First Published: 2017-05-11

روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر

 

وصفة تستوجب أن يكون هناك خبراء اقتصاد بالمعنى الحقيقي للكلمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لست من العارفين بتفاصيل الأزمات الاقتصادية، لكن أعلم الكثير عن الخطوط العريضة عنها، والجميع من مهمومين وخبراء ومهتمين وأفراد، لديهم دراية بالمشكلات، ومعظم هؤلاء لا يعرفون سببا مقنعا لعدم حلها حتى الآن، ونكاد ندور في حلقة قاتمة منذ عشرات السنين، وازدادت الأزمة تعقيدا مع إجراءات الإصلاح الجديدة، عقب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على قرض الـ 12 مليار دولار.

التقيت الدكتورة كريمة كريم أستاذة الاقتصاد بجامعة الأزهر والخبيرة في عدد من المنظمات الدولية، ووجدتها فرصة لأفهم منها سر الانسداد الحاصل في الاقتصاد المصري، وعدم تحقيق غالبية السياسات والتصورات الرسمية لنتائج قوية وملموسة تفتح طاقة أمل للمستقبل، وتخفف الأعباء عن كاهل قطاع كبير من المصريين، يئن من قسوة الغلاء، وعل وشك أن يفقد الأمل في حل أزماته المركبة، إذا لم تبادر الحكومة لصياغة رؤية أشد إحكاما لعبور هذه الفترة.

عندها وجدت المسألة الاقتصادية أقل تعقيدا مما يصوره لنا كثير من المسئولين، وكأنهم يخترعون العجلة من جديد، فقط نحتاج إلى تقديرات علمية واضحة، وضمير وطني وثاب، وإرادة سياسية للتطبيق السريع، وقدرة على سن القوانين ومحاسبة المخالفين.

الخبيرة الاقتصادية المشغولة بقضايا وطنها، مهما تباعدت بها المسافات، والمهمومة بالبحث عن آلية ناجحة لحل الأزمة الراهنة، قدمت شرحا وافيا تضمن روشتة بسيطة لإصلاح عدد كبير من التشوهات الطاغية لجملة من المشكلات الأساسية، الأخذ بها يمكن أن ينهي جزءا من المعاناة التي تواجهها الحكومة والغالبية العظمى من المواطنين.

بالنسبة لارتفاع الأسعار في بلد نام يتبع اقتصاد السوق، قالت: يجب السيطرة على الجنون الذي أصاب السلع الأساسية، عن طريق تحديد سعر استرشادي عادل يوفر هامش جيد للربح، مع تعديل قانون المنافسة والاحتكار بحيث يعتبر محتكرا من لا يطبق السعر المعلن من الحكومة، ويعاقب بالغرامة وخلافه كما ينص قانون المنافسة والاحتكار.

ويمكن ترك مساحة لحركة السعر بما لا تتجاوز 5 بالمائة من السعر الاسترشادي وبعدها يعتبر المخالف محتكرا حسب القانون الجديد. فمواجهة جشع التجار عملية لها أولوية حتى لا تزداد الأسعار انفلاتا، كما أن التوازن السعري عملية ضرورية للاستقرار الاقتصادي والسياسي، فتوفير لقمة العيش للمواطنين تأتي قبل السكن، فالأولى تمس جوهر الحياة وعدم ضبطها يمكن أن يؤدي إلى كوارث مجتمعية.

أما عن دعم المحروقات، الذي احتارت معه حكومات كثيرة مرت على مصر، وخشيت من ردود الأفعال السلبية، تؤيد الدكتور كريمة رفع الدعم عن البنزين نهائيا، ووجهة نظرها مبنية على أساس أن كل من يملك سيارة، مهما كانت صغيرة، يدخل في فئة القادرين نسبيا، لأن هناك نصف عدد السكان تقريبا يدخلون فى فئة الفقراء ومنخفضي الدخل، بمعنى أنهم لا يجدون ما يسدون به حاجاتهم اليومية. يضاف إلى ذلك ضرورة زيادة الرسوم المفروضة على السيارات الفارهة.

لكن قبل رفع سعر البنزين يعطى أصحاب الميكروباص وعربات نقل الخضر والفاكهة حوالي ثلاثة أشهر للتحول من البنزين والسولار إلى الغاز مع إعطائهم قرضا ميسرا من الحكومة لتحقيق ذلك. بعد ذلك يلغى الدعم عن البنزين والسولار ويتم تحديد السعر الجديد لهما بحيث يزيد على التكلفة بمقدار صغير، وتستخدم الحكومة الفرق لدعم الغاز.

وهذا يسمى الدعم التبادلي الذي يؤخذ من الأغنياء ويعطى للفقراء دون عبء على ميزانية الدولة. وهذا ما يجب أن يطبق في الصحة والتعليم وخلافه لتخفيض العبء على الحكومة مع إعطاء منخفضي الدخل حقهم في الخدمات الصحية والتعليمية بأسعار تناسب دخولهم.

كذلك لا بد من إلزام سائقي الميكروباص وعربات نقل البضائع بعدم رفع تعريفة النقل. ومن يفعل ذلك تسحب الرخصة منه ويدفع غرامة. وتسحب الرخصة نهائيا عند تكرار المخالفة. فهذا الإجراء يضمن أن منخفضي الدخل لن يتحملوا عبء إلغاء الدعم للبنزين والسولار كما يضمن عدم رفع تعريفة نقل الخضر والفاكهة وبالتالي يحول دون رفع أسعارها في الأسواق.

