First Published: 2017-05-18

في الطريق إلى اندونيسيا

 

مؤتمر في جاكرتا يذكرنا بمحورية الدور المصري في مواجهة التطرف.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

ربما لا يعرف كثيرون ماذا يجري بالضبط في اندونيسيا البلد الإسلامي الكبير، ولماذا يصر قادتها على التمسك بالنموذج المتسامح للإسلام؟ وكيف تحاول بعض الدول جرها إلى التطرف وحشرها في مربع الإرهاب؟ وما هو الدور الذي تلعبه جمعية نهضة العلماء؟ ولماذا تصر بعض القيادات هناك على الاهتمام بمصر وتجربتها القاسية مع المتشددين؟

أسئلة كبيرة ومختلفة دارت في ذهني عندما سافرت إلى جاكرتا لأول مرة منذ عامين، وساعدتني التجربة على فهم جوانب متعددة مما يدور في هذه الدولة التي تربطنا بها علاقات تاريخية وثيقة، لذلك عندما تلقيت دعوة لحضور مؤتمر دولي خلال الفترة من 18- 20 مايو الحالي، ضمن اهتماماته مناقشة ملف التطرف والإرهاب، لم أتردد في قبولها، خاصة أن الجهة المنظمة للمؤتمر (مجلس الدفاع الوطني) طلبت مني الكلام عما يحدث في مصر.

بالفعل أعددت بحثا ألقيه ضمن الجلسة المخصصة لهذا المحور بعد غد السبت، أتحدث عن تفاصيلها لاحقا، لكن ما أريد التركيز عليه مقدمات الرحلة ومفارقاتها، فمنذ قبول الدعوة، ولم ينقطع التواصل معي في كل كبيرة وصغيرة تقريبا، من القاهرة وجاكرتا.

مجلس الدفاع الوطني في اندونيسيا، لازمني خطوة بخطوة، والعقيد جابينسون بوربا أمين المنتدى الجيوسياسي، الذي كان حلقة الوصل معي، أصبح عندي رمزا للانضباط، بدءا من حجز شركة الطيران التي أرغب في استخدامها من القاهرة إلى دبي ومنها إلى جاكرتا، وحتى مقاس قميصي، ولهذه وتلك حكاية طريفة.

العقيد جابينسون خيرني بين استخدام شركة الطيران القطرية أو التركية، فاعتذرت له بدون توضيح السبب، وفهم ضمنيا الأبعاد السياسية، وبرر اختياره أن الطائرة في كليهما لن تمكث طويلا في فترة الترانزيت، لذلك فضل إحداهما لراحتي فقط، ولم يكن رفضي تعصبا أو تزيدا، لكن لعلمي أن هناك خطوطا أخرى قد تكون محببة وإن طال الترنزيت، فوافق الرجل على التغيير بسلاسة، ووجد شركة ثالثة قيل له أن البقاء في دبي لن يستغرق أكثر من ساعتين، فقبلت وشكرته على تفهمه للموقف.

يبدو أن الشركة التي سافرت عليها أرادت أن تنتصر لسيادة العقيد، من حيث لا يدري بالطبع، وعرفت بحدوث تغيير في موعد اقلاع الرحلة من دبي لجاكرتا قبيل سفري بساعات من القاهرة، وأنني سأمكث في دبي 12 ساعة بدلا من ساعتين، نعم أمضيت هذه المدة في فندق كبير، وتصورت أن لعنة جابينسون حلت علي، لكن الرجل ومعاونيه لم يتركوني لحظة، وحرصوا على التواصل معي حتى وصلت إلى جاكرتا، وهو ما جعلني لا أشعر بالملل.

عندما فاجأني جابينسون بالسؤال عن مقاس قميصي، اعتقدت أن هناك إجراءات معينة يجب أن تتبع مع الضيوف، كأن يتم ترتيب جلوسهم في المؤتمر حسب الحجم أو الطول، لكن لم يطل تفكيري، وأخبرني العقيد أن هناك حفلا يحضره مسئولون كبار في الدولة، والدخول بالملابس الرسمية، أي الزي التقليدي هناك، فارتاح قلبي قليلا، لأن الزي المزركش الذي أعرفه مقبول ولا يشبه زي السيدات كما يعتقد البعض عندنا، بمعنى ليس فيه ما يعيب الرجل.

