First Published: 2017-05-12

هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟

 

لم تعد إيران في الأعراف الأميركية قوة يجب استيعابها بتوقيع اتفاق نووي معها وفق عقيدة أوباما، بل خطرا على أمن الولايات المتحدة وحراكها العسكري في العالم، وفق فقه ترامب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يكشف التهديد الذي وجهته إيران باحتمال تدخلها العسكري في باكستان عن قلقها المتنامي من جدية الضغوط الدولية والاقليمية التي تتصاعد يوما بعد آخر. واللافت في تلك التهديدات أن طهران بدأت تتحسس تحولا في موقف باكستان بما قد يحوّل أي احتكاك غير محسوب إلى صدام بين الدولتين، وبما قد يطوّر الفتنة السنية الشيعية التي تجري بوجوه مواربة إلى مواجهة كبرى لا تريدها إيران ولا تسعى لها باكستان.

ولا ريب أن تصاعد اللهجة الكلامية لطهران حيال الجار الباكستاني يضع إسلام أباد أمام حرج داهم، وهي ما فتئت تسعى للحفاظ على توازن في علاقاتها ما بين السعودية وإيران. وبكلمة أخرى، فإن قلق طهران بات متوهّجا يطالب باكستان بتوضيح موقفها أزاء ذلك الصراع بين إيران والسعودية، والذي بات السجال في شأنه أكثر حدّة منذ تصريحات ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأخيرة.

يعلن قائد القوات المسلحة الإيرانية محمد باقر بأن بلاده قد تلجأ لعمل عسكري على الحدود بين البلدين ان لم تتصدَ إسلام أباد لمن وصفهم بالمتشددين الذين ينفذون هجمات عبر الحدود. وفي ذلك الوعيد ما يعد بأن يشمل الأمر قصف قواعد الجماعات المناوئة وربما القيام بعمليات توغل داخل الاراضي الباكستانية.

تأتي التحذيرات الايرانية بعد قيام جماعة جيش العدل مؤخراً (28 ابريل)، من ضمن عمليات حدودية تنفذها دائما، بهجوم تسبب بمقتل نحو عشرة جنود إيرانيين في منطقة مرجا الحدودية. ولا يعتبر أمر الوعيد الايراني سابقة، فقد هددتت طهران عام 2014 بإرسال قوات إلى داخل الأراضي الباكستانية لاستعادة خمسة من حرس الحدود الإيراني اختطفتهم جماعة جيش العدل.

يعمل البلدان على ممارسة علاقات ملتبسة يشوبها كثير من اللاقول وجرعات مفرطة من النفاق. تهوّل طهران وتتوعد، فتقوم اسلام اباد عادة بتدوير الزوايا وتهدئة الامور للحفاظ على ماء الوجه في علاقات تتعقّد كلما توضحت سياسة إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب في التصدي للنفوذ الايراني في المنطقة. كان وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف قد زار اسلام اباد على عجل (3 مايو الجاري) على رأس وفد ضم امنيين وعسكريين لمعالجة الاشكالات الحدودية، لكن تولي العسكر في إيران تهديد باكستان، يعكس قناعة في طهران أن دورا ما تلعبه وستلعبه باكستان من ضمن ذلك التحالف الاميركي الاقليمي الذي تُرسم ملامحه ضد إيران.

في طهران من يعتبر أن الجماعات المسلحة التي تنشط في بلوشستان داخل الاراضي الباكستانية هي جزء من مخطط خارجي لتأليب الاقليات الاثنية داخل إيران، وأن الهجمات التي تقوم بها هذه الجماعات تمثّل حربا بالوكالة يخوضها "أعداء الجمهورية الاسلامية" في العالم. وعليه، ووفق هذا التقييم، بدأت إيران تشعر أن الحرب تنتقل إلى داخل إيران، تماما كما لمّح الأمير محمد بن سلمان في مقابلته الاخيرة مع الزميل داود الشريان بـ "أننا لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سوف نعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران".

المسألة هذه المرة بالنسبة لإيران، لا تتعلق بأعمال تقوم بها جماعات "خارج السيطرة"، لكنه تفصيل آخر يصبّ زيتا على نار علاقات متوترة بين إيران وباكستان، منذ أن سمحت اسلام أباد، وفق ما أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، للقائد السابق للجيش الباكستاني الجنرال المتقاعد رحيل شريف الحكومة بأن يصبح قائدا للتحالف العسكري الإسلامي الذي أعنته السعودية والذي يضم 39 بلدا.

جهدت باكستان لتفادي الحرج مع إيران بطلب ضم إيران لهذا التحالف، لكن رد الرياض كان حاسما وسلبيا في هذا الصدد، تاركا للجانب الباكستاني معالجة أمر "حرجه" مع طهران. تحفظت إيران على أمر تعيين شريف ونُقل عن السفير الإيراني لدى باكستان مهدي هوناردوست، قوله إن طهران أبلغت إسلام أباد رسميًا، بأن لديها ملاحظات حول موافقة الأخيرة على تعيين شريف في هذا المنصب، دون توضيح هذه الملاحظات.