فاجأتني الخبيرة الاقتصادية أن صندوق النقد الدولي غير مسئول عن كثير من الاتهامات التي توجه له بشأن التآمر أو سعيه إلى إغراق مصر في دوامة المشكلات، فالعملية اقتصادية بحتة يقوم بها خبراء ومتخصصون، فقط علينا أن نقنع هؤلاء بأن طبيعة ظروفنا تفرض التمهل لحين ترتيب الأمور بصورة علمية، لكي لا تنفجر الأوضاع.

وربما يكون التفاهم مع الصندوق وسيلة جيدة للالتزام بخطط إصلاح حكيمة وملزمة، لأن هناك محاسبة تجري من وقت لآخر، يؤدي الإخلال بها إلى تعطيل البرنامج ووقف الدفعات التالية للقروض، وهو ما يؤثر على كثير من التوجهات الاقتصادية السليمة ويضر بسمعة مصر في مجال الاستثمار.

قالت، إن المؤشرات الحالية غير مطمئنة حتى الآن في مجال الاستثمار، وتحتاج إلى مزيد من الإجراءات لتشجيع المستثمرين، من داخل مصر وخارجها، فالعوائد والمنافع والمكاسب الاقتصادية هي الحافز الأول لأي مستثمر للإقبال على هذه الدولة أو تلك، ولابد من إزالة العقبات التي تقف في طريقه، وتحرير سعر الصرف أو التعويم لن يكون كافيا لجذب مستثمرين جادين لمصر، فالاستثمار يتقدم عندما تكون هناك فرص حقيقية للربح.

أما بالنسبة لتعويم الجنيه، فلقد اقترحت الأخذ بما يسمى بـ "التعويم المدار" وربط الجنيه المصري بسلة عملات مجموعة الدول التي يكثر التعامل معها، كمدخل لتقليل الخسائر. وهذه العملية يمكن أن تخفف من التداعيات السلبية لعملية التعويم في صورته التقليدية.

المتعارف عليه أن منظومة الإصلاح مجموعة متكاملة يصعب التركيز على جانب منها وترك جوانب أخرى، ومن الضروري الاهتمام بالصناعة والزراعة، للحد من البطالة وتحقيق قدر جيد من الاكفتاء الذاتي وتقليص نسبة السلع المستوردة، التي تقضم جزءا كبيرا من العملة الصعبة، وتؤدي تلقائيا إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وبالتالي زيادة نسبة التضخم الذي يلتهم كل زيادة في مرتبات الموظفين، وحل هذه المعادلة يبدأ بالتخطيط والتنفيذ السليم.

ورفضت الدكتورة كريمة فكرة تغيير العملة المصرية، واعتبرتها إجراء في غير محله الآن، وتحفظت على ما تم اتخاذه من سياسات اقتصادية تتعلق بزيادة نسبة الفائدة على السندات الدولارية، لأن مكاسبها العاجلة أشد قسوة من الخسائر المستقبلية المتوقعة.

كما أن الإسراف في رفع سعر الفائدة عموما سوف يؤدي تلقائيا لزيادة الفائدة على الإقراض أيضا، وبالتالي ارتفاع التكلفة النهائية للمشروع لأرقام مضاعفة، وتتسبب في مشكلات لا تمكن المستثمر من الوفاء بسداد قرضه، وتعثره يؤدي إلى وقف المشروع برمته.

من ينظر للنتيجة النهائية لزيادة الفائدة، يجد أنها من المسكنات ذات الأضرار الخطيرة اقتصاديا، فقد تكون نجحت في تحفيز قطاع من المواطنين ووضع مدخراتهم في البنوك، لكن في المقابل لن تصطحب هذه الخطة ارتفاعا موازيا للمقترضين، ولن تنجح في جذب مستثمرين بطريقة كافية، وقد تجد بعض البنوك نفسها أمام مشكلة للوفاء بسداد الفوائد لمستحقيها، إذا استمر المستثمرون على حالهم من الانكماش.

وتعتقد أن التفاخر بارتفاع حجم الاحتياطي في البنك المركزي غير مبرر، فإذا تم حساب نسبة الاحتياطي أمام الديون الخارجية والمحلية، ستصبح ضئيلة وقيمتها عديمة الفعالية، لذلك فالرهان يجب أن يكون على التوسع في الصناعة وإعادة فتح المنشآت المغلقة وليس التخلص منها، كما أن الزراعة من المداخل المهمة التي تحد من الاستيراد عموما، وتفتح المجال للتصدير، وهي عملية تحتاج إلى جهد ودأب كبيرين، وتتطلب أن توضع في قمة أولويات الحكومة.

في هذا المجال، يجب أن تتجنب الحكومة تكرار الأخطاء التي وقع فيها مشروع شرق العوينات سابقا من تعطيل أسلوب الري بالتنقيط بسبب انسداد فتحات الري بمفعول البيئة الصحراوية والذي أدى إلى هجر المزارعين للأراضي فصارت بورا.

فمن المهم في حالة المشروعات الجديدة تدريب المزارعين على أسس صيانة فتحات الري بأسلوب علمي تقدمه لهم وزارة الري، ويجب أيضا التأكد من كفاية كمية المياه الجوفية المتاحة قبل الالتزام باستثمارات كبيرة في هذا المجال.

الروشتة التي وضعت خطوطها العريضة الدكتورة كريمة، تستوجب أن يكون هناك خبراء اقتصاد بالمعنى الحقيقي للكلمة، على مستوى من العلم والخبرة الاقتصادية يتم اختيارهم بدقة وليس بالمجاملات الشخصية، همهم الأول الخروج من هذا المأزق، والابتعاد عن الحسابات الضيقة التي درجت على الدوام ربط التقدم في المصلحة العامة بما يتم انجازه للفرد، وأفضت هذه النوعية من التوجهات إلى خسائر كبيرة، وعطلت التطور الذي تستحقه مصر.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>