First Published: 2017-05-15

مفيد الحالمي: الأحكام الجمالية تتنوع وتتباين وتختلف وفقاً للمعايير والاشتراطات

 

الأديب اليمني يرى أن اللجوء إلى أدوات التجميل يعد سلوكاً غريباً لا جدوى منه سوى زيادة نسبة القبح لدى القبيحات وانخفاض سقف الجمال لدى الجميلات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

كل مقالة في هذا الكتاب هي نواة لبحث كامل

يتناول هذا الكتاب "ثقافة الزهور" للأديب والشاعر اليمني مفيد الحالمي قضايا البيئة المتنوعة كالتغير المناخي، والاحتباس الحراري، والتنوع البيولوجي، والتشجير، ومكافحة التصحر، ومكافحة التدخين، والمياه، والتنمية المستدامة، والطاقة المتجددة، والانقراض، والمرأة والبيئة، الرياضة والبيئة، الجريمة والبيئة، الشعر والبيئة، الحب والبيئة، الدين والبيئة، الفن والبيئة، الجمال والبيئة، وغيرها من القضايا التي تؤكد أن البيئة هي الوجه الآخر لكل مفاصل الحياة، وذلك من خلال رؤية مثقف وشاعر ومتخصص، لتتخلل الكتاب القصائد الشعرية والرؤى القصصية والبحث التاريخي والتحليل الفلسفي.

وقد حظي الكتاب بمقدمتين أولها للشاعر عبدالعزيز المقالح والثانية للقاص محمد عبدالوكيل جازم، وتوطئة للمؤلف أكد فيها أن فكرة الكتاب تكمن في كونه سيكون مرجعاً رئيسياً، وملخصاً قوياً جامعاً نافعاً ودليلاً أمثل لكل من يريد تشكيل الحد الأدنى من الثقافة البيئية.. وهي الثقافة الوقائية الحتمية التي يجب أن يتسلح بها كل إنسان علی وجه البسيطة. وبالتالي فهذا الكتاب يكتسب أهميته من أهمية القضية التي يتناولها "حماية البيئة والتنمية المستدامة".. وهي القضية التي باتت تتصدر أجندة دول العالم.

وتميز الكتاب الصادر عن مؤسسة أروقة للنشر والترجمة والدراسات وتفرد علی سائر الكتب البيئية بكونه يقدم البيئة علی طبق من أدب ويقدم الأدب في طبق بيئي.. يتحدث عن البيئة بإسلوب تعبيري شاعري، وهو أسلوب ابتكاري يحقق الغاية التوعوية المنشودة منه التي تمثل الجزء الأكبر من حل المعضلة البيئية الناجمة عن غياب الوعي البيئي.. أي بعيداً عن اللغة العلمية الروتينية الباعثة علی الملل والرتابة وبهذا المعنی.

ولفت الحالمي أن كتابه ينعقد له قصب السبق في تقديم المعلومة البيئية الصحية العلمية بطريقة أدبية شعرية "هي الطريقة الابتكارية التي مثلت عقد قرآن الأدب علی البيئة وإتمام عملية التزاوج بينهما. وهذا لا يعني أننا أول من عرَّف البيئة إلى الأدب والأدب إلى البيئة وأول من كان له الفضل في إنشاء العلاقة بينهما.. فالعلاقة بينهما كانت قائمة قبل ودون تدخلنا بيد أن الفضل الذي ندَّعيه يكمن في أننا أول من نقل هذه العلاقة من دائرة العشق السري غير المعلن "علی استحياء" إلی دائرة الزواج المعلن المتوج بمباركة الجميع وبإشهار رسمي.. وهو الاقتران النوعي الذي تحقق من خلال العديد من المقومات أبرزها مايلي: التعبير عن القضايا البيئية بلغة أدبية شاعرية.. وهي الطريقة الابتكارية المغايرة للمألوف. جمع وتوثيق الرسائل الغرامية السابقة التي كانت بينهما وتأطيرها في إطار توثيقي رسمي يشكل مرجعاً خلفياً وأساساً تدشينياً لـ "الأدب البيئي" ناهيك عما يكتب في الفعل المضارع، وما سيكتب في قادم الزمن الذي سيشكل مادة خصبة حيوية ناجعة للعمل التوعوي البيئي الذي يشكِّل النصف الآخر لحل المعضلة البيئية".

وأشار إلى أن كل مقالة في هذا الكتاب هي نواة لبحث كامل، بل لكتاب مستقل لذات الموضوع الذي تتحدث عنه المقالة.. ورغم أن لديَّ معضلة دائمة أعاني منها وهي أن كل مقالة أزمع كتابتها أجدها في النهاية "كتاباً".. أقصد من حيث الحجم.. إلا أني بذلت الجهد في سبيل اختزال كل موضوع لإخراجه بحجم المقالة لأن طبيعة هذا الكتاب تقتضي باقة من المقالات المتنوعة التي تتعاضد وتتراص مع بعضها جنباً إلى جنب لتشكل في مجملها ثقافة بيئية كافية.. أو على الأقل النواة الرئيسة الأصلية لكل من يريد أن يكوِّن لنفسه ثقافة بيئية أصيلة يستطيع من خلالها أن ينطلق ويتوسع ويضيف ويثري منطلقاً من أرضية صلبة.