"لا يُلدغ المرء من جحر مرتين (...) ونعرف أننا هدف رئيسي للنظام الإيراني". هذه كلمات محمد بن سلمان، تأتي لتضاف إلى إفادة خطيرة أدلى بها، في أبريل الماضي، الجنرال الأميركي جوزيف فوتيل، الذي يقود القيادة الوسطى، والذي تقع في نطاق مسؤولياته 21 دولة في آسيا وإفريقيا، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب في الكونغرس، قال فيها أن إيران مصدر رئيس لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

ذهب الرجل أبعد من ذلك. قال إنه يتطلب من قيادة البنتاغون توحيد الموقف مع الرئيس دونالد ترامب بخصوص إيران، والاستعداد لاستخدام تدابير عسكرية ضد هذا البلد، الذي تواصل قيادته "وضع العقبات المختلفة أمام حركة القوات المسلحة الأميركية في الشرق الأوسط". لم تعد إيران في الأعراف الأميركية قوة يجب استيعابها بتوقيع اتفاق نووي معها وفق "عقيدة" أوباما، بل خطرا على أمن الولايات المتحدة وحراكها العسكري في العالم، وفق فقه ترامب.

تتوجس إيران من خطط لدى خصومها لنقل الحرب إلى داخل حدودها ردا على تمددها المفرط خارج هذه الحدود. وإذا ما تغيب أية تصريحات أو تلميحات أميركية أو سعودية عن دعم للأقليات الاثنية في الداخل الإيراني أو للمعارضة الايرانية في الخارج، إلا أن مشاركة الأمير تركي الفيصل، الرئيس السابق للمخابرات السعودية والسفير السابق للملكة في لندن وواشنطن، في مؤتمر "مجاهدي خلق" في باريس في يوليو الماضي، أثار أسئلة كثيرة عن خطط سعودية لدعم المعارضة الإيرانية، لا سيما في ما ذهب إليه الفيصل في عبارته "أنا أريد إسقاط النظام".

لا يمكن البناء على مواقف تركي الفيصل الذي لطالما يردد أن مواقفه شخصية لا علاقة لحكومة بلاده بها، لكن لا يمكن إلا تأمل الحدث والموقف وشخص من أصدره، قبل عام، للتساؤل حول تفاصيل استراتيجية الرياض حيال الخطر الإيراني، لا سيما إذا ما عُطف ذلك على تصريحات محمد بن سلمان، بعد عام، عن نقل الحرب إلى إيران.

تأخذ طهران أمر ذلك على محمل الجد دون البحث عن تأويلات للتصريحات والمواقف. صدر الموقف السعودي عن وزير الدفاع فكان رد نظيره الإيراني عاجلا. وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان يعتبر نقل الحرب إلى إيران "حماقة" وإيران لن تُبقي أي مكان آمنا في السعودية باستثناء الأماكن المقدسة إذا ارتكبت هذه الحماقة.

اختارت إيران أن يرد وزير دفاعها من على قناة المنار التابعة لحزب الله للإيحاء بامتداد طهران في المنطقة وبالإمكانات والاساليب واللوازم التي تمتلكها للرد على السعودية. بيد أن الأدوات الإيرانية تبقى هزيلة إذا ما قورنت بجهد باكستاني مزعوم للضغط على النظام الإيراني من خلال دعم حراك البلوش في إيران الذين يحظون بدعم البلوش في الجهة المقابلة من الحدود.

على أن انخراط باكستان في الصراع مع إيران من منطقة البلوش الباكستانية سيسبب احتكاكا مع الصين التي تستثمر حوالي 56 مليار دولار في البنى التحتية ومشاريع الطاقة في نلك المنطقة، ناهيك عن المشاريع المتعلقة بمرفأ غوادر. ولا تود الصين، التي تحاول كباكستان الحفاظ على توازن في العلاقة بين إيران والسعودية، أن تتعرض استثماراتها لمخاطر أي صراع، كما لا تود ان تضطر إلى الخيار بين طهران والرياض في أي احتمال تفاقم أي صراع بينهما.

واللافت أن بكين لم تبد أي الحاح في انتقاداتها لباكستان في هذا الصدد، فهي منعت أواخر ديسمبر الماضي، بطلب باكستان، الامم المتحدة من إدراج مسعود أزهر، زعيم إحدى الجماعات الباكستانية، والذي تعتبره الهند ارهابيا، على لائحتها السوداء، علما أن أنباء تتحدث عن قرب أزهر من أجهزة المخابرات الباكستانية. بهذا المعنى فإن التعقد الآسيوي ينخرط في الصراع مع إيران على نحو سيتطلب موقف الصين وباكستان كما موقف الهند ودول أخرى.

ولا ريب ان قبول رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف الدعوة التي وجهتها السعودية لحضور القمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثناء زيارته المقبلة للسعودية سترفع من منسوب التوتر الايراني الباكستاني. ذلك أن لبّ ذلك الاجتماع يبحث وسائل جماعية مشتركة اميركية عربية واسلامية لمحاصرة إيران وتقويض نفوذها.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>