First Published: 2017-05-04

هل تستطيع حماس خداع العالم؟

 

على حماس أن تحل مشاكلها مع الفلسطينيين أولا قبل ان تسعى لاقناع العالم بأنها تغيرت.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

كل من قرأ الوثيقة الجديدة التي أعلنتها حركة حماس، يشعر أنها كُتبت بعناية لترضي جميع الأطراف والألوان السياسية، ويبدو أنها اتبعت الطريقة التقليدية التي كُتب بها التقرير البريطاني الأخير عن نشاط الإخوان، فالدول المؤيدة للجماعة والمتعاطفين معها وجدوه مناسبا من لندن، والدول الرافضة لها وتعتبرها منظمة إرهابية وجدوا فيه ما يشفي غليلهم.

لذلك عندما أعلن خالد مشعل تقريره الاثنين الماضي، أجمع كثيرون على أنه يتسم بصياغة مراوغة، وقدّمت التفسيرات الجانبية لمشعل المزيد من التفاصيل التي تؤكد هذا الاستنتاج، وكان لجوء الرجل إلى خطاب إنشائي وسيلته الوحيدة للقفز فوق الأسئلة الحرجة التي لم يجد لها إجابات قاطعة ترضي أصحابها.

بالفعل حفلت غالبية البنود الـ 42 بازدواجية لافتة، فالوثيقة الجديدة اعترفت بحدود 4 يونيو 1967 لكن لم تقر صراحة بإسرائيل، وتضمنت تنويها لأهمية العمل السياسي لكن حافظت على سلاح المقاومة، وتغاضت عن التمسك بانتماء حماس للإخوان المسلمين، كما هو موجود في الوثيقة الأولى التي صدرت عام 1988، لكن شددت على التزام الحركة بالإطار الفكري للجماعة، وهكذا ثمة سلسلة طويلة من المناورات السياسية والتلاعب بالألفاظ، جعلت كل جهة تجد ما تريده في الوثيقة، التي لا تعني أصلا التخلي عن الوثيقة السابقة، بل هي في النهاية مكملة لها، بشكل مباشر أو غير مباشر.

دوائر عديدة تعرف ألاعيب حماس وتفهمها ضغطت باتجاه أن تكون الوثيقة نقلة نوعية حقيقية، وهو ما يفسر تأخير الإعلان عنها. فمنذ بداية العام الجاري والحديث لم ينقطع عن وثيقة يتم إعدادها، وتركت الحركة القوى المعنية والجهات المهتمة تضرب أخماسا في أسداس، بانتظار مولود قد يؤثر في شكل الخريطة الفلسطينية، ويجعل من حماس حركة تتعامل مع المتغيرات بقدر كبير من الانسجام.

ولأن المسألة صعبة، استغرق إعداد الوثيقة وقتا طويلا، ربما كان مقصودا منه أن تتزايد بورصة التكهنات والتخمينات والتوقعات، لجس النبض ومعرفة الحدود النهائية التي يمكن أن تبلغها الحركة، وربما جرى التمهل لشدة الخلافات الداخلية، وارتفاع درجة الشد والجذب الذي طال بعض البنود الرئيسية، فضلا عن وجود تيارين متنازعين، أحدهما بالغ في المرونة، والآخر بالغ في التشدد، لذلك جاءت الوثيقة الجديدة وسط بينهما ويجد فيها كل طرف ما يريده، من برغماتية وتطرف كبيرين.

بالطبع لن تستطيع الحركة خداع العالم، الذي كان ينتظر خطوة تتماشى أكثر مع التطورات الإقليمية والدولية، وتأخذ في حسبانها توازنات القوى التي ليست في صالح العرب والفلسطينيين، بل وكل القوى التي تتبنى مواقف أيديولوجية على شاكلة حماس، لكن الحركة كانت متسقة مع تاريخها وجذورها الإخوانية، ولم تخرج الوثيقة بعيدا عن الخبرات التي تراكمت لديها، وتؤكد أنها حركة نفعية تماما، تملك قدرة عجيبة على التلون مكنتها من التأقلم مع أجواء غاية في التعقيد طوال السنوات الماضية، وساعدتها على الجمع بين متناقضات يصعب أن تلتقي بسهولة.

