First Published: 2017-05-09

الجنية الزرقاء وحبة القمح

 

رغم طابع القصة الطفولي إلا أن بها خيوطا رائعة، وأفكارا غنية وجميلة تحتاج إلى الإحساس الذي لا يزال مثيراً وحيّاً منذ أكثر من قرن وربع القرن.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: مي فاروق

واعلم أن الخشب الذي نحت بينوكيو اسمه البشر

"لا تَضْربني بهذه القسوة"، صاحت قطعةُ الخشب، فيقع تشيري مَغْشياً عليه، لكنِّ خيالاً ما، ورغبة نبيلة، أضاءت ذهن جيبتو النجار الفقير، فيحّول قطعة الخشب بمهارة، وبدون أن تصرخ، إلى صبي خشبي، ويسميه بينوكيو "حبة القمح" باللغة الإيطالية، فتأتي له الجنية الزرقاء لتقول: لكي يُصبح صبياً حقيقياً لا بد أن يكون شجاعاً وصادقاً وغير أناني.

هكذا كانت بداية أشهر قصةٍ للأطفال "مغامرات بينوكيو"، القصة ذات الخيال الأدبي الفريد، والتي مازالت تعيش في العقل الإنساني منذ أن وُلدت في فلورنسا إيطاليا على يد الكاتب كارلو كولودي عام ١٨٨١ إلى الآن.

تلك القصة التي لم أنسها منذ قرأتها وشاهدتها معاً، بل لم أنس عبارة أقتبستها من أحداثها شحذت إرادتنا للحب ودفعت بِنَا سوياً إلى المقاومة والنضال، عندما قلت له خيوطٌ غليظة تمنع عقلنا وقلبنا وتُزاحم أعصابنا، فهل سنظل بها دمىً معلقة؟ بلا ذاتٍ، بلا عزمٍ، بلا مرامي؟ وختمت بتوقيع الجنية الزرقاء "نجمة الأماني".

تلك الكلمات التي دبت الحياة في حواسنا وإرادتنا مرةً أخرى، فرغم طابع القصة الطفولي إلا أن بها خيوطا رائعة، وأفكارا غنية وجميلة، قد لا تحتاج إلى الفهم أولا، بل إلى الإحساس الذي لا يزال مثيراً وحيّاً منذ أكثر من قرن وربع القرن، لذا قررت الْيَوْمَ أن أُعيد قراءتها لكم لنبتعد عن الواقع الساخن والكئيب، فتكون حبة القمح موضوعاً ذَا نكهةٍ إنسانية درامية، وتأخذ الأسئلة نفساً رومانسياً وبطولياً معاً، ويبدو معها الطفل الخشبي أول طفلٍ على وجه الأرض، بل وأخر طفل أيضاً.

"بونيكيو" دمية متحركة شهيرة عابرة للقارات، وللأزمنة، واللغات أيضا، تُرجمت لنحو ٢٤٠ لغة من لغات العالم، وتعتمدها منظمة اليونيسكو إرثاً ثقافياً عالمياً، بل ينصح العالم الفيزيائي الأميركي نيل تايسون المتخصص في الفيزياء الفلكية، والباحث في المتحف الاميركي للتاريخ الطبيعي، ومدير للقبة السماوية (هايدن)، بقراءة مغامرات بينوكيو لكي يصبح الطفل ذكيا ومثابراً.

كما تقدمها مجلة مون تلان كراعية لثقافة الكلمة، وتجعل مؤلفها ضمن أعظم رموز الأدب ممن لهم تأثير واضح على التاريخ الثقافي مثل تشارلز ديكنز، وفولتير، وديستوفسكي، وغيرهم.

فأي قوة مُنحت لهذه الحطبة الصنوبرية المهجورة لتتحول ليس فقط لإنسان من لحم ودم وعظم، بل لتاريخ وثقافة إنسانية عالمية، بل ويتحول معها (الحوت، والكريليت المخلص، والثعلب المبهم، والقطة الماكرة، والساحرة ذات الشعر الأزرق، وغيرها من الأشخاص المتداخلة في القصة) إلى ملحمة طفولية ملونة.

تبدو تلك الدمية الماكرة الطريفة أمامي ليست بخرافة مسلية.

ومن طرائفها المضحكة والماكرة أيضاً، أن الفيلا التي ألهمت المؤلف، عُرضت في ضاحية فلورنسا (بإيطاليا) بسعر يفوق ١٠ ملايين ونصف المليون يورو، صحيحٌ أنه سعر بعيد كل البعد عن ذاك النجار الفقير الذي وُلدت الدمية على يديه، إلا أنه يؤكد أهميتها في الفكر الإنساني.

بعد ذلك المرور على أحداث القصة وأهميتها، سأطرح عليكم بعضاً من أسئلتي المتعلقة بالقصة والتي بدأت رومانسية وطفولية، إلا إنها في النهاية خرجت ناضجة مثلي الْيَوْمَ:

أولا: كيف لهذا المؤلف (كارلو كولودي) صاحب الميول السياسية، الذي تطوع في حرب الاستقلال الإيطالية عام ١٨٤٨، وصاحب الميول السياسية الحادة في كتابته في صحيفة لمبيون الساخرة، يتحول هذا العجوز السياسي الساخر إلى أعظم كاتب للأطفال، بل ويعتبره النقاد بدميته الخشبية عميداً لأدب الأطفال؟ كيف استطاع تهذيب كلماته لتكون رشيقةً وبخيال براق لطفل ذي ست سنوات؟

تبدو تجربته معادلة غريبة ومقلوبة أحياناً، تفسيرها الوحيد هو أن لأدب الطفل عبقرية خاصة، ومذاق خاص.

