First Published: 2017-05-12

الوحدة اليمنية ضرورية... ولكن!

 

بقاء الوحدة ضروري، ولكن كيف العمل من اجل إيجاد صيغة جديدة لليمن؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لا يختلف عاقلان على ان الوحدة اليمنية التي أعلنت في مثل هذه الايّام قبل سبعة وعشرين عاما، كانت في ظروف معيّنة ومرحلة محدّدة مخرجا للشمال والجنوب في الوقت ذاته. في الأشهر التي سبقت اعلان الوحدة في الثاني والعشرين من ايّار ـ مايو 1990، لم تعد من خيارات أخرى غير الذهاب في هذا المشروع السياسي الى النهاية، علما انّ قياديين كثيرين في الجنوب نادوا وقتذاك بضرورة التريّث. دعا هؤلاء الى تفادي الذهاب مباشرة الى الوحدة الاندماجية التي ازالت كلّيا الكيانين السياسيين المسمّيين "الجمهورية العربية اليمنية" و"جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية".

لكنّ الواضح ان علي سالم البيض، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في الجنوب وقتذاك، كان يدرك انّ الوحدة على مراحل ستعني العودة الى المماطلة والاخذ والردّ وجولات طويلة من المفاوضات في وقت لم يكن الوقت يسمح بذلك. امّا وحدة او لا وحدة. ذلك كان الموقف، باختصار شديد، في مرحلة ما قبل رفع علم "الجمهورية اليمنية" في احتفال أقيم في عدن تصدّره كل من علي عبدالله صالح والبيض.

هل يمكن القول بعد سبعة وعشرين عاما على الوحدة اليمنية انّها لم تجلب لليمنيين سوى الويلات وانّ الوقت حان للعودة عنها؟ في الاصل، هل يمكن العودة عن الوحدة بسهولة، كما يتصوّر بعضهم؟

تصعب الإجابة عن هذا السؤال، خصوصا انّ تجربة الدولة المستقلّة في الجنوب كانت فاشلة الى حدّ كبير. كانت فاشلة الى درجة يستحيل الدفاع عنها نظرا الى انها كانت سلسلة من الحروب الداخلية والانقلابات الدموية كان لا بدّ من وضع حدّ لها بطريقة او باخرى. اكثر من ذلك، كانت تلك الدولة نتاج الحرب الباردة. انتهت دولة الجنوب مع انتهاء الحرب الباردة، بل كانت مؤشرا الى انتهاء الاتحاد السوفياتي الذي استثمر فيها طويلا، بل طويلا جدّا. سقط جدار برلين في تشرين الثاني ـ نوفمبر 1989 وأعلنت الوحدة اليمنية في مثل هذه الايّام من العام 1990.

ليس اسهل من عرض تاريخ "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية" للتأكّد من فشل تلك الدولة التي كانت كلّ شيء باستثناء انّها "ديموقراطية". يكفي ان النظام الذي قام في الجنوب، مباشرة بعد ابعاد اول رئيس للجمهورية للدولة التي استقلت في العام 1967، تحوّل الى نظام الحزب الواحد. تكفّل النظام بتهجير كلّ العقول من كلّ المحافظات التي كانت تتألّف منها "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية" السعيدة الذكر.

ما لا يمكن تجاهله انّ الوحدة اليمنية سمحت في بدايتها بقيام نظام تعدّدي في اليمن وبوضع دستور حديث، كان يمكن ان يكون افضل بكثير، لولا اعتراضات الاخوان المسلمين ومن لفّ لفّهم من قوى لم تخف يوما انّ هدفها الوصول الى السلطة، بايّ ثمن كان، خصوصا عن طريق استغلال المشاعر الدينية عند شعب مؤمن مثل الشعب اليمني. الاهمّ من ذلك كلّه ان الوحدة اليمنية انهت حروبا بين الشمال والجنوب وتوترا مستمرّا على طول الحدود بين البلدين المستقلّين. فوق ذلك، توقفت مزايدات الشماليين على الجنوبيين ومزايدات الجنوبيين على الشماليين. لولا الوحدة، لما كان في الإمكان الانتهاء يوما من ترسيم الحدود اليمنية – العُمانية ولا الحدود اليمنية – السعودية.

حتّى بعد حرب صيف العام 1994 وما تلاها من مظالم لحقت بأهل الجنوب، بقي هناك امل في اصلاح الوضع اليمني انطلاقا من المركز، أي من صنعاء. ما لا مفرّ من تكراره انّ المجموعة المحيطة بعلي عبدالله صالح لم تكن وحدها مسؤولة عن الحرمان الذي لحق بالمحافظات الجنوبية. كان هناك إسلاميون متطرّفون، شاركوا في حرب صيف 1994، اعتبروا ان عليهم تغيير طبيعة المجتمع في الجنوب اليمني نحو الاسوأ. وهذا ما حصل بالفعل.

