First Published: 2017-05-22

باحث مصري: الخطاب الساخر امتداد لفكرة المقاومة السلمية غير العنيفة للقهر السياسي

 

محمد حسام الدين إسماعيل يركز في كتابه 'ساخرون وثوار' على ثقافة المقاومة المؤسسة على السخرية من قهر النظم السياسية لشعوبها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

اهتمامات متقاربة

ركز د. محمد حسام الدين إسماعيل في كتابه "ساخرون وثوار.. دراسات علاماتية وثقافية في الإعلام العربي" على ثقافة المقاومة المؤسسة على السخرية من قهر النظم السياسية لشعوبها، حيث يرى أن ثقافة المقاومة ليست حالة تستدعيها المجتمعات والشعوب في ظل الاحتلال فقط، إنما هي حالة اجتماعية ثقافية، تتعامل مع جميع شؤون الحياة والمواقف، وهي مورد اجتماعي بالغ الثراء تحافظ به المجتمعات على حريتها وحقوقها العامة، وتحمي بها العدالة والإصلاح، وتقاوم الفساد والاستبداد؛ فالديمقراطية لا تتشكل فقط في سلسلة من الإجراءات والانتخابات، لكنها تعبير عن رغبة الشعوب والأمم، وإصرارها على حكم نفسها بنفسها، وأن تكون بالفعل مصدر السلطات.

وقدم د. إسماعيل في كتابه الصادر عن دار العربي للنشر ثلاثية بحثية، ذلك إنه يقدم مجموعة من الدراسات ذات الاهتمامات المتقاربة والتي أنجزها المؤلف خلال أربعة أعوام امتدت من 2008 وحتى 2012 كان فيها متفاعلا مع ما يحدث في وطنه العربي الكبير ومع ما يحدث في بلده مصر من تحولات اقتصادية وسياسية وإعلامية.

وقد لفت إلى أنه بدأ التفكير في دراسة الخطاب الساخر حينما لاحظ زيادة كمية وتحولا نوعيا في الكتابة الساخرة في الصحف المصرية والتي تزامنت مع نهاية عهد الرئيس السابق حسني مبارك، هذه الفترة شهدت تزايدا في معدلات الفساد الاقتصادي والسياسي صاحبه ازدياد في حجم الكتابة الناقدة، وجاء داخلها الخطاب الساخر كنوع من المقاومة السياسية غير العنيفة لهذا الفساد، والتمعت أقلام شابة مثل بلال فضل وعمر طاهر وغيرهما، وازدادت نجومية أقلام من جيل الوسط بانتقالها من الصحافة الحزبية المتدهورة إلى الصحافة الخاصة الزاهرة وعلى رأس هذه الأقلام الكاتب الراحل جلال عامر الذي قضى أخر سنوات حياته والتي تزامنت مع فترة إجراء البحوث في تألق ساطع وكأنها أغنية البجعة الأخيرة.

الدراسة الأولى جاءت عن "علاقة استخدام السخرية في الأعمدة الصحفية بالمقاومة السياسية"، وعالج فيها الخطاب المكتوب أو النص المكتوب. ثم تزامن اهتمام الباحث بالنص المرئي الساخر متمثلا في الكاريكاتير مع تصاعد اهتمامه بالدراسات العلاماتية والثقافية، فقرر أن يخوض "مغامرة بحثية" بتطبيق مفاهيم هاتين المدرستين على الكاريكاتير الصحفي المصور لرجال الأعمال في مصر، هذه الرسوم الكاريكاتورية جاءت امتدادا لفكرة المقاومة السياسية السلمية بالخطاب، ونتيجة لهذا الاهتمام كانت دراسته عن "رجال الأعمال في خطاب الكاريكاتير: دراسة علاماتية وثقافية للصحف اليومية المصرية"، وهي الدراسة التي اقترب فيها من فن صحفي يجمع بين النص المكتوب والصورة المرسومة.

وفعلت التغيرات السياسية والاقتصادية فعلها في العالم العربي وجاءت بثورات الربيع التونسية والمصرية واليمنية والسورية التي غيرت المشهد السياسي والاقتصادي والإعلامي الذي نعيشه، واختلفت صحافة العالم العربي في اقترابها من هذه الثورات تشجيعا وخوفا، حبا ومقتا، وارتأى المؤلف أن ختم ثلاثيته البحثية بعمل يدرس "تمثلات وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في كاريكاتير الصحف العربية: دراسة حالة لثورة 25 يناير المصرية"، والذي أضاف فيه الجديد في الدراسات العلاماتية والثقافية في سياق إعلامي عربي وليس مصريا فقط.

وقال د. إسماعيل "كان لهذه الثلاثية منطق داخلي حاولت أن ينظّر له إذ تبدأ آلية (السخرية.. المقاومة.. الثورة) عندما يوافق الحاكم السياسي على إفساح مجال لحرية الرأي كنوع من التنفيس، ثم تتجمع العوامل التي تدفع للمقاومة على أساس من السخرية ومقاومة الإحباط والرغبة في الفعل، ثم ترد السلطة السياسية ردها الغشوم بقصف الأقلام ووأد الأصوات الداعية إلى الحرية، ومن ثم تؤلب الجماهير ضدها، ويكسب المقاومون تعاطفا وتشجيعا من كتلة من الجماهير منصرفة عن السياسة، عندها تلاحظ هذه الكتلة الصامتة مبلغ العنف المستخدم ضد من يقول كلمة حق عند سلطان جائر، وتتجمع عوامل الثورة في النفوس. فالسخرية بتراكمها الكمي تؤدي إلى ظهور الفعل الكيفي أو النوعي، ألا وهو المقاومة، ثم تتحول فعاليات ومظاهر المقاومة بتراكمها الكمي إلى الفعل المفارق النوعي، ألا وهو الثورة.

