First Published: 2017-05-15

إضاعة الفرص.... هواية وطنية لبنانية

 

آن أوان ان يفكّر اللبنانيون ان العالم لا يدور حول بلدهم الصغير.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ان يتلهى اللبنانيون بأوضاعهم الداخلية شيء والسعي الى رؤية الصورة الأكبر، أي ما تشهده سوريا والاقليم كلّه شيء آخر. صارت إضاعة الوقت وتفويت الفرص هواية وطنية منذ غرق اللبنانيون في أواخر ستينات القرن الماضي في حروبهم الداخلية وحروب الآخرين على ارضهم. لم يتبلور، للأسف الشديد، لدى معظم القيادات السياسية اللبنانية ولدى المواطنين العاديين فهم يسمح بالربط بين ما يجري في الداخل من جهة وما يدور في الشرق الاوسط من جهة أخرى.

على سبيل المثال وليس الحصر، لم تستوعب معظم القيادات المسيحية والاسلامية معنى بقاء لبنان خارج حرب العام 1967 وكيف المحافظة على هذا الإنجاز بدل الذهاب في لعبة الحلف الثلاثي المسيحي الذي انجرّ اليه شخص يرمز الى الاعتدال والحكمة والتعقل مثل ريمون ادّه. صحيح انّه كانت لكميل شمعون حسابات ذات طابع شخصي كان يريد تصفيتها مع الشهابية التي سعت الى الغائه، لكن الصحيح ايضا انّه لم يكن منطقيا ان يخرج حزب الكتائب من تحت عباءة الشهابية بعدما كان من أعمدة النهج الذي خطّه فؤاد شهاب بعد العام 1958. قام هذا النهج على بناء مؤسسات حديثة لدولة لبنانية تأخذ في الاعتبار الحاجة الى العدالة الاجتماعية والتنمية التي تشمل كلّ المناطق.

اخذ نهج فؤاد شهاب في الحسبان صعود "الناصرية"، نسبة الى جمال عبدالناصر الذي مثّل ظاهرة مخيفة مهّدت لتولي حزب البعث السلطة في سوريا والعراق، بل في العراق قبل سوريا، في مرحلة بدء توريط المنطقة في هزيمة 1967 واغراقها في بحر المزايدات والشعارات الفارغة التي أوصلت العراق وسوريا الى ما وصلا اليه الآن.

غابت عن القيادات اللبنانية، في معظمها، تلك الثقافة التي كانت تسمح بالربط بين الداخلي والإقليمي. زاد غياب هذه الثقافة مع مرحلة ما بعد 1967 وتركيز النظام السوري، حيث كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع، على نقل المسلّحين الفلسطينيين الى لبنان وكأنّ الهدف الواضح للاسد الاب كان يتمثّل في الانتقام من لبنان تعويضا عن خسارة سوريا، هضبة الجولان... او تسليمها لها في ظروف لا بدّ ان تتكشّف يوما.

زاد العجز عن فهم المعادلة الإقليمية وكيف يمكن ان يذهب لبنان ضحيّتها تدفق المقاتلين الفلسطينيين على جنوب لبنان وعلى المخيمات المنتشرة في كلّ المناطق واضطرار لبنان الى توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969 بسبب عوامل عدّة. من بين هذه العوامل الضغوط الذي مارسها الشارع السنّي على رئيس الجمهورية شارل حلو، وكان رئيسا ضعيفا. كان رأس الحربة في هذه الضغوط رئيس الوزراء رشيد كرامي الذي لم يقدّر خطورة التنازل عن السيادة على جزء من الأرض اللبنانية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لم يقف سوى زعيم مسيحي واحد، هو ريمون ادّه ضدّ اتفاق القاهرة. كان ريمون اده من طينة مختلفة عن الزعماء الموارنة. لم يكن مستعدا للتنازل عن ايّ من المبادئ التي يؤمن بها من اجل رئاسة الجمهورية. لم يكن في حاجة الى رئاسة الجمهورية كي يصبح شيئا وكي يدخل افراد عائلته عالم المال والاعمال والصفقات... كان فوق ذلك كلّه. لذلك لم يقل الشيء وضدّه في اقلّ من اربع وعشرين ساعة. رفض كلّ العروض التي قدّمت له حفاظا على سمعته اوّلا وعلى اراحة ضميره ثانيا وأخيرا.

