First Published: 2017-05-12

باحث يؤكد أن معرفة الأمثال الشعبية ضروري لفهم وتقدير ثقافة الشعب الإماراتي

 

ناصر إسليم يقدّم أداةً عمليةً تعزز من دمج الثقافة الإماراتية في تعليم اللغة العربية، لتوفير نظرةً معمقةً حول الحياة الخليجية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

الأمثال الشعبية الإماراتية تعكس جانباً مميزاً من أوجه التراث الإماراتي

يركز "لأمثال الشائعة: مدخل إلى الثقافة الإماراتية" الصادر باللغتين العربية والإنجليزية للباحث ناصر إسليم، أستاذ أول اللغة العربية في جامعة نيويورك أبوظبي، على الأمثال الإماراتية الشائعة باللهجة العامية الإماراتية ودورها المؤثر على الحياة اليومية والثقافة بشكلٍ عام، ويتيح نظرةً معمّقة حول ما تلعبه الأمثال من دور أساسي في جوهر الحياة الإماراتية والثقافات العربية على تنوعها.

كما يشير إلى ما تقدمه دراسة الأمثال الشعبية باللهجة الإماراتية من منظور فريد لنشر المعتقدات والقيم العربية في مختلف أنحاء العالم. وقد عبر غلافه المستوحى من أحد الأمثال الواردة في الكتاب بصورة جلية عن جزئيات مهمة في ثقافة شعب الإمارات مثل الجمل والصحراء.

ويقدّم الكتاب أداةً عمليةً تعزز من دمج الثقافة الإماراتية في تعليم اللغة العربية، حيث يُوفر نظرةً معمقةً حول الحياة الخليجية والمجتمعات والثقافات الإماراتية المحلية، سعيا إلى تحدي الصور النمطية التي تحيط بالمجتمعات الخليجية، وذلك من خلال تعزيز الروابط بين جميع الثقافات والمجتمعات.

يقول ناصر في حوار معه حول الكتاب وأهميته "إنني أدرّس اللهجة العربية والإماراتية منذ سنوات عديدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ولمست طوال هذه الفترة أن الإماراتيين، أسوةً بمعظم العرب، يستخدمون بشكل روتيني عدداً كبيراً من الأمثال الشعبية أثناء التواصل فيما بينهم. لقد استطاعت تلك الأمثال الشعبية الصمود وبقيت راسخة رغم تعاقب الزمن، وهي تعكس اليوم جانباً مميزاً من أوجه التراث الإماراتي، كما أنها تؤثر عليه وعلى طريقة تعاقب التقاليد والأعراف الثقافية من جيل لآخر. وإن انتقال التراث الثقافي اليوم يعتبر عاملاً محورياً بالنسبة للمجتمع الإماراتي، خاصة بالنظر إلى التحولات الهائلة التي شهدتها المنطقة على مدى العقود الماضية. وانطلاقاً من ذلك، توصلت إلى قناعة أن معرفة الأمثال الشعبية ضروري لفهم وتقدير ثقافة الشعب الإماراتي وتاريخه وقيمه الاجتماعية".

ويضيف حول الكيفية التي استوحى منها فكرة ومحتوى الكتاب "ربما تأثرت شخصياً بالأمثال منذ نعومة أظافري، هذه الأمثال التي توارثتها الأجيال.. جيلا بعد جيل، ومن الطبيعي أن نجد أن الأمثال يتم تداولها بين الناس في أحاديثهم اليومية ... في البيت وفي المدرسة وفي الإحتفالات الثقافية والدينية وفي معظم المواقف الحياتية الإجتماعية.

