First Published: 2017-04-24

أبو مازن هو المسؤول ولكن..

 

لا تستطيع أمة في الأرض أن تفعل بشعبها أسوأ مما فعلته وتفعله القيادات الفلسطينية بشعبها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. علاء أبو عامر

في مقابل الإنذار الذي أصدره الرئيس أبو مازن لحركة حماس المسيطرة على مقاليد الأمور في قطاع غزة منذ عشر سنوات، يقوم الطرف المقابل الذي هو حماس وأنصارها بتسيير المسيرات التي يتعالى فيها الصراخ بأعلى الاصوات وتصدر فيها أشد الإدانات وتكال فيها للأخر الذي هو الرئيس أبو مازن شخصياً أفظع التهم، وأهمها وأشنعها من وجهة نظرهم بأنه هو المسؤول.

وهذا قول حق، فهو في الحقيقة المسؤول عن الشعب من خلال العقد الاجتماعي الانتخابي الذي فوضه به الشعب ليقوده سياسيا واقتصاديا إلى أخر المسؤوليات التي تناط بالرؤساء. نعم هذه كلمة حق، أبو مازن هو المسؤول والذي ينكر ذلك يجافي الحقيقة.

وهذا المسؤول بالمناسبة مواطن غزي في الهوية، وما زال منزله قائما في وسط مدينة غزة، ولم يبعه بحسب معلوماتي المتواضعة.

السؤال الذي يجب طرحه هنا وقد أقترب يوم الخامس والعشرين من نيسان /أبريل (بقي يومين فقط قبل نفاذ الإنذار وما يتبعه من الإجراءات العقابية تجاه قطاع غزة والسلطة الحاكمة فيه من قبل الرئاسة الفلسطينية).

إذا كان قطاع غزة من مسؤوليات الرئيس أبو مازن فإن السؤال هو كيف يكون مسؤولا وهو لا يحكم؟

فإذا كان أبو مازن مسؤولاً فعلاً، عن كل ما سيجري لقطاع غزة وهو المسؤول عما يجري في غزة وعما جرى في غزة أي ماضيا وحاضراً ومستقبلاً إذن لماذا لم تمكنوه أو تمكنوه اليوم بأن يتحمل مسؤولياته؟ أي أن يبسط سيطرته ويدير أحوال البلد ضمن هذه المسؤوليات حتى هذه اللحظة؟

المسؤولية كل لا يتجزأ، فكيف يكون مسؤولاً وأنتم لا تمنحون حكومته فرصة كي تمارس هذه المسؤولية؟

أنتم، أقصد حركة حماس لا تسمحون لوزرائه أو موظفيه بالعودة إلى وزاراتهم ومؤسساتهم.

إذن عندما تتحدثون عن مسؤولياته أخبروا الناس لماذا هو مسؤول؟ وأخبروهم أيضاً لماذا هو وحكومته لديهم كل هذا الغضب تجاه ما يحدث في قطاع غزة.

إلى أين نحن ذاهبون بعد يوم 24 أبريل وقد أقترب هذا اليوم إذ لم يعد يفصلنا عنه سوى يومين فقط ولا نرى إلا تصعيداً في غزة ولا بارقة أمل تلوح في الافق. فقد تبددت كلها بعد تصريحات قيادات حركة حماس في غزة؟

أعتقد أن المرحلة بحاجة إلى عقول هادئة تفكر بتمعن وتستشرف المستقبل وتجيب على السؤال الاهم وهو غزة الى اين بعد عشر سنوات من الانقسام، هل تستطيع حماس بمفردها حمل غزة أم لا؟

إذا كانت قادرة فلتُجيب ولتقل إنها ليست بحاجة لمساعدات من رام الله وأن غزة مكتفية ذاتيا وأن الحركة تستطيع تأمين احتياجات السكان من ماء وكهرباء وعمل ومعابر وكل ما سيُشعر المواطن الغزي بأنه يعيش حياة أدمية كباقي بني البشر.

ولكن كيف ستفعل حماس ذلك وهي لم تستطع خلال عشر سنوات مضت رغم حبل السرة الذي كانت تمده لها رام الله فعل ذلك!

