازية التي ينتهجها كل من البنك وصندوق النقد الدوليين والأمثلة على ذلك كثير. فعلى سبيل المثال الارجنتين التي فقدت السيطرة على اقتصادها الوطني ابتداء من التسعينيات بسبب الديون المترتبة على القروض التي اقترضتها من البنك الدولي. فقد رهنت اقتصادها للبنك والدول المستفيدة حيث خصخصة الارجنتين شركات النفط والغاز، والمياه، والكهرباء، والبنوك المحلية، بل وحتى نظام الضمان الاجتماعي. وكان الرابح من هذا الشركات الاميركية والاوروبية وغيرها، ونتج عن هذه السياسات ارتفاع في نسبة البطالة مما أسفر عن أعمال عنف ونهب في العاصمة بيونس آيرس عام 2001.

ولا يختلف الوضع كثيرا في البرازيل، ففي السبعينات اقترضت البرازيل أموالا من البنك الدولي وذلك بغية انشاء مشاريع للبنية التحتية، وواكب الفشل الكثير من المشاريع مما ترتب عليه اقتراض أموال أخرى لدفع الديون السابقة بفوائدها. ومن المؤسف أن تدفع البرازيل في الثمانينات نحو 148 مليار دولار للديون منها 90 مليار دولار فقط للفوائد المترتبة على القروض. بعد ذلك أحكم البنك الدولي سيطرته على البرازيل وتمكن من اقناعها بفرض سياسات تقشفية، ورفع قيمة الضرائب على المواطنين، وخصخصة مؤسسات الدولة، واستغلال شركات الهاتف والتعدين المربحة وبيعها لشركات أجنبية، وخفض الانفاق على الخدمات الاجتماعية مما أدى إلى ازدياد الفقر واخفاض دخل الفرد وارتفاع الأسعار، وخفض قيمة العملة البرازيلية مما أدى إلى ركود اقتصادي.

مما سبق فالمتابع لدور البنك وصندوق النقد الدوليين يرى مدى تغلغل السياسة الدولية في التحكم بدول عدة عن طريق القروض، فأصبحت القروض والمساعدات تتسم بدور خفي تتبعه هاتان المنظمتان لمصلحة الدول الصناعية أو الامبريالية الجديدة. لا شك أن الصهيونية العالمية لها يد في هذا التكتيك الذي يجعل الدول خاضعة ذليلة لحكومات النظام الجديد، وقد سبق ذكر الفوائد الهائلة المترتبة على القروض.

فما هي الحلول لتجنيب الدول الفقيرة ودول العالم الثالث لمثل هذا الاستغلال البذيء؟ قد يكون إنشاء بنك تكافلي وتعاوني خاص بدول العالم الثالث ودول الجنوب تمنح الدول الأعضاء فيه منحا أو قروضا بدون فوائد، ويشرف على الاستثمارات بين الدول بحيث تقوم الدول الغنية بالاستثمار في الدول الفقيرة من العالم الثالث. أضف إلى ذلك عدم فرض سياسات ذات طابع استغلالي وعدم التدخل في شؤون الدول الأعضاء مما يكفل لها حرية استخدام الأموال في شانها الداخلي. فلو تم انشاء مثل هذا البنك سيفوت الفرصة على دول الاستعمار الجديد لاستغلال الدول الفقيرة والسيطرة على سياستها الخارجية والداخلية. وسوف تجني الدول الغنية في العالم الثالث عائد على استثماراتها وتبني علاقات ود ستبقى مثالا للعلاقات السياسية الإنسانية.

 

أحمد الهاملي

ahmed.ateeq.alhameli@gmail.com

 
أحمد الهاملي
 
أرشيف الكاتب
سياسة ترامب الخارجية المتوقعة في الشرق الاوسط
2017-04-22
البنك الدولي وصندوق النقد وماهية المساعدات
2017-04-18
مواقع الخلل في الدستور الإيراني
2017-04-17
هل تتحقق مؤامرة الشرق الأوسط الجديد؟
2017-04-13
سوريا إلى أين
2017-04-10
المزيد

 
>>