زاد العجز اكثر عن فهم المعادلة الإقليمية عند معظم الزعماء اللبنانيين عندما استولى حافظ الأسد على السلطة كلّها في سوريا ابتداء من خريف العام 1970. لم يستوعب سوى قليلين الى ايّ حد كان الأسد الاب مستعدا للذهاب في لعبة تدمير لبنان، خصوصا بعد حرب تشرين الاوّل ـ أكتوبر 1973، مستخدما المسلّحين الفلسطينيين والميليشيات المسيحية اللبنانية في البداية من اجل تحقيق مآرب خاصة تُنسي تسليم الجولان لإسرائيل في حزيران ـ يونيو 1967، أي قبل نصف قرن الّا بضعة ايّام.

لم يبدأ بعض المسيحيين في استيعاب ما هو النظام السوري الّا بعد تفرّغه كلّيا للبنان في اليوم الذي توصّل فيه الى اتفاق فكّ الارتباط في الجولان في العام 1974. لا يزال هذا العجز عن فهم الرابط بين لبنان ومحيطه سمّة تميّز معظم الزعامات اللبنانية، خصوصا المسيحيين الذين لم يعوا معنى حرب السنتين (1975 و1976) وابعاد اتفاق الطائف وإعادة بناء وسط بيروت وقبل ذلك معنى خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان وبدء حلول ميليشيا "حزب الله" المرتبطة مباشرة بايران مكانهم.

كان هناك في كلّ وقت غياب للقدرة على تقدير التوازنات الإقليمية واعتبار لبنان محور العالم. في الكتاب المهم الذي عنوانه "دوائر التدخّل" والذي يعرض تفاصيل العلاقات بين الولايات المتحدة ولبنان بين 1967 و1976، تتكشف كميّة السذاجة لدى زعماء مسيحيين كثيرين كان همّهم الأوحد الحصول على سلاح من اميركا لمقاتلة الفلسطينيين، في حين كان همّ الإدارات الاميركية المتلاحقة استرضاء النظام السوري ومنع أي صدام سوري ـ إسرائيلي... وصولا الى اليوم الذي اصبح فيه الجيش التابع للنظام السوري يسيطر على لبنان بغطاء دولي وعربي... وموافقة إسرائيلية.

آن أوان ان يفكّر اللبنانيون ان العالم لا يدور حول بلدهم الصغير. اكثر من ذلك، صار هذا البلد مجرّد تفصيل صغير مقارنة مع ما يدور في المنطقة ومع سقوط سوريا والعراق وتحولّهما الى مرتع لميليشيات تمارس عملية تطهير ذات طابع مذهبي تترافق مع تدمير المدن العربية الكبيرة الواحدة تلو الأخرى او وضع اليد عليها، كما يحصل في دمشق.

من المفيد ان يكون هناك وعي لأمر في غاية الاهمّية يتمثل في ان لا معنى لأي كلام هن "حقوق المسيحيين" في لبنان بوجود سلاح غير شرعي يحمله حزب مذهبي قراره في طهران. أي كلام عن هذه الحقوق من النوع المضحك ـ المبكي الذي يجعل من الخلاف على القانون الانتخابي بمثابة تأكيد لجهل اللبنانيين بما هو على المحكّ فعلا ليس في بلدهم فحسب، بل في المنطقة كلّها أيضا. عندما يكون هناك قانون انتخابي معمول به ولا تجري الانتخابات في ظلّه، في اليوم الذي يحل فيه موعد الانتخابات، فهذه مهزلة المهازل لا اكثر. انّ عدم اجراء الانتخابات في موعدها والدخول في خلافات في شأن القانون الجديد، دليل على ان اللبنانيين، في معظمهم، لم يتعلّموا شيئا من تجارب الماضي القريب. على العكس من ذلك، انّهم اكثر من أي وقت ضحية نظرية تقول: ان كل لبناني يعتقد ان العالم يدور حول لبنان. الحقيقة ان كلّ لبناني ينتهي بالدوران على نفسه لا اكثر ولا اقلّ.

عشتم وعاش لبنان وعاشت حقوق المسيحيين في لبنان.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>