First Published: 2017-04-28

هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟

 

يفتش العالم من جديد عن عرفات آخر. يحتاج الأمر أن تتجرعه إسرائيل قبل غيرها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

رغم وجوده في السجن الإسرائيلي منذ 15 عاماً ما زال مروان البرغوثي شخصية مزعجة لإسرائيل كما لقيادتي فتح وحماس. تختلف نظرة هذه الأطراف حول هذا الرجل لكنها تلتقي على عدم الحماس لإطلاق سراحه وإعادته إلى قلب العمل القيادي الفلسطيني. وإذا كانت إسرائيل تتهم البرغوثي بالإرهاب وتحكم عليها بعدة مؤبدات، فإن حركتي فتح وحماس اللتين تقودان الحراك الفلسطيني الراهن، لا تصران كثيراً على المطالبة بتحريره، ولا يضيرهما بقاءه أسيرا. بدا وضع إسمه على لوائح الأسرى المطلوب إطلاقهم في صفقات التبادل السابقة صورياً يستبطن تواطؤا على ترك الرجل داخل سجنه حتى تقرر قدرة قادر.

يمثل مروان البرغوثي في الوجدان الفلسطيني مرحلة نضالية باتت بالنسبة لكثير من فتحاوي الأمس من الماضي. محبو الرجل ينادونه بإسمه الأول "مروان" بما يشي بحميمية النظرة إلى القيادي الفتحاوي داخل جيل الانتفاضة الذي برز داخلها قياديا ميدانيا مناضلاً. برع مروان في مخاطبة العامة من الفلسطينيين كما مخاطبة وسائل الاعلام في العالم. اهتمت به صحافة العالم وسلطت مجهراً ودودا وخبيثا على ظاهرة رجل يسيّر الجموع في تحركها السلمي ضد الاحتلال، فيما يتهمه هذا المحتل بتورطه بعمليات عسكرية قتلت إسرائيليين. وحين ألقى الجيش الإسرائيلي القبض عليه، في ابريل 2002، نقلت وسائل الإعلام الدولية صورا مباشرة لهذا "الإنجاز" الأمني الكبير، فيما تصاعدات همهمات فلسطينية تتساءل عن مستوى التواطؤ الداخلي الذي أسقط مروان بهذه السهولة في يد جلاديه.

كان البرغوثي قياديا يتنافس مع قياديين آخرين في تلك المرحلة. كان العارفون يدركون أن رجل الميدان يخطف قلوب شرائح واسعة تتمدد كل يوم داخل حركة فتح والجمهور الفلسطيني عامة، كما يدركون أن أمرا كهذا يثير قلقا داخل تيارات قيادية أخرى لن يزعجها إزاحة الرجل وتقزيم حضوره. بعض هذا الخلاف مع البرغوثي كان معلنا بشخوصه وتشكيلاته، وبعض هذا البعض كان له دور بارز في إدارة التنسيق مع الجانب الإسرائيلي وفق ما تتطلبه اتفاقات أوسلو الشهيرة.

يعود مروان البرغوثي من جديد مزعجاً للجميع. تعيد إسرائيل اكتشاف سجينها وهو يقود إضرابا جماعيا عن الطعام منذ 17 ابريل الجاري يشارك به أكثر من 1500 أسير بما يعكس قدرة الرجل على قيادة الفعل الفلسطيني الجامع الذي يتجاوز الحزبية الفتحاوية إلى مساحات فلسطينية أخرى.

قبل أشهر هاجمت فدوى البرغوثي، زوجة مروان البرغوثي، اللجنة المركزية لحركة فتح، إثر عدم اختيار زوجها لأي من مهام اللجنة المركزية للحركة. واليوم يعود الفتحاويون، من خلال هذا الرحل، لإكتشاف مركزية حركتهم في قيادة الحراك الفلسطيني العام، ولو من منابر تنشط خلف القضبان، ويعود الشارع الفلسطيني للتحرك تضامناً مع الأسرى الذين باتوا قضية الفلسطينيين الكبرى في زمن تهمشت فيه قضية فلسطين الكبرى.

تقلق حركة حماس من ذلك الضجيج الذي ينفخ الأسرى به داخل السجون الإسرائيلية. تدرك الحركة التي تحكم قطاع غزة أن تحرّك البرغوثي على رأس ذلك الإضراب المثير للجدل يسحب البساط من تحتها، وهي التي ما برحت تتقدم بصفتها ممثلة لتيار المواجهة مع المحتل بكافة أشكاله، لا سيما العسكرية منها.