الكرة كانت وستبقى في ملعب حماس كونها السلطة الحاكمة في قطاع غزة، مصير القطاع بسكانه في عهدتها. لذلك عليها ان تتعاطى مع الواقع، وتطرح حلولا واقعية ولا تركض وراء سراب التركي والقطري لأنهم ادوات وليسوا مراكز حلول.

أعتقد ان هناك طوق نجاة يقدمه الرئيس يجب التقاطه طوق نجاة لحماس بالدرجة الاولى، وطوق نجاة لغزة وأهلها الذين آن لهم ان يستريحوا وينظروا الى المستقبل بأمل.

ما المنتظر بعد 25/4؟

من المتوقع أن الرئيس سيُفعل إنذاره باتخاذه مزيداً من الإجراءات العقابية، التي وحتى هذه اللحظة كل ما يقال حول طبيعتها مجرد تخمين من قبل الكتاب والمحللين السياسيين والاقتصاديين.

في المقابل سيبدأ أنصار حماس خلال أيام بتظاهرات صاخبة ملئها الصراخ والعويل والاتهامات واستغلال نقص كهرباء المستشفيات، وتوقف عمل المجاري، والعطش، والتهديد بالتصعيد العسكري المقاوم والتضحية بنصف مليون شهيد (وفق ما أعلن السيد مشير المصري) حتى لا تسقط قلعة المقاومة ودولتها العتيدة في قطاع غزة.

فكلما زادت المعاناة، سيزداد الصراخ، ولن يتوقف مسلسل الردح والردح المتبادل الذي تعودنا عليه وسنرى لمبة كهرباء تطفأ وتضيء على شاشة تلفزيون الأقصى، أو ربما لن نرى فقد توقفت محطة الكهرباء كلياً، سيزداد الجوع كلما مرت الايام وبدأ تأثير خصومات رواتب الموظفين يفعل فعله في كل الفئات الاجتماعية والاقتصادية في قطاع غزة، عندها سيضطر الكل الفلسطيني للضغط على القيادة الفلسطينية وسيجد الرئيس وأفراد القيادة أنفسهم أمام حالة إنسانية كارثية وسيوضع الرئيس في الزاوية ويجرد من إنسانيته ووطينته وستسقط شرعيته، هكذا تخطط حماس لمواجهة إنذار الرئيس. فهل هو غافل عن ذلك؟

ففي ظل حالة إنسانية عامة وخوفا من تدهور الأمور باتجاه حرب وما سيسفر عنها من دمار وهروب للسكان باتجاه مناطق أكثر أمناً تبدأ من صحراء سيناء لتنتهي في شمالي أوروبا ستتدخل المؤسسات الدولية والاتحاد الاوروبي وربما ستتدخل إسرائيل كمنقذين وعندها سينقلب السحر على الساحر الذي هو في نظر حماس الرئيس عباس.

كيف نعرف ذلك؟ الجواب بسيط، هذه هي استراتيجية حماس في الدفاع عن حكمها كما عهدناها خلال العشر سنوات الماضية.

وهذا يعني أنه طالما اتخذت حماس قرارا بالمواجهة والتحدي وفق وجهة نظر أغلب المحللين السياسيين بل وفق تصريحات قياداتها على الإعلام والذي يصب في نتيجة تقول أن حماس لن تتنازل عن السلطة والحكم في قطاع غزة مهما حدث إلا وفق رؤيتها ولن يغلبها الرئيس بهذه الطرق، فهذا الذي يهدد به الرئيس هو ملعبها الذي برعت فيه، وعلى الرئيس البحث عن أدوات أخرى غيرها.