لقد كتبت هذا الكتاب وأنا أعلم أنه كتاب مكمل لفصول اللغة بصفة عامة ولفصل تدريس اللهجة الإماراتية بصورة خاصة وخصوصاً بعد تدريسي مساق "رمسة" لطلاب جامعة نيويورك للسنوات الأربعة الماضية والذي استشففت من خلاله عشق الطلاب للأمثال والموروث الشعبي. فحيث هناك اهتمام متزايد لدراسة الرمسة الإماراتية، ظهرت لدي فكرة كتابة هذا الكتاب المستقل ليكمل الدور ويعطي بعداً آخر لمكونات الثقافة الإماراتية الغنية، خصوصاً وأن هناك نقصا في المصادر والمناهج التي تخدم تدريس اللهجة الإماراتية تحديداً والمكتوبة بالخط العربي والمشروحة بالانجليزية والزاخرة بالمفاهيم والجوانب الثقافية مخاطبة العقل والوجدان الأجنبي".

ويوضح ناصر إسليم أن كتابه يحتوي على 309 صفحات، وفيه من الأمثال والتعابير الشائعة ما يصل إلى أكثر من خمسمئة وخمسين مثلاً. وجمعت الكثير منها من خلال باحثين متمرسين في المجال كالحظ المصبح الكويتي عن طريق لقاءات متكررة وزيارات قمت بها إلى مدينة العين. وهنا أود أن أشكر كلا من مدير متحف العين سابقاً محمد النيادي وإبراهيم اللبابيدي واللذين أتاحا لي فرصة التعرف على الحظ المصبح الكويتي.

كما أني استعنت بمصادر أخرى من عوام الناس في شتى المناطق وأصدقاء ومعارف وأيضا قمت بعمل أبحاث في هذا المضمار سبقت ودامت خلال فترة كتابتي لهذا العمل الفريد. لكن الشيء المثير للإهتمام هو قلة المصادر المكتوبة بالإنجليزية في هذا المضمار، حيث إن ما هو موجود يقتصر على إدراج لبعض الأمثال مع ترجمة بسيطة للمثل. لذلك فكرت في كتابة ما يفي بالغرض ليكون عملاً بحثياً أكثر عمقاً وإفادة للقراء.

ويرى أن المثل في ذاته يتداوله الجميع من كافة أطياف المجتمع بشكل مميز ويفوق غيره من الأعمال الأدبية على المستوى المجتمعي. ويرجع هذا لما يتصف به المثل ذاته، ففكرة المثل واقعية ولفظه بسيط وموجز والأمثال برمتها معبرة ونطقها سهل، وهذا يساعد على سرعة حفظها ويجعلها تعلق بسرعة في ذهن القارئ أو الدارس أو المستمع.

ولقد وصف ابن عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد المثل: "هو أبقى من الشعر وأشرق من الخطابة." فالأمثال مستقاة من صميم حياة الناس ومن خلالها يروى تاريخهم وفيها الموروث وهي مرآة تعبر وتعكس فكر وثقافة الشعوب.

ولقد قام الكثير من المؤلفين بكتابة كتب عن الأمثال مثل: كتاب "الأمثال" للمفضل الضبي، و"مجمع الأمثال" للميداني، وبعدها ظهر نوع جديد من الأمثال من جراء تمازج الشعوب والثقافات وأخذ هذا النوع من الأمثال اسم الأمثال المولدة.

أما فيما يخص الأمثال الشائعة مدخل إلى الثقافة الإماراتية فقد جاءت لتعطي صور مشرقة من صفحات موروث وثقافة الشعب الإماراتي وفيه عدد كبير من الأمثال الشعبية الإماراتية والتي تدل على أحواله والطريقة التي يفكر فيها، وأعتقد أن هذا سيكون له نفع كبير في الدراسات التي تهتم بأحوال الشعوب وثقافتها والدراسات الإجتماعية واللغوية وحتى التاريخية منها.

ويؤكد ناصر إسليم أن للأمثال أهميتها العظمى والتي تتربع من خلالها على عرش الأدب، فالشاعر يشملها في أشعاره، والحكواتي يستعملها في حكاياته ويستخدمها الناس بصنوفهم في مجالسهم وأشغالهم. ويذكر أن المستشرقين اهتموا بالأمثال الشعبية في العالم العربي، ومن أبرزهم الألماني ألبرت سوسين 1844-1899 وطبع كتاب له سنة 1878، والسويدي كارلو لاندبرج والذي توفي سنة 1924 وله كتاب اسمه "أمثال أهل الشام".