أي لأن غاية الكتاب هو تشكيل ثقافة بيئية عامة وإجمالية.. وبالتالي فإن الإسهاب في كل موضوع إلى حد تحويله إلى كتاب من شأنه أن يعيق تحقيق الهدف والحيلولة دون ما نصبو إليه.. بل ربما كان سيغتال أحد أبرز خصائص الكتاب الذي نأمل أن يؤسس لعلاقة وطيدة تربطكم بالزهور والعصافير والأشجار والأنهار وكل مكونات الجمال.

وقال الحالمي "إن العلاقة بين الفن والبيئة هي علاقة بائنة بينونة كبری إذ أن الفن هو نجل البيئة.. فالأغنية التي تنتشر بين الناس كانتشار النار في الهشيم. إنما تلاقي هذا الرواج لأنها تأتي معبرة عن لواعج الصدور التي تعتمل في مجتمع تكتنفه بيئة معينة. لتبوح بما لا يمكن البوح به إلا عبر وسيلة فنية جمالية وأسلوب تعبيري لا يخلو من حسن المبنى وبلاغة المعنى المنبثقة من ثنايا البيئة. لذلك.. يصنَّف الفن الغنائي إلی ألوان فيقال اللون الغنائي الصنعاني واللون التعزي واللون التهامي، إلخ.. هذا علی الصعيد المحلي، وينسحب هذا التوصيف علی مستوی جغرافي أوسع إقليميا ودولياً".

ورأى أنه إذا كان علم الجمال البيئي حديث العهد من حيث الظهور. فهذا لا يعني أنه جديد ولم يكن موجودا من قبل، وقال "هو قديم قدم الأزل وموجود منذ بدء الوجود بطبيعة الحال.. كما أنه مستمر ومتنام مع استمرار الحياة إلى ما شاء الله.. بالتالي فإن العيب يكمن في تأخر الاكتشاف الإنساني لهذا العلم الموجود أصلاً من قبل تاريخ اكتشافه بفارق مديد مقداره كل المسافة الزمنية الفائتة من عمر الحياة.

يتلاشى هذا الفارق إذا ما أدركنا، بقليل من التمعن، وأحدية العلمين القديم والحديث (علم الجمال التقليدي وعلم الجمال البيئي).. إذ يغدو الاكتشاف مجرد إضافة تخصصية فرضتها ظروف بيئية أكثر ضرورة للفت النظر صوب أهمية نوعية في حدها الأقصى كمحاولة جديدة وجادة للكشف عن مكامن الجمال في كافة الثقافات واستنطاقه وإخراج مكنوناته.. مع أهمية التنويه بأن الإضافة التخصصية هنا ليست فرعية ضيقة محدودة، بل واسعة جداً وأكثر شمولية وجامعة لكل المناحي بحيث غدت هي الحاضنة لما سبقها ولما سيلحقها ولما هو راهن.

وبذلك فهي ليست متفرعة عن علم الجمال العادي، إنما هي امتداد أكثر اتساعاً له.. مثلما أن علم الجمال ذاته مُنذ بدايته هو امتداد للمحاولات البشرية العتيقة التي قامت قبل ذلك بعمر تاريخي كبير من قبل الفلاسفة والمفكرين الكبار أمثال سقراط، شوبنهاور، كانط، هيغل... إلخ من أجل الحصول على إجابة مقنعة لقلقهم الجمالي إن صح التعبير".

وأكد أن الأحكام الجمالية قد تكون مكيَّفة ثقافياً إلى حد ما.. نجد مثلاً أن الكثيرين في بريطانيا (الفيكتوريين) كانوا يرون فن النحت الإغريقي شيئاً قبيحاً، ولكن بعد مرور عقود قليلة رأت الجماهير الادويرية أن نفس الفنون النحتية شيء جميل. وبالتالي الحكم على القيمة الجمالية يمكن ربطه بالأحكام الاقتصادية أو السياسية أو الأخلاقية وغيرها كشخص يحكم أن سيارة (لامبورغيني) جميلة ويرجع ذلك إلى كونها مرغوبة ورمزاً للحالة، أو قد نحكم أنها جزئياً مثيرة للاشمئزاز لأنها تمثل لنا الإفراط في الاستهلاك أو أنها تسيء للسياسة أو القيم الأخلاقية. وبالمثل قد تكون الأحكام الجمالية في الكثير من المجالات عرضة للشرط الثقافي القادم من طبيعة ونوع البيئة التي تكتنفها وعرضة لعوامل كثيرة تتدخل في صناعة الإدراك للقيمة الجمالية.. فمن وجهة نظر بيئية محضة يرى العلماء أن قتل نمر نادر مهدد بالانقراض من قبل ثلة من الأشخاص هو عمل قبيح. بل جريمة بشعة في حق الحياة والطبيعة والجمال كمكون رئيسي من مكونات التوازن البيئي. بينما في ذات الوقت لم يقدم من قاموا باقتراف هذه الجريمة على قتله إلا لأنهم يرون، حسب ثقافتهم المفتقرة للوعي، في هذا الفعل عملاً بطولياً.. والبطولة طبعاً سمة جميلة غير أن استخدامها هنا المتمثل في إثبات القوة هو استخدام خطأ في حقيقة الأمر. أي في غير محله. مما حوَّله إلى عمل غير جميل.