ورأى أن اللغة الطبيعية تختلف من حيث خصائصها وتوظيفاتها عن اللغة البصرية، وهذا ما أدى بالسيميائيين (العلاماتيين) إلى أن يجدوا حلا لهذا الإشكال الجوهري والدقيق لمشروعية دراسة سيميائيات الصورة، إذ نجد كيستيان ميتز أحد أكبر المشتغلين على سيميائيات السينما يقول في إحدى مقالاته: إن اللغات البصرية تقيم مع باقي اللغات علاقات نسقية متعددة ومعقدة، ولا أهمية لإقامة تعارض ما بين الخطابين اللغوي والبصري كقطبين كبيرين يحظى كل واحد منهما بالتجانس والتماسك في غياب أي رابط بينهما وهذا نابع من خصوصية كل خطاب، وكل رسالة.

وأضاف د. إسماعيل أن الرسالة اللسانية تظل حبيسة قواعد النحو والتداول، أي خطية، خلاف الرسالة البصرية التي لا تخضع لقواعد تركيبية صارمة، إضافة إلى أن عناصرها تدرك بشكل متزامن.

كما أن الرسالة اللسانية تقبل التفكيك إلى عناصر يقوم المتلقي بإعادة تركيبها ليحصل المعنى، في حين الرسالة البصرية تركيبية لا تقبل التقطيع إلى عناصر صغرى مستقلة لأنها ترابطية تختزن في بنائها دلالات لا تتجزأ. فضلا عن ذلك، فالرسالة اللسانية تقوم على الخاصية الاعتباطية، أما الرسالة البصرية فهي قائمة على المماثلة والمشابهة، وقد فصّل في هذه النقاط رومان غوبارن ليجد أن التعايش بين الصورة واللغة تعايش ضارب بجذوره في عمق التاريخ، فمنذ ظهور الكتاب صار الارتباط بين الصورة والنص عاديا، لأنه ليس هناك في الحقيقة أي معنى أن نكون (ضد) اللغة أو معها، وبالمثل فنحن لسنا (مع) الصورة أو ضدها، إن محاولاتنا تصدر عن قناعة بأن سيميولوجيا الصورة ستشتغل جنبا إلى جنب مع سيميولوجيا الموضوعات اللسانية وأحيانا تتقاطع معها.

وأوضح أن الصورة الفوتوغرافية المتحركة تتسم بوجود الحركة والصوت وتعدد الأبعاد وتغيرها. وتختلف الصورة الفوتوغرافية بنوعيها عن اللوحة في الأداة، فالأولى يتم إنتاجها بواسطة الكاميرا والثانية بريشة فنان. هناك بالطبع لوحات أيقونية (بورتريهات)، لكنها تظل تفتقد إلى المطابقة الكاملة بين الدال والمدلول.

يمكننا كذلك أن نميز بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة من ناحية والرسم التوضيحي التخطيطي من ناحية أخرى على أساس أن الرسم التوضيحي يفتقد إلى التفاصيل التي نجدها - عادة - في الصورة الفوتوغرافية واللوحة، ومن أمثلة الرسم التوضيحي/التخطيطي الكاريكاتير والخارطة الجغرافية وعلامات المرور ورسومات الكتب المدرسية وما إليها مع اختلاف نصيب كل منها في التطابق بين الدال والمدلول.

على العموم يحتوى كل كاريكاتير بالضرورة على رسم تخطيطي وأحياناً على حوار أو مونولوج أو تعليق. يستطيع الكاريكاتير أن يكون أيقونياً، لكن حتى حين يكون كذلك يظل يشتمل على قدر من التشويه (التكبير أو التصغير) لبعض أو كل خصائص موضوعه.

ولفت د. إسماعيل أن النص المكتوب أو المرئي بالإضافة إلى كونه مكونا ثقافيا للتفاعل الاجتماعي، فهو – في حد ذاته – ظاهرة ثقافية يمكن للمرء انطلاقا منها أن يستخلص بعض الاستنتاجات حول البنية الاجتماعية للجماعات الثقافية. ويمكن استخلاص دور الفاعلين الاجتماعيين وواجباتهم والضوابط والمواصفات التي تهيمن على النصوص من السياقات المستعملة فيها.

وقال إن مجمل الدلالات التي تثيرها الرسالة البصرية ليست وليدة مادة تضمينية دالة ومعانٍ قارة ومثبتة في أشكالٍ لا تتغير، وإنما هي أبعاد أنثروبولوجية واجتماعية وفطرية إنسانية. ولهذا فالألوان والأشكال والخطوط تتسرب إلى الصورة محمَّلة بدلالتها السابقة، فالأشكال الهندسية - مثل المربع أو المثلث أو المستطيل أو الزوايا - لها دلالات أخرى غير التشكيل الهندسي لفضاءات مقتطعة من كون لا حد له، فالمخاطب الثقافي هو الذي يحول الوجه والإيماءة والعضو إلى بؤرة لإنتاج الدلالات وتحديد أنماط استهلاكها.

وخلص د. إسماعيل على أنه في الدراسة الأولى "ظهر الخطاب الساخر امتدادا لفكرة المقاومة السلمية غير العنيفة للقهر السياسي وهو أمر اعتاد أن يلجأ إليه الشعب المصري عبر تاريخه القديم والوسيط والحديث والمعاصر في مواجهة السلطات الغاشمة".

وفي الدراسة الثانية "ظهرت الثقافة المصرية العربية الإسلامية في خطاب