هل نحن قادمون على طلاق حتمي بين رام الله وغزة؟

ربما ذلك ما سيحصل بل ربما هذا هو الهدف الذي تسعى إليه القوى الإقليمية والدولية والمايسترو الذي يحرك كل أطراف اللعبة في المنطقة ألا وهو الولايات المتحدة، التي تتحكم بتركيا وقطر داعمي حماس من جهة وبالرباعية العربية من جهة أخرى التي لها نفوذ على النائب محمد دحلان وعلى الرئاسة الفلسطينية أيضاً، والهدف المعلن هو الحل الإقليمي الذي يبدأ بتطبيق المبادرة العربية بالمقلوب أي بالتطبيع أولاً، وربما بغزة أولاً كدولة، وحكم ذاتي في الضفة الفلسطينية أي الدولة المؤقتة (الدائمة) وربما دولة في غزة ودولة كانتونات مع إسرائيل في باقي فلسطين.

كلما ازدادت الدائرة التي تحكُم انغلاقًا بَدَت الغرائزُ أكثر تسلطًا ووضوحًا؛ وكلما اتسعت الدائرة بهتتْ الغرائز وفقدت وضوحها.

عندما تتمركز السلطة بيد شخص أو مجموعة أشخاص من حوله وتنتهي كل السلطات الأخرى إلى مجرد صورة تصبح الغرائزية هي التي تتحكم في الحكم، بمعناها القمعي الاستبدادي، وكذلك الأمر عندما يتحكم في الحكم تنظيم أو جماعة تتعامل مع الوطن والشعب بروح القبيلة فإنها لا ترى من الشعب سوى أفرادها وكل من هو قريب من شيوخ القبيلة...

الغرائزية مصدر التوحش ومصدر الانانية ومع انها صفة كامنة في الإنسان إلا إنها تنفجر في لحظات الغضب وكذلك عندما يحصل الإنسان على فائض قوة، وهذه الغريزة الكامنة في النفس الإنسانية تُبرز الجزء الذي كان يعيش في الظل من الشخصية.

بدل أن تخفف حركة حماس من قيودها المشددة تجاه أهل القطاع خصوصا النخب وهي في وضع لا تحسد عليه من المآزق، فإنها ومن خلال أحد أجهزتها على ما يعتقد مارست قبل أيام قمة الاستبداد السياسي حيث وجهت رسالة إلى منتقديها في القطاع، رسالة قاسية طالبت فيها أحد أشد خصومها وهو القيادي المناضل محمود الزق بعدم التصريح أو الحديث في السياسة!

أن تمنع خصمك من التعبير عن رأيه فهذا قمة الاستبداد السياسي.

لا تستطيع أمة في الأرض أن تفعل بشعبها أسوأ مما فعلته وتفعله القيادات الفلسطينية بشعبها.

من نحن؟ أقصد الفلسطينيين؟ فلسطينيو اليوم، هل نحن مجموعة من الأشقياء كُتب عليهم أن يتصارعوا ويكونوا أدوات صراع في كل مكان وفي كل زمان؟

كيف لنا أن نحرر أرضاً ونحن نتعامل مع أنفسنا بأسلوب العصابات؟

ما حصل مع المناضل محمود الزق مؤشر خطير، ما كان يجب ان يحدث، هذا العمل مدان بأقوى العبارات، ولا يمت الى الثقافة الوطنية بصلة.

تكميم الأفواه سياسة غير حكيمة ومردودها سلبي تجاه من يمارسها.

من لا يحب سماع وجهة النظر الأخرى، يبرهن أن موقفه ضعيف ويخشى المواجهة...

المقاومة والمواطن وفق أهل الحكم في غزة

في المقابل ستبقى قضية المقاومة هي القضية المُشهرة في وجه الشعب والرئاسة وفي وجه كل من ينتقد سياسة الحكم في عزة وفي وجه كل من يطالب حماس بتمكين الحكومة في رام الله من الحكم، وهي قضية حساسة استطاعت السلطة الحاكمة في غزة (أي حماس) أن تحولها إلى قميص عثمان لتقمع من خلال إبرازها كل التحركات المطالبة بالكهرباء وحرية السفر والمعابر.

ولكن من المستحيل أن يتقبل فلسطيني غزي هذا الأمر إلى الأبد فلا يمكن لمقاومة أن تكون بديلا عن متطلبات الحياة من عمل وصحة وحرية سفر وكهرباء وماء نظيف... بل على العكس كي تنجح أي مقاومة فهي بحاجة إلى توفير أدوات صمود للمواطن الذي هو من سيحمي المقاومة وقت الشدة وليس العكس.