ووأوضح الحالمي أنه في الذاكرة الشعبية اليمنية يروى أن (القردعي) وهو شخصية بطولية تاريخية، رفض أبوه الاعتراف ببطولته إلا بعد أن يأتيه برأس النمر، وفعلاً نفذ توجيهات أبيه غير البيئية لتتحول حادثة قتل القردعي للنمر في الموروث التاريخي من أبرز شواهد بطولته المغلوطة في تكريس مناقض للرؤية البيئية التي تؤكد ضرورة الحفاظ على حياة النمر والتي نجزم بأن الجمال الصحيح يكمن في حرصنا على حماية أي كائن حي لأن غيابه يعني حتماً غياب أحد عناصر اللوحة أو المنظومة الإيكولوجية الجميلة. وكذا فقدان فوائده البيولوجية الجمة مما يترتب عليه إخلال بالعلاقة التكاملية للعناصر التي تشكل في مجملها البيئة الجميلة شكلاً ومضموناً.

وبالمثل.. يرى الكثير من العائلات أن قتل الوزغ (أبو بريص) الذي يتواجد غالباً على الأسطح الخارجية للنوافذ يعني تنظيف المنزل من حيوان طفيلي قذر لا مجال لوجوده، أو حتى لفكرة القبول بوجوده. فيما يراه المتسلحون بالوعي البيئي كائناً ضرورياً ومفيداً وجميلاً لا يستمد جماله من شكله. بل من إدراكهم لفوائده العظيمة ودوره الحيوي المهم. فهو علمياً من أهم الكائنات الصديقة للبيئة إذ يقوم بتخليص المنزل من شتى الحشرات الضارة التي تحاول التسلل إلى أرجائه.

وأضاف "أن إدراك الأحكام الجمالية تتنوع وتتباين وتختلف وفقاً للكثير من المعايير والاشتراطات والمحددات المختلفة. حتى أدوات التجميل نفسها التي تحرص النساء على اقتنائها حد الهوس الذي يجعل منها مكوناً رئيسياً في العوالم النسائية.. يرى البعض "وأنا منهم" أن اللجوء إليها يعد سلوكاً غريباً لا جدوى منه سوى زيادة نسبة القبح لدى القبيحات وانخفاض سقف الجمال لدى الجميلات جراء تشويه ملامحهن الطبيعية البديعة بهذه المساحيق القبيحة التي جرت العادة فقط على تسميتها "أدوات التجميل". فيما الواقع أنها ليست اسما على مسمى، بل على النقيض من ذلك تماماً أي "أدوات تقبيح" إن جاز التعبير.. أنا شخصياً أرى أن المرأة بملامحها الطبيعية جميلة جداً. حتى إذا رأيتها ملطخة بالمكياج أصابني الغثيان لفرط قبحها.. وهنا نكتشف أنه ليس هنالك أي معنى لدور "المكوفره" سوى أنها تبيع الوهم للوجوه القبيحة".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
حسين نشوان يقرأ تجليات المشهد الأردني شعرا وسردا
2017-07-21
الهولندية مينيكه شيبر تستكشف الجسد البشري مخفيا باحتشام أو مرئيا على نحو فاضح
2017-07-20
دلال عنبتاوي تقرأ تجليات المكان رؤية وتشكيلا في شعر إبراهيم نصرالله
2017-07-19
باحث أردني يؤكد أن عنصر الانتقام كان أساسيا في بنيان الحكاية الشرقية
2017-07-17
عبير عبدالحافظ تترجم وتحلل عالم خوسيه ماريا ميرنيو
2017-07-16
الرشيد بوشعير يقرأ صوفية المسعدي وسيرة منيف
2017-07-14
غادة نصار تحلل أثر الفضائيات على التربية الجنسية
2017-07-13
القاهرة تحتفي بـطبعة ثانية من 'أصوات في الثقافة السودانية'
2017-07-12
باحث مغربي يطبق منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم على سورة البقرة
2017-07-10
شعراء ونقاد أردنيون يحتفون بتجربة الشاعر والروائي الراحل علي فودة
2017-07-09
المزيد

 
>>