First Published: 2017-04-24

الخوف من الوطن

 

قوة داعش الخيالية تكمن في غياب الإرادة الوطنية لدى أعدائها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

إن تم القضاء على داعش نهائيا ولم يظهر تنظيم إرهابي يرثه هل ستُطوى صفحة التنظيم الإرهابي وتدخل المنطقة في مرحلة ما بعد داعش؟

لقد تفنن الكثير من الكتاب والمحللين في رسم ملامح تلك المرحلة التي لا تزال في رحم الغيب. اختلفوا في أشياء كثيرة غير أنهم كانوا متفقين على أمر واحد هو حتمية زوال داعش وضرورة الاستعداد لمرحلة، لن يكون داعش فيها طرفا صانعا لجزء من معادلاتها.

هناك الكثير من التفاؤل الذي تخلل تلك الكتابات. لا في ما يتعلق بزوال داعش تنظيما إرهابيا فاعلا على الأرض بل في ما يتعلق بالآثار التي سيتركها لا لتذكر به حسب بل وأيضا لتبقيه مقيما في سلوك أبناء المجتمعات التي تعرضت لعنف مزدوج. عنفه وعنف أعدائه.

لا أحد في إمكانه أن يكون مطمئنا إلى أن من بقي حيا من سكان غرب العراق

ونينوى والرقة ودير الزور سيعود مواطنا عراقيا أو سوريا سوياً، بمقومات تؤهله لاستعادة سبل الحياة التي فقدها في مرحلة عصيبة من حياته، كان فيها مادة للاستعمال العقائدي بين عدوين، كشف كلاهما عن كراهيته لحق المدنيين العزل في العيش الحر الكريم.

فلو القينا الضوء على مأساة الموصل فإن أصابع الاتهام كلها ستتجه إلى حكومة بغداد التي عملت على تدمير وطنية أهل المدينة قبل أن تسلمهم بقرار بارد إلى داعش.

كانت تلك الهبة بمثابة عمامة لخليفة الدولة الإسلامية.

غير أن تلك الهبة لم تكن مجانية كما تخيل البعض بسبب هروب الجيش العراقي تاركا أسلحته الأميركية الحديثة غنيمة للتنظيم الإرهابي.

لقد فعل الدواعش بأهل الموصل ما كانت أجهزة الحكومة الأمنية تحلم بالقيام به من عمليات قتل وقسر وتجويع واضطهاد وعزل وحرمان من أبسط مظاهر الحياة المدنية.

يحق لي القول بعد كل ما حدث للموصل إن حكومة نوري المالكي وكان رئيسا للوزراء يوم تم التخلي عن الموصل قد انتقمت من أهل المدينة مستعملة داعش. غير أن ذلك الانتقام كان ناقصا من وجهتي نظر إيرانية وأميركية معا. وهو ما كشفت عنه العمليات العسكرية الهادفة إلى تحرير المدينة من احتلال داعش.

ستة أشهر مرت على انطلاق تلك العمليات ولم يتم الإعلان عن تحرير المدينة التي تم تسليمها من غير قتال في ساعتين على الأكثر.

لقد شهدت الموصل عمليات إبادة، جرائم قتل جماعي، مجازر راح ضحيتها آلاف المدنيين العزل الذين لم يكونوا طرفا في صراع محلي واقليمي ودولي، لم يكن لهم فيه يد.

فهل يمكن أن تُطوى صفحة تلك المأساة بمجرد زوال التنظيم الإرهابي؟

كل شيء في الموصل سيذكر بداعش.

كل شيء في الرقة إن تم تحريرها سيحيي داعش.

قوة داعش الخيالية تكمن في غياب الإرادة الوطنية لدى أعدائها.

في العودة إلى ما انتهت إليه أمور السكان المدنيين في الموصل فإن أعداء داعش كانوا على درجة عظيمة من الكذب والنفاق. لقد صنف أولئك الأعداء كل مكان تقع عليه أقدام الدواعش كونه مكانا عدوا تجب إزالته بمَن فيه.

لذلك فإن ذاكرة داعش ستظل مرجعا لأجيال من الضحايا. لقد عُزلت المدينة الأكثر كبرياء من بين مدن العراق كما لو أنها وباء معد وجرى تدميرها تخلصا من ذلك الوباء وهو ما يذكر بحرق جثث ضحايا الطاعون.

هل هناك مستقبل آخر لمدينة منكوبة على كل الجبهات؟

لقد هُزم أهل الموصل قبل أن يُهزم داعش. وهو المشروع الذي خطط له نوري المالكي بإشراف إيراني ــ أميركي من أجل اخضاع المدينة التي خرج منها قادة الجيش العراقي السابق.

ما جرى للمدينة التي دفعت ثمن مقاومتها لمحاولات العزل الطائفي يمكن لآثاره أن تقود إلى التعرف على صورة مستقبلها. وهي صورة لمدينة غاضبة ومتمردة وعازفة عن أن تكون جزءا من كيان سياسي يقوده قتلتها.

ولهذا يُمكن القول إن إزالة داعش بكل ما انطوت عليه من تضحيات لن تؤدي إلى محو ظاهرة الخوف من وطن لا يوفر سبل الحماية الكريمة لمواطنيه.

لقد عُرف أهل الموصل بوطنيتهم، غير أنهم بعد ما عاشوه من ويلات سيكونون أكثر الناس شعورا بالخوف من إمكانية أن يبيدهم الوطن الذي أحبوه وضحوا من أجله.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الاستثمار في القضية الفلسطينية
2017-12-14
حرية لبنان في قفص حزب الله
2017-12-13
الكذب بإسم المقاومة
2017-12-12
لماذا الشارع وليست الحكومات؟
2017-12-11
مسؤولية العرب عما فعله ترامب
2017-12-10
لماذا لا تحاور بغداد الأكراد؟
2017-12-09
السعودية والإمارات، تعاون من أجل المستقبل
2017-12-07
'لولا الحشد الشعبي لوصل داعش إلى قلب باريس'!
2017-12-06
اللعب مع الثعابين
2017-12-05
لقد فعل العراقيون الأسوأ
2017-12-04
المزيد

 
>>