اهتمام الجهة المنظمة لم يتوقف، حيث خصصت شخصا كضابط اتصال، بدأ بالفعل مهمته معي منذ أرسلت الموافقة على حضور المؤتمر، ويجيد العربية بطلاقة، وأخبرني أنه سيتولى الترجمة منها إلى الاندونيسية والعكس، وكان لطيفا للغاية في جميع الاتصالات الهاتفية والرسائل الاليكترونية، التي تشعر فيها بالأدب الشديد المعروف عن الشعب، ولم تتوقف السفارة الاندونيسية في القاهرة عن التواصل معي أيضا ومتابعة الرحلة وتذليل أي صعوبة تدور في ذهني.

اقترب موعد السفر، ولم تطلب السفارة جواز السفر للحصول على تأشيرة دخول اندونيسيا كالمعتاد، وتصورت أنني سأحصل عليها ليلة السفر، كما حدث في الزيارة الأولى، وقطعت الهاجس بسؤال مسئول في السفارة الاندونيسية، وأبلغني أن السلطات عندهم ألغت التأشيرة لـ 169 بينها مصر.

قبل السفر بأيام قليلة، اتصلت بالسفارة المصرية في جاكرتا من باب الاحترام والتقدير للسفير عمرو معوض، ولم يكن موجودا، فعاود الاتصال بي مشكورا، وعرفت أن لديه علم بتفاصيل المؤتمر الذي سألقي فيه المحاضرة، وكان الرجل مهذبا كعادة غالبية السفراء، وشدد على ضرورة أن نلتقي في جاكرتا، ولم يتوقف أحمد عيد المستشار بالسفارة المصرية هناك عن متابعة رحلتي، وتذليل كل المطبات والتنسيق مع الجهة المنظمة.

الرحلة من القاهرة إلى جاكرتا مرورا بدبي، كشفت عن أهمية التكنولوجيا في حياتنا، فمن خلالها تابعت زملائي في قسم الرأي بالأهرام، وتواصلت مع أسرتي الصغيرة في القاهرة، والجهة المنظمة في جاكرتا، كما أن الوقت الذي أمضيته في دبي مر بسرعة البرق، والتقيت عددا من الأصدقاء، عندما أرسلت رسالة قصيرة واحدة لأحدهم من المطار.

لم أكن مشغولا بالمؤتمر، فالورقة التي ألقيها تم إعدادها وترجمتها جيدا للإنجليزية، وأرسلت نسخة للجهة المنظمة، لكن انشغالي كان منصبا في الطريقة التي أرد بها على الحضور المتوقع من قبل التيار الإسلامي، فهناك طيف واسع من الإخوان والسلفيين المتطرفين لديهم صورة زائفة عما يدور في مصر، وقد واجهته في المرة السابقة، ومعظم المعلومات التي ساقها أنصار هؤلاء وهؤلاء كانت مغلوطة وخاضعة لرؤية سلبية تروجها عن عمد قنوات الإخوان من تركيا والجزيرة من قطر.

عندما استشرت أحد الأشخاص العالمين ببواطن الأمور عن حضوري مؤتمر جاكرتا، شجع على تلبية الدعوة وعدد أهميتها، مع ملاحظة قال فيها "خذ حذرك ستواجه بتيار إسلامي متشدد له موقف سلبي من مصر"، بالتالي يجب أن تكون المعلومات جاهزة والرؤية الرصينة حاضرة ومنطقية، خاصة أن هذا التيار يلقى تعاطفا من بعض الجهات الغربية، التي تتعرض لدعاية مغرضة وتستجيب لها وتستقي منها معظم المعلومات.

هذه الكلمات كانت حافزا كبيرا لإعداد بحث يتناول الجهود التي تقوم بها الحكومة وأجهزة الأمن في مصر لمكافحة الإرهاب والتطرف، وحجم التقدم الذي حصل، وطبيعة الهزيمة العسكرية التي مني بها تيار العنف في سيناء وغيرها، ناهيك عن الخسارة السياسية الفادحة التي نالت تماما من شعبية الإخوان وأتباعهم من المتشددين، وكشف حقيقة خطابهم القاتم، لأنني أعلم أن الورقة ستقع في أيدي كثير من الباحثين والمسئولين الأجانب الذين يشاركون في مؤتمر جاكرتا.. وللحديث بقية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
المزيد

 
>>