في 2017، وبعد انهيار المركز في صنعاء وبعد تشظي اليمن، لم يبق من الوحدة سوى الكيان اليمني. من الضروري المحافظة على الكيان، على الرغم من كلّ الأصوات التي ترتفع من هنا او هناك، على غرار ما حصل في حضرموت قبل فترة قصيرة. فالكيان اليمني بشكله الحاضر جزء من التركيبة الإقليمية والمساس به يمكن ان يؤثر على الوضع الإقليمي ككلّ. لكن ذلك يجب ان لا يمنع البحث عن حلول خلّاقة لليمن في ضوء انهيار الصيغة التي كانت تتحكّم بالبلد منذ سعى الاخوان المسلمين الى قلب نظام حكم علي عبدالله صالح. استغل هؤلاء "الربيع العربي" لقلب علي عبدالله صالح، من دون ان يعني ذلك بايّ شكل ان نظامه كان مثاليا وبعيدا عن الفساد. ولكن ما لا يمكن القفز فوقه في نهاية المطاف هو انّ الصيغة التي حكمت اليمن انهارت في العام 2011 وتأكد انهيارها مع محاولة اغتيال الرئيس اليمني السابق والمحيطين به في مسجد النهدين، داخل حرم دار الرئاسة، في الثالث من حزيزان ـ يونيو 2011.

ماذا بعد انهيار الصيغة وسيطرة الحوثيين (انصار الله) على صنعاء في أيلول ـ سبتمبر 2014؟ مثلما كان خيار الوحدة واضحا في 1990، فانّ الخيار الواضح الآن، بعدما وضعت "عاصفة الحزم" حدّا للتمدد الايراني، يتمثّل في تطويق منطقة سيطرة "انصار الله" المتحالفين ظرفيا مع علي عبدالله صالح. لا مفرّ من تحرير الشريط البحري وصولا الى الحديدة وميدي وذلك بعد تحرير المكلا وعدن والمخا. لا مفرّ أيضا من بذل جهود كبيرة لاعادة الوضع الى طبيعته في كلّ الأراضي التي خرج منها "انصار الله". بقاء الوحدة ضروري، ولكن كيف العمل من اجل إيجاد صيغة جديدة لليمن؟ ان إيجاد هذه الصيغة يبدو اكثر من ضروري، انّه في مستوى اهمّية المحافظة على الكيان اليمني الموحّد. هذا لا يعني تجاهل مشاكل كبيرة من نوع وضع مدينة كبيرة في اهمّية تعز تعاني الامرّين منذ سنوات عدّة.

ثمّة حاجة الى نقلة نوعية في النظرة الى اليمن. كيف إعادة تشكيل البلد من دون تناسي ان مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد قبل سنوات عدّة اقرّ باليمن "دولة اتّحادية". ولكن هل من منطقة استطاعت فيها "الشرعية" القائمة تقديم نموذج عمّا يمكن ان يكون عليه احد الأقاليم اليمنية مستقبلا؟

بكلام أوضح، هل استطاعت "الشرعية" تقديم نموذج واحد لمنطقة آمنة بالفعل؟ هل من فكرة جديدة قدّمتها "الشرعية" باستثناء الكلام العام الذي لا ترجمة له على الأرض؟

آن أوان التفكير بطريقة مختلفة في شأن مستقبل اليمن. آن أوان التفكير في كيفية الانتقال الى مرحلة ما بعد انهيار الصيغة التي تحكّمت بالبلد طويلا، أي منذ وصول علي عبدالله صالح الى السلطة في العام 1978. هناك، بكلّ بساطة، يمن جديد يبحث عن صيغة جديدة منذ اليوم الذي دار فيه الصراع بين علي عبدالله صالح وخصومه داخل اسوار صنعاء، بما مهّد لدخول "انصار الله" العاصمة وإعلان قيام "الشرعية الثورية" فيها.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
الانتصار على لبنان عبر المتاجرة بالقدس
2017-12-13
من صنعاء... الى جنوب لبنان
2017-12-11
قمة الكويت... فرصة لمجلس التعاون
2017-12-10
ما سقط مع علي عبدالله صالح
2017-12-08
الفصل الأخير الذي لم يكتبه علي عبدالله صالح
2017-12-06
ايران ووقاحة البقاء في سوريا
2017-12-04
الاستقلال... فرصة ضائعة في الجنوب اليمني
2017-12-03
كذبة اسمها 'سلاح حماس'
2017-12-01
العالم كلّه في أبوظبي
2017-11-29
محمد بن سلمان وسعد الحريري... ولبنان وايران
2017-11-27
المزيد

 
>>