First Published: 2017-04-25

بين الزرقاوي واركون

 

رأى مفكرو تنويرنا الحقيقة من غير أن يقتربوا من الواقع وكان ذلك خطأً عظيما سيؤجل اكتشاف أهمية ما فعلوه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يوم نشر المصري علي عبد الرازق كتابه "الإسلام وأصول الحكم" وحوكم بسببه لم يكن الوضع سيئا إلى الدرجة التي يكون معها قتل مؤلف بسبب أفكاره ممكنا.

لقد حوكم عبدالرازق كما حوكم طه حسين بسبب كتابه "الشعر الجاهلي".

لم تكن فكرة تكفيره واردة أو مستساغة ثقافيا واجتماعيا.

وحتى ردود الفعل الغاضبة التي توجهت إلى صادق جلال العظم بسبب كتابه "نقد الفكر الديني" لم تتخط حدود الجدل بالرغم من أن نوع ذلك الجدل قد تميز بظهور نبرة جديدة في الحديث عن الكاتب المارد الذي عرض مسلمات دينية للمساءلة.

من جهته فإن الليبي الصادق النيهوم كتب في ثمانينات القرن الماضي ما يمكن اعتباره تحذيرا استباقيا من ظاهرة الإسلام السياسي.

غير أن صعود التيارات الدينية المتشددة وعلو الصوت المتطرف أفرغا الساحة من إمكانية أن يستمر الحوار بين طرفين معلومين.

صار لدينا طرف مكشوف إلى الدرجة التي صار معها هدفا سهلا للقتل وطرف آخر يمارس العنف مطمئنا بسبب امتداداته داخل المجتمع التي تتيح له فرصة إخفاء ملامحه الشخصية وإن كانت هويته معروفة.

لقد سعى عدد من المفكرين إلى تطوير فكرة تحديث الخطاب الديني حرصا منهم على أن يحل التوازن محل ذلك الاضطراب الذي ظنوه تجسيدا لسوء الفهم.

وإذا ما كان أولئك الكتاب قد عبروا من خلال كتاباتهم وسلوكهم الشخصي عن التزامهم الديني المعتدل وحرصهم على لا يقع الدين ضحية لمشاريع سياسية يُراد من خلالها تدمير بنية المجتمع وتمزيقه ومن ثم السيطرة عليه فإن محاولاتهم لم تكن مقنعة بالنسبة لزبائن ومريدي ومرتزقة التطرف الذين أغرقهم الجهل والفقر في لجة ظلامه.

ولكن هل كانت فكرة تحديث الخطاب الديني صحيحة أصلا؟

من وجهة نظري كان هناك خطأ في التقدير. فتحديث الخطاب الديني معناه تحديث الدين، فالدين هو في حقيقته خطابه. وهنا بالضبط يقع التباس القصد. وهو ما لا يمكن استيعابه من قبل فقهاء الدين ناهيك عن المتحزبين الذين اتخذوا من الدين ستارا لإخفاء مشاريعهم السياسية.

لو بقي الدين على حقيقته ظاهرة ايمانية لمرت بسلام مسألة مناقشة الوقائع التاريخية التي تسللت إلى جوهره من خلال الملل والنحل. لو كان الفصل بين الدين والتاريخ ممكنا لما احتجنا إلى الحديث اليائس عن ضرورة فصل الدين عن السياسة. ولكننا وقعنا في الأسوأ، حين تم تركيب مثلث الدين والسياسة والتاريخ بطريقة جعلت من الحرب الاهلية قدراً لا فرار منه.

مأساة أولئك المفكرين أنهم أهدروا أوقاتهم في ما لا ينفع أحدا.

كانت أفكارهم عظيمة غير أن الموضوع الذي عالجوه لا يمكن أن يُعالج بطريقتهم النظرية ولا حتى من قبلهم وهم لا يملكون إلا سلاح الكلمة وهو سلاح لم تعد له قيمة في عالمنا العربي.

في الواقع كان مفكرونا في مكان فيما كان موضوعهم في مكان آخر.

ما سعوا إلى تحديثه صار ركاما هائلا من المتفجرات والقنابل والمسدسات كاتمة الصوت والرمانات والسيارات المفخخة والانتحاريين والألغام والبنادق حديثة الصنع والأحزمة واللاصقات الناسفة.

علينا أن نضع أيدينا على قلوبنا ونحن نرى الزرقاوي وقد هزم محمد اركون. أليس من حقنا أن نلوم اركون (مفكر جزائري الأصل) وقد أفنى حياته في ما لم ينقذ الناس من الوحش الذي كان يعرف أنه يستعد لافتراسهم؟

لقد رأى مفكرو تنويرنا الحقيقة من غير أن يقتربوا من الواقع وكان ذلك خطأً عظيما سيؤجل اكتشاف أهمية ما فعلوه إلى ما بعد غياب الظاهرة الدينية، وهو ما يعني أن كتاباتهم لن تقرأ ولو قُرأت لما كان لها أثر يُذكر.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أمام برج ترامب
2017-10-22
خبراء ولكنهم اسمعونا ما نحب سماعه
2017-10-21
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
المزيد

 
>>