First Published: 2017-05-02

غبطة الراديو

 

وَقعْ الأخبار عند الاستماع إليها من الراديو مختلف كليا عمّا تشاهده على الشاشة، فكرة الاستماع مبنية على تعلم الاستماع واليقظة، بينما المشاهدة تحتاج التأمل الذي لا يوفره التلفزيون لعيوننا المتعبة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

الذين يحافظون على تقاليد الراديو يستحقون الغبطة، لأن المسرّة والأهمية اللتين يوفرهما الاستماع إلى هذا الجهاز المرتبط بالحنين مازالتا قائمتين وتمتلكان أهميتهما وسط هذا الحشد من البدائل التقنية.

سأفترض أنني أملك إحصائية ما عن الأشخاص “أنا أحدهم” الذين يفتحون هذا الجهاز بمجرد استيقاظهم من النوم مثلهم مثل النساء المبكرات اللواتي يعددن الفطور على أخبار أو همس الراديو، لا تنسوا -أيها السادة- أن أَسرّة النوم كانت ومازال بعضها يحتوي على جهاز راديو، لأن فكرة الراديو مرتبطة بالاستيقاظ ومعرفة أحوال العالم، كما أن صوته له علاقة بتسهيل النوم وجودته.

بقي سائقو سيارة الأجرة والأشخاص الذين يقضون أوقاتا في قيادة سياراتهم مخلصين لفكرة الاستماع إلى الراديو، ربما لضرورة التسلية بدلا من التحدث مع أنفسهم أثناء القيادة!، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى شغف.

ومثل هذا الشغف بالراديو مازال قائما عند شرائح كثيرة خصوصا أولئك الذين يقضون غالبية أوقاتهم في المنزل، لأنه ببساطة جهاز لا يثير الملل والخمول والإجهاد مثل التلفزيون والهاتف الذكي.

عندما أتحدث عن نفسي، فإن الراديو صنع ذائقتي في الاستماع منذ الطفولة، لم أشاهد في حياتي سليمة مراد أو زكية جورج لكنني شعرت بتعبيراتهن الباذخة من الراديو، مثل هذا الشعور لا توفره لي مشاهدتهما تغنيان على شاشة التلفزيون أو على الإنترنت.

وَقعْ الأخبار عند الاستماع إليها من الراديو مختلف كليا عمّا تشاهده على الشاشة، فكرة الاستماع مبنية على تعلم الاستماع واليقظة، بينما المشاهدة تحتاج التأمل الذي لا يوفره التلفزيون لعيوننا المتعبة والمنهكة من القباحة المعمارية والتشكيلية للطرقات والتصاميم السائدة.

لقد وفرت أجهزة التلفزيون الحديثة فرصة الاستماع للراديو أيضا بشاشة غير متحركة، وهو أمر محبوب أيضا لأنه لا يفرض على المستمع التسمّر أمام الجهاز، فالعين تسمع أيضا، عفوا أيها الأذن! وفي كل الأحوال تأثير الضوء على العين غيّر نشوة الأذن في الاستماع للموسيقى.

إن فكرة موت الراديو قد تم التغاضي عنها كليا ولم يعد يَجرؤ على التعاطي معها أو افتراضها، وأن العصر الرقمي وفر بثا صافيا على موجات رقمية، منهيا الفترة الزمنية التي تحدثت عن كساد الراديو.

الراديو لأبناء جيلي كان فرصة للمعرفة المغيّبة والمحاصرة، وهو مازال يمنح تلك الفرصة والأمل في التغيير للملايين من الناس في شتى البقاع الفقيرة.

بين أن تقرأ أو أن تستمع للراديو في المنزل مسرّة لا يمكن أن تصنع معادلا لها أبل أو مايكروسوفت.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عبث إخباري
2017-12-10
زهايمر متعمد
2017-12-05
مليون دولار من أجل حرية الصحافة
2017-12-03
رجال دين ببدلة الأفندية
2017-11-28
الإعلام القديم يترقب ما بعد الرقمية
2017-11-26
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
المزيد

 
>>