يؤخذ على فتح أنها باتت حزب السلطة، وقد تقوّضت قوتها وبهت بريقها منذ أن أصبح الالتزام بالمعايير الدولية أولوية، ومنذ أن تمكن الرئيس محمود عباس من تحويلها إلى أداته الأولى في ممارسة السلطة والحكم. تحوّلت فتح من حركة ثورية تقارب شروط العمل مع العالم وفق المنهج العرفاتي، إلى حزب سياسي يرعى مصالح "الدولة" وحسابات رئيسها وفق فلسفة الحكم عند "أبو مازن". في هذا أيضا أن الرئيس الفلسطيني نجح في مؤتمر فتح الأخير من إبعاد القيادي الفتحاوي محمد دحلان الذي يعتبر، بالمناسبة، مقربا من مروان البرغوثي.

لا تشارك حماس في حراك البرغوثي وكأنها توحي أن لا وحدة فلسطينية حتى بقيادة هذا الرجل. تنقل الحركة الانقسام إلى السجون الإسرائيلية، بحيث تنتفي أسطورة وحدة الفلسطينيين خلف القضبان. تعتبر حماس أن للبرغوثي أجندة لن تساهم بها، ولن تقبل به قائداً لحراك تكون هي خارج تزعمه، كما لن تقبل به إسماً يتردد دائماً بصفته خليفة محتملاً للرئيس الفلسطيني.

باختصار لن تقبل حماس بزعامة فتحاوية أزاحتها بالدم والنار عن قطاع غزة، حتى لو كان لهذه الزعامة مكانة خاصة في قلب الفلسطينيين، وحتى لو كان أداء الرجل وشهرته سابقتين على حال الانقسام الذي طرأ على الجسم الفلسطيني الكبير بين فتح حماس، وبين الضفة والقطاع.

ينطلق الإضراب عن الطعام بقيادة البرغوثي عشية اللقاء الذي سيجمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في 3 مايو المقبل. وعلى نحو لافت لا بخلو من دلالات تنشر صحيفة نيويورك تايمز مقالا لمروان البرغوثي يشرح فيه أسباب الإضراب عن الطعام.

ربما أن توقيت الإضراب ليس صدفه بالنسبة لمروان وربعه. في ذلك الضجيج ما يرسل إشارات للفلسطينيين والعرب والعالم. وفي ذلك الضجيج أيضا ما قد يمكّن الرئيس الفلسطيني من حمل الملف الفلسطيني إلى واشنطن بصفته "قضية" ساخنة، بعد أن أحالها "الربيع" العربي هامشية قلما يُكترث لها إقليميا ودولياً.

قيل أن أزمة الرواتب والكهرباء التي نتجت عن قرارات رام الله المالية إزاء قطاع غزة هدفها تأكيد مركزية قرار الرئيس الفلسطيني وقدرته على تقديم نفسه ممثلاً لفلسطين في محادثاته المقبلة مع ترامب في واشنطن. وقد يقال أن حراك الأسرى الذي باتت صحافة العالم تهتم له كما تقارير السفارة الأميركية في إسرائيل، قد يقوي من موقف عباس في مداولاته في العاصمة الأميركية.

بيد أن حركة مروان البرغوثي تطرق أبواب لحظة، ربما مفصلية، أو على الأقل هامة في حكاية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ترتب واشنطن أوراقها في الشرق الأوسط. تبدو إدارة ترامب منهمكة في إعادة صياغة إستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. تعود واشنطن بقوة إلى دائرة الفعل بعد أن غادرت قبل ذلك بقوة في عهد الرئيس باراك أوباما. تصغي الإدارة الأميركية باهتمام لولي ولي العهد السعودي والعاهل الأردني والرئيس المصري الذين زاروا واشنطن تباعاً، فيما يجول مسؤولو تلك الإدارة على عواصم المنطقة في سعي لرسم خريطة التحالفات الأميركية في المنطقة. وداخل هذه الخرائط، لإسرائيل موقع تريده واشنطن علنيا شفافا لا لبس فيه داخل توليفة يشارك بها العرب.