ولسان حال المواطن الغزي في الآونة الأخيرة يقول: "لا تحدثوني عن المقاومة وشعاراتها في بلاد كل من فيها يقاوم: بحجر، بسكين، بإضراب اسير، بمظاهرة، ببيت شعر، بمقال، بخطبة جمعة، بمحاضرة، بندوة، بورشة عمل، بزرع شجرة، وبناء بيت، بحرث أرض، بنظرة غضب في وجه مستوطن، بالتكاثر، بفرح، بأهازيج، بتطريز فستان فلاحة فلسطيني، بدبكة بشروال كنعاني، بريشة فنان يرسم القدس ويبقيها في الوجدان، بمفتاح بيت يُلوح به في وجه المحتل ويقول أنني عائد، بنشيد فدائي يصدح من حناجر التلاميذ كل صباح."

سيقول أيضا: "لا تحدثوني عن المقاومة فمنذ ولدت وانا أقاوم...

لا تحدثوني عن المقاومة لتقهروا حياتي التي يجب أن أعيش، كما يعيش الاخرين...

لا تربطوا حصاري وقهري الذي اعيش بالمقاومة...

فأنتم تجرمون هذا المعنى وتجعلونه منفراً بفعلكم هذا...

المقاوم قديس بنظري، لأنه انا ورفاقي، وقد كنا قبل ان تكونوا، ولكننا لا نُفاخر، فهذا واجبنا ولا نمن فيه على أحد...

لا تحدثوني عن المقاومة، فالمقاومة شرف، والشرف لا يتاجر به..."

في النهاية أنا سأضم صوتي لأصوات المتظاهرين من حماس وغير حماس من النخب الغزية وأقول إن الرئيس أبو مازن هو المسؤول ولكن سأضيف عبارة (مكنوه من الحكم) ليتحمل مسؤولياته كما يطالب هو بذلك أسمحوا لأعضاء حكومته من ممارسة أعمالهم في غزة وأسمحوا للموظفين الذي يتقاضون رواتبهم من الحكومة الشرعية في رام الله ليعودوا إلى وزاراتهم، ولتنفذ اتفاقيات القاهرة والدوحة والشاطئ وفق الممكن، ولكن لا تجعلوا خلافاتكم تذهب بالحلم وبالوطن إلى ممرات لا ضوء فيها ولا بصيص أمل بالخروج إلى النور أو إلى الانعتاق من الاحتلال.

وإذا كان الرئيس كما تدعون يُنفذ مخططاً تآمرياً على قطاع غزة هدفه فصله عن الوطن إذن أفشلوه بذكاء وارموا الكرة في ملعبه بموافقتكم على بنود خطته في توحيد ما تبقى من وطن.

 

د. علاء أبو عامر

كاتب وباحث وأكاديمي من فلسطين

 
د. علاء أبو عامر
 
أرشيف الكاتب
المصالحة الفلسطينية: إصرار فلسطيني مع تفاؤل حذر
2017-10-09
داعش في مواجهة القسام معادلة جديدة على الحدود مع مصر
2017-08-18
حماس إذ تعيش الأزمة وتهدد بخلق أزمات في وجه خصومها وأعدائها
2017-08-13
المصالحة الفلسطينية وقد أصبحت عنادا وكفرا: إلى أين ستذهب الفصائل بالشعب؟
2017-08-05
الرئيس أبومازن ما بين تحديات التسوية وتحدي الانقسام
2017-08-03
الجمعة القادمة: معركة القدس
2017-07-20
عملية القدس: هل توقظ فتح وحماس؟
2017-07-16
العلاقات الفلسطينية المصرية: بين إجراءات السلطة والتفاهم الثلاثي
2017-07-06
داعش ما بعد الموصل: سقوط الدولة وبقاء الفكر
2017-07-01
أبو مازن وحماس وبينهما دحلان: غزة على طريق السلام الإقليمي
2017-06-23
المزيد

 
>>