First Published: 2017-04-19

غد لمَن لا غد له

 

هل تحتاج الثورة على نظام سياسي إلى كل هذا الجهل؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

قبل أن يقع الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 كانت المعارضة العراقية قد وعدت الشعب العراقي بغد ياباني. صدق الكثيرون ذلك الوعد حتى أنهم ضاعوا بين مفردتي "احتلال" و"تحرير".

كانت الحرية كلمة لذلك لم يكن الاحتلال سوى كلمة. وهنا حلت الكثير بالمعاني التي صار الوصول معقدا وملتبسا فاكتسبت الكثير من المفاهيم أبعادا جديدة فصارت الخيانة على سبيل المثال طريقة في التفكير ليس إلا.

في المقابل العملي فإن دولة العراقيين التي اجتهدت أجيال من أجل بنائها كانت قد محيت. أما الجيش العراقي الذي بذل العراقيون جهدا شاقا من أجل إنشائه، عبر عقود من الزمن، فوجا فوجا وكتيبة إثر كتيبة وفرقة بعد فرقة كان قد صدر الأمر بحله بقلم بريمر.

لقد استبشر العراقيون يومها بغد من غير دولة ولن يكون فيه جيش.

ما أفرحهم أن التجنيد الالزامي لن يكون موجودا قبل أن يفجعوا بأن التعليم هو الآخر لم يعد إلزاميا. إن تكن جنديا، ذلك خيارك أما أن تكون جاهلا فهذا ما ستكون مجبرا عليه.

ذهب الجندي إلى بيته لكي يكون جاهلا. ذلك لأن المعلم أضاع الطريق إلى مدرسته التي لم تعد مكانا جاذبا.

ما قبل به العراقيون صار وصفة جاهزة بالنسبة لإخوتهم العرب ممَن التحقوا بهم في إطار مهرجان الربيع العربي. بدلا من خدمة العلم صار على المرء أن يحمل السلاح مرتزقا من أجل أن لا يكون هناك تعليم في ظل دول فاشلة لا تلبي طموحات شعبها في الحرية.

هل تحتاج الثورة على نظام سياسي إلى الجهل؟

ما جرى يؤكد أن تعطيل الحياة المدنية، بعثرتها وتشظيها والسعي إلى تمزيقها ونشر الفوضى بين ثناياها هو واحد من أهم أهداف تلك الثورات. وإلا كيف يمكن لشعب أن يرنو إلى الحرية من خلال الخضوع لأفكار جماعات متشددة في تصريف شؤون رعاياها في إطار ديني؟

سوريا على سبيل المثال هي عبارة عن فسيفساء شاسعة من أديان وأقوام عرفت طريقها إلى التعايش في بلد، يكمن سره في زيتونه وتينه ورمانه. وقبل كل ذلك في التركيبة السكانية التي سحبت ريف دمشق إلى العاصمة.

أما حين يُشترى المزارعون ليحملوا السلاح بدلا من أدوات الزراعة فإن حصادهم سيكون استثنائيا. فلا تين ولا زيتون ولا رمان. هناك قتلى من كل الطوائف والأعراق. أما الحديث عن شعب سوري واحد فسيكون مجرد مزحة. شيء يُذكر بأيام البعث وسنوات كان فيها حافظ الأسد سيد البلد الملهم.

لقد تم تحرير سوريا فعلا، لكن من رطانتها السورية التي كانت لغزا محيرا. مثلما حدث للعراق من قبل. كان من اليسير أن يسقط النظام في العراق، ولكن هل كان ضروريا أن تمحى الدولة العراقية؟

في إحدى الندوات التي أقيمت في لندن استمعت إلى أحد كبار الادباء السوريين وهو يدعو جهارا إلى الاجهاز على الجيش العربي السوري. أليس المقصود بتلك الدعوة شطب قوة البلد واستضعافه ووضعه على طاولة الميليشيات ومَن يديرها من أمراء الحرب الطائفية؟

كان الغد السوري حاضرا مثل جثة في دعوة ذلك المثقف الحداثوي.

ما الذي ابقيناه لمَن لا يفكر إلا بلقمة يومه، بغيمة قد تمر من غير أن تمطر، بعين لا ترى من العالم إلا الجزء الذي تقع عليه؟

لطالما اعتبر المثقفون العرب أنفسهم رواد مستقبل، طليعيي حياة لم تر النور بعد، مكتشفي آفاق لا تزال في طور التشكل. فإذا بهم مع أول خلخلة يكشفون عن ضلوعهم في التآمر على الغد، كائنات لا ترغب إلا في النهش والافتراس والانتقام والاقصاء والعزل والتشفي والأسوأ في سلوكهم يكمن في استعدادهم للخيانة تعبيرا عن رغبتهم في ترتيب أحوالهم في غد لن يكون ميسرا للآخرين.

 

فاروق يوسف

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

أحببتك لأنك عاقل في زمن الفتوي والدكتاتورية والرصاص والقصاص ولكن أليس من حقي ان ارسل اليك: مسيلمة الأمين والشجاعة سجاح لكي يقولوا بصدق أمامك (أن عبادة صنم يتكلم أخطر من صنم لا يتكلم) العقل في زمن الجهل أخطر من الجهل لزمن العقل.

2017-04-19

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سياسيو العراق أكثر ولاء لإيران من الإيرانيين
2017-07-29
سوريا في ظل استراحة المحاربين
2017-07-27
وساطة الاخواني المخادع
2017-07-26
في العراق شعب سعيد
2017-07-25
لبنان في مواجهة ذهب المقاومة الزائف
2017-07-24
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
المزيد

 
>>