يوقظ ترامب المسألة الفلسطينية وينزع عنها كثيرا من الغبار الذي تراكم بسبب يأس اوباما وإدارته من تحقيق إنجاز ما. تترك الإدارة السابقة الأمر متعفناً، فالمفاوضات متوقفة وورش المستوطنات لا تتوقف، وإسرائيل تهنأ بسماح دولي يتيح لها اغتيال العملية السلمية والبطش دون أي رقيب بأي مقاومة عسكرية. ومن موقع المتحيّز لإسرائيل والمدافع عن أمنها والواعد بنقل سفارة بلاده إلى القدس، يطل الرئيس الأميركي ممنّيا النفس بتسوية ليس هدفها خير الفلسطينيين بقدر ما هي مناورة لقبول إسرائيل حليفا علنيا للعرب تحت الرعاية الاميركية.

أعطت القمة العربية الأخيرة في البحر الميت إشارة لافتة في هذا الشأن. في إعادة تفعيل المبادرة العربية للسلام ما يستبطن قبولا عربيا بالمسعى الأميركي من خلال تقديم العرب خريطة طريق لذلك. بدا أن واشنطن تحتاج لهذه الخريطة لتسويق مشروعها بسبل حديثة، وبدا أن "استدعاء" الرئيس الفلسطيني جزء من تلك الخريطة. لكن الإخراج التاريخي لأي تسوية قد يحتاج إلى جراحات داخل إسرائيل كما لدى الفلسطينيين.

قد يستغرب المراقب إعادة طرح الصحافة الغربية، وبمناسبة الإضراب عن الطعام، لإسم مروان البرغوثي خليفة للرئيس الفلسطيني. تلتقي جلبة ذلك الإعلام مع دعوات فلسطينية قديمة جديدة تعتبر أن زعامة البرغوثي منطقية وطبيعية وحقيقية (كافة استطلاعات الرأي تعتبره الأكثر شعبية بين الفلسطينيين)، وأن تبوءه سدة الرئاسة الفلسطينية قد يكون مدخلا لتسوية تاريخية كبرى.

لم يخطئ البرغوثي يوماً في قراءة البوصلة الدولية، وهو منذ أن برز قياديا تتسابق وسائل الإعلام على استضافته، كان يردد أن السلم هو مبتغاه وأن الصدام مع المحتل لا يمنع من الحديث والتفاوض معه. وحتى من داخل سجنه بقي البرغوثي يرسل رسائل السلم ويصرخ بها أمام الكاميرات التي قيض لها تسجيل حضوره داخل جلسات محاكمته. لا يحيد البرغوثي عن روحية أوسلو ولا يشوش على التفاهمات الدولية المبرمة بين السلطة الفلسطينية ودول العالم، حتى أن إضراب الأسرى الحالي عنوانه المطالبة بتحسين شروط الاعتقال، وكأنه يقول أن للتسويات السياسية منابر آخرى خارج هذا السجن.

قد يحتاج العالم إلى إخراج "مانديلا فلسطين" من معتقله. لا يبدو الأمر وارداً لدى القيادة الإسرائيلية، على الأقل داخل التوليفة التي يقودها بنيامين نتنياهو. في الصحافة الغربية من يسرّب أن أمرا إطلاق البرغوثي يتم تداوله همساً في الأروقة الدولية على قاعدة أن التسوية الكبرى لن يستطيع تسويقها إلا قيادي يمتلك من الزعامة ما يمكنه من إقناع شعبه بإبتلاع لقمة صعبة قد تتطلب مزيدا من التنازلات. قيل ذلك يوماً عن ياسر عرفات الذي تمكن من خلال قيادته التاريخية من تمرير اتفاقات أوسلو وسوق الجل الأعظم من الفصائل الفلسطينية داخلها. فتح له الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران قصر الاليزيه قبل أن تكر السبحة وتفتح له باقي عواصم العالم أبوابها وتنقله الأيام رئيسا لفلسطين في قلب فلسطين.

قد يفتش العالم من جديد عن عرفات آخر. الأمر يستوجب نضوج ظروف تستدعي أيضاً تبدلا في طبيعة الحاكمين في إسرائيل. فإذا ما كانت عقلية إسرائيلية معينة هي التي غيّبت "أبو عمار" على ما يشاع، فإن نفس العقلية ما زالت تتحكم بالقرار الإسرائيلي الذي لن يبتلع ظهور عرفات آخر. بالانتظار، تتداول واشنطن أمر فلسطين مع رئيسها الحالي، على أن يتولى ضجيج الأسرى التمهيد لإحتمال لم يعد مستحيلا.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
بارزاني ينتج ببراعة أمصالا مضادة لاستقلال دولته؟
2017-09-22
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
المزيد

 
>>