ويشير إلى أن الأمثال الواردة في الكتاب جاءت بتسلسل أبجدي وفي أول الكتاب هناك مقدمة ودليل نطق للهجة الإماراتية.

الأمثال التي تبدأ بأل التعريف جاءت في باب (حرف الألف). في الكتاب 28 فصلاً حسب عدد الحروف العربية، وكل مثل يتكون من عدة أجزاء: عمل كاريكاتيري مرسوم بمهنية عالية يجسد فكرة أحد الأمثال الواردة في الفصل، والمثل مكتوب بالعربية وحسب نطقه باللهجة الإماراتية ويتبعه كتابة بالإنجليزية على نحو ما جاء بالعربية والذي يسميه الناس (العربيزي) وبعدها يجيء ما يقابل المثل الإماراتي من مثل انجليزي إن وُجد. وأخيراً يجيء تلخيص وشرح المعنى للمثل واستخداماته الثقافية وكثير من الأمثال تتضمن شروحات فلكلورية وقصصاً وأساطير وغيرها. وفي نهاية كثير من الأمثال تطرقت إلى استعمالات لغوية معمقة لبعض الكلمات المفتاحية والشائعة الإستخدام وأعطيت بعداً لغوياً معمقاً لها.

ويلفت ناصر إسليم إلى أن الكتاب مصمم للطلاب والمدرسين أيضاً والذي من خلاله يمكن للأستاذ أن يشمل الأمثال بطريقة فعالة للوصول إلى فهم لغوي وثقافي أفضل. فتدريس اللغة يجب أن يكون مصحوباً بفهم جلي للثقافة ومن خلال كتاب الأمثال يتم عرض اللغة مفعماً بمضامين ثقافية وعناصر تتحدث عن الأكل والموسيقى والفنون والأعياد والدين والعادات وغيرها.

وكأستاذ جامعي فأنا أستخدم الأمثال في صفوفي عندما أدرس الطلاب في جامعة نيويورك أبوظبي، فهي وسيلة بسيطة وحميمة لإيصال معلومات أوضح عن ثقافة الشعب الإماراتي ويتغنى بها طلاب كثيرون أجانب أمام أقرانهم الإماراتيين وشرائح مختلفة من النسيج المجتمعي الإماراتي.

وحول تأثير الأقوال الشائعة الإماراتية على نمط الحياة اليومي الإماراتية يرى ناصر إسليم إن دراسة الأمثال الشعبية الإماراتية في الكتاب تقدم وجهة نظر فريدة للدين والمعتقدات والقيم التي هي من صلب المجتمع الإماراتي. وبالنظر إلى هذه البقعة من العالم، فإني آمل أن يسهم هذا الكتاب ليس فقط في تحسين الأداء اللغوي والثقافي والأكاديمي للكثيرين بل أيضاً أن يتعدى ذلك إلى أن يكون جسراً لتواصل الحضارات والثقافات والمجتمعات يرتقي من خلاله القاريء إلى مفهوم ثقافي ينم عن صورة جلية ومشرقة لشعب الإمارات.

وكلي أمل أنه بدراسة جزء بسيط وعام من الأمثال الإماراتية أن نستطيع أن نرفع منسوب إدراك ومعرفة ثقافات الآخرين تجاه الواقع الإماراتي ماضياً وحاضراً، وأن نتعلم كيف نتفاعل ونندمج مع الثقافات الأخرى بشكل ومنسوب إنساني أفضل. فللشعب الإماراتي جذوره العميقة وعادات وقيم أصيلة يفخر بها الكثيرون.

ويؤكد إسليم أن الكتاب مادة ممتعة لكل القراء بصفة عامة لأنه يحتوي على اللغتين العربية والإنجليزية (الإنجليزية بوفرة والعربية اقتصرت على الأمثال وبعض الأبعاد اللغوية لمفردات وتراكيب لغوية، وإن مضمونه يجعله من السهل بمكان أن يدرس لجميع المستويات من المهتمين الأجانب (أو حتى أبناءنا الذين يتكلمون الإنجليزية ويقرأونها بطلاقة) من المبتديء منها حتى المتقدم حسب معايير آكتفل الأميركية وذلك لتحسين دراستهم اللغوية والثقافية.

ومن خلال كتابة المثل بـ (العربيزي) فهذا يجعله أيضاً من السهل على القارئين الذين ليس عندهم أي خلفية لغوية أن يتعرضوا لنطق المثل ولن يمنعهم عدم قدرتهم قراءة المثل (المكتوب بالعربية) من استخدام المادة أو حفظ بعض الأمثال إن أرادوا ذلك.

وفي آخر الكتاب، جاء الفهرس والذي يحتوي على المفردات الإماراتية الواردة في الكتاب ورقم كل مثل وردت فيه المفردة.

ويذكر أن ناصر إسليم يُعتبر كاتباً رائداً في مجال الدراسات التطبيقية؛ التي تبحث في تأثير الأغاني والأمثال والتعابير والتراكيب الثقافية الأخرى في مجال تدريس اللغة العربية. وتضمُّ سلسلة منشورات إسليم السابقة العديد من الكتب منها "الأمثال الشائعة: مدخل إلى الثقافة الفلسطينية" عام 2008، و"وجهات نظر: اللغة والثقافة العربية في الأفلام" عام 2009؛ و"اللغة العربية باللهجة العامية الفلسطينية" عام 2010؛ و"كلمة ونغم، كتاب مقرر في تعليم اللغة العربية، الجزء الأول‘، عام 2014؛ و"كلمة ونغم، كتاب مقرر في تعليم اللغة العربية، الجزء الثاني"، عام 2016؛ و"رمسة، مدخل إلى دراسة العامية والثقافة الإماراتية"، عام 2015؛ و"حاكيني عربي، كتاب مقرر في تعليم العامية الفلسطينية والأردنية" عام 2015.

وحصد إسليم العديد من الجوائز من "جامعة نورث كارولاينا" في تشابل هيل، أمثال جائزة "تانر للتعليم الجامعي" لعام 2012؛ ووسام "ذا جولدن فليس" لعام 2011؛ وجوائز "طاقم العمل وطلاب مرحلة التعليم جامعية" عام 2006. ويتوفر الكتاب الجديد للبيع على شبكة الإنترنت، بالإضافة إلى مكتبة جامعة نيويورك أبوظبي.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
حسين نشوان يقرأ تجليات المشهد الأردني شعرا وسردا
2017-07-21
الهولندية مينيكه شيبر تستكشف الجسد البشري مخفيا باحتشام أو مرئيا على نحو فاضح
2017-07-20
دلال عنبتاوي تقرأ تجليات المكان رؤية وتشكيلا في شعر إبراهيم نصرالله
2017-07-19
باحث أردني يؤكد أن عنصر الانتقام كان أساسيا في بنيان الحكاية الشرقية
2017-07-17
عبير عبدالحافظ تترجم وتحلل عالم خوسيه ماريا ميرنيو
2017-07-16
الرشيد بوشعير يقرأ صوفية المسعدي وسيرة منيف
2017-07-14
غادة نصار تحلل أثر الفضائيات على التربية الجنسية
2017-07-13
القاهرة تحتفي بـطبعة ثانية من 'أصوات في الثقافة السودانية'
2017-07-12
باحث مغربي يطبق منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم على سورة البقرة
2017-07-10
شعراء ونقاد أردنيون يحتفون بتجربة الشاعر والروائي الراحل علي فودة
2017-07-09
المزيد

 
>>