القوى التي راقبت الخطوات الأولى للوثيقة وحتى إعلانها من الدوحة، تعرف جيدا أن بنودها حافلة بالمراوغات اللفظية، لترضي الأصدقاء والخصوم معا، وبالتالي من الصعوبة أن تتمكن الحركة خداع هؤلاء وهؤلاء، وقريبا سوف تكون مضطرة إلى اتخاذ مواقف واضحة ومحددة في قضايا شائكة، لأن سياسة الإمساك بالعصا من منتصفها لن تكون صالحة، فثمة عملية فرز جارية على قدم وساق في المنطقة، شعارها مع التيار الإسلامي يقول "من ليس معي فهو ضدي"، بمعنى أنه لم يعد من المقبول أن ترتمي الحركة في أحضان دولة وتتلقى دعما من أخرى، أو ترفع سلاح المقاومة في وجه إسرائيل ردا على انتهاكاتها، وتقوم بالتفاوض معها سرا.

العالم ينتظر الحكم النهائي على الأفعال، من خلال الطريقة التي ستتصرف بموجبها حماس مع بعض الاستحقاقات السياسية، وفي مقدمتها عملية التسوية التي قد تشهد زخما خلال المرحلة المقبلة. ولعل الزيارة التي بدأها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لواشنطن أمس الأربعاء، تترتب عليها تداعيات سياسية، لأنها جاءت عقب لقاءات وحوارات ومناقشات متعددة أجرتها الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس الجديد دونالد ترامب مع زعماء ومسئولين مؤثرين في ملف التسوية بالمنطقة.

لكي تكون تصرفات حماس مواكبة لهذه التطورات، من الضروري أن تمتلك توجهات وتصورات متناغمة، تجعل العالم يثق بها، وتساعدها لتكون رقما رئيسيا في معادلة التسوية الحرجة، وهناك أربعة محددات رئيسية يمكن أن تكون اختبارا لنوايا الحركة، وهي دليل أيضا يكشف حجم النضج الذي وصلت إليه.

الأول: الوحدة الشاملة، وتتمثل في تقارب الرؤية السياسية ولم شمل الأراضي الفلسطينية وسرعة الإعلان عن حكومة وطنية. فالطريقة التي تدير بها حماس علاقتها مع حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية عموما، تشي بالتباعد والرغبة في استمرار الفواصل في ملفات مصيرية، فعندما يحين موعد الجلوس على طاولة المفاوضات من الواجب أن تكون القوى الفلسطينية، وفي قلبها حماس، متفاهمة حول الأهداف والطموحات وحجم التنازلات، لأن إسرائيل حققت مكاسب كبيرة من وراء الخصام والتراشق وتصفية الحسابات البينية بين الحركات الفلسطينية، ناهيك عن أهمية الشروع في إنهاء حالة العزلة التي فرضتها حماس على قطاع غزة، والتعامل معه كأنه دويلة خاصة بها، وهو ما منح إسرائيل فرصة استثمار هذا الوضع الشاذ وقضم المزيد من الأراضي في الضفة الغربية وزرعها بالمستوطنات، كما أن الوحدة تفرمل الاتجاه الرامي إلى تكريس التعامل مع غزة باعتبارها أرض منفصلة، وأول اختبار تتعرض له حماس هو مدى قدرتها على المشاركة في حكومة وحدة وطنية ونجاحها.

الثاني: التخلي عن الشعارات الأيديولوجية، والنزول إلى أرض الواقع، لأن مرور الوقت يضر بالقضية الفلسطينية، التي تراجعت من إزالة الاحتلال الإسرائيلي إلى القبول بدولة مبهمة على حدود 1967، ومع ذلك تتنصل تل أبيب من هذا المطلب، وترفض التجاوب مع قرارات الشرعية الدولية، وتجد تأييدا من جانب قوى مختلفة.

الثالث: الابتعاد عن التوظيف السياسي والإعلامي للحركة من جانب كثير من الدول، بعد أن تحولت حماس إلى تابع لعدد منها، الأمر الذي أساء للحركة وأرخى بظلال سلبية على القضية برمتها، لأنها أصبحت كرة تتلاعب بها جهات متباينة، كل يقذفها ناحية المربع الذي يحقق أهدافه.

الرابع: التمسك بالغطاء العربي الذي يملك رؤية واضحة للتسوية، كما أنه البوابة الصحيحة لاسترداد الحقوق المنهوبة، والقوى الرئيسية فيه، مصر تحديدا، لديها جملة من الثوابت لم تتزحزح، وصمدت أمام العواصف التي حاولت سرقة القضية الفلسطينية وإبعادها عن مسارها العربي.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
المزيد

 
>>