تلك العبقرية، والمذاق المختفيان في عالمنا العربي، ليظل أدب الطفل فيها بين قوسين (لغزاً محيراً) والحلول فيه عقيمة.

ما أراده كولودي من رحلة الطفل الخشبي ليتحول في النهاية لولد عاقل وراشد إلى تربية الأطفال على قيم الجمهورية الموحدة، واستقامة السلوك والتضحية، ودمج الأطفال سوياً في جماعة عاملة متعاونة، ألا يحتاج أطفال العالم العربي إلى مثل هذه الرموز؟

ألم يحن الوقت لتعالج الكلمة ما دمرته الحروب؟ وضعية الأطفال في العالم العربي متدنية لأبعد الحدود، ليس بسبب أوضاعهم الاقتصادية والسياسية والإنسانية القاتمة، فهناك أكثر من ٢٠ مليون طفل عربي يعيش تحت خطوط الفقر وتحت خط النار معاً، بخلاف ازدياد حالات التسرب في مراحل التعليم الأولي، بل ودخول الأطفال في صراع حاد مع القانون فترتفع حالات الأحداث وكأن ظروفهم تعد مجرماً في المستقبل.

مشكلة أطفال العالم العربي متفاقمة وحادة ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل السوسيو ثقافي أيضاً، حيث تسود في مجتمعاتنا النظرة الهشة وغير الممنهجة للأطفال، بل استصغار كل ما يمت لهم بصلة، واعتبار أدب الطفل ليس سوى خرافة أو مجرد نصوص وعظية جامدة. نعم ومازلنا ندور في تلك الدوائر المغلقة، ومازالت مجتمعاتنا تعيد إنتاج نفسها بشكل تقليدي، فيولد أطفالنا فقراء، ويعيشون في مجتمعات فقيرة، تفتقر للثقة، والافتخار، والإرادة، والبطولة الحقيقية.

ثانياً: ألم تحرر هذه القصة أطفال أوروبا من التبعية والدونية، لكننا هنا في محيطنا العربي نظل نعيش في متلازمة بينوكيو الخشبي ذي الأنف الطويل، نعم، عالمنا العربي لا يخلو من السلاطين، والذئاب، والثعالب، واللصوص، والدماء، والقتلى، والأنوف المتزايدة في التطاول، والأرصفة الشاحبة الخالية من الملاعب، والمخلوقات التي صارت خشبية.

تلك الصورة المتشابهة تجعلني أسأل أليس أطفالنا الْيَوْمَ يشبهون حبةَ القمح التي تحتاج لضمير الساحرة ذات الشعر الأزرق ليواجهوا الثعالب ورفاق السوء؟

نعم، علينا أن نساعدهم نفسياً بعيداً عن الوعظ وصيغ الأمر، حتى يتمكنوا من الصمود والصعود معاً. وعلينا نحن أن نعلم أولاً أن الصعود لا يأتي إلا بعد السقوط في الجحيم أولاً، وأن الجسور تفهم جيداً لغة النوارس. وأن عصور الكتابة قادرة على مواجهة اللهيب والغضب المجهول، علينا أن نبعث فيهم الأمل والنهايات السائدة، ونصنع قلوبهم أولاً بدقة متناهية، لتعشق، وتحس، فتريد، وتعمل ونقرأ لهم قصص الفقراء، ليعلموا أن الذي نحت جسم بينوكيو لم يكن سوى ذاك النجار الفقير.

أفكار كثيرة متدفقة في ذهني أراها تشبه أسراب البط في السماء، لكنني في النهاية عندما أقرأ تلك القصة يبدو أمامي مشهد متكامل متدفق، وإرث ثقافي خالد يبوح بخصوصيته، تتجلى فيه رسومات مايكل أنجلو، ودافينشي، وغيرها يُسمى بالمشهد الإيطالي.

لم تزل القصة بخيوطها تبهر الجميع لتؤكد أنها صناعة للأحلام، بينما تبدو قصص أخرى مجرد أوراق تجمع الغبار على الأرفف.

في النهاية أقول لكل طفل يشاهد القصة: لكي تكون حبة قمح حقيقية لا بد أن يدب الحب والإخلاص قلبك، واعلم أن الخشب الذي نحت بينوكيو اسمه البشر.

 

مي فاروق

كاتبة مصرية

الاسم حسونه إبراهيم العزابي
الدولة ليبيا

بينوكيو .. لم يكن مجرد لعبة خشبية مُلهِمة أبدعها نجارٌ مُلهَم .. بل كانت مشروعًا وطنيًّا متكاملاً يجسّد معاني الوطنية .. الانتماء .. الحرية .. العطاء .. الواجبات ومن ثم الحقوق صنعته متطلبات مرحلة عودة الروح والوعي لوطنٍٍ جريح .. وهنا نتساءل تُرى أين نحن من ذلك ؟! وإلى متى ستتواصل مع...

2017-05-12

الاسم ريم أبو الفضل
الدولة مصر

مقال جميل

حبة القمح تحتاج أكثر من قطرة مطر واحتواء ام وعصا ساحرة

حبة القمح تستهدفها دودة وتنتظرها سوسة

بارك الله في قلمك وعقلك

تحياتي

2017-05-09

 
مي فاروق
 
أرشيف الكاتب
الذباب القادم من جهة اليأس
2017-12-02
المحرم مبتدأٌ لخبر
2017-10-01
أضحية كانت .. أم ضحية؟
2017-09-06
الجنية الزرقاء وحبة القمح
2017-05-09
تنويعات على جسد مصري لا متجانس
2017-03-27
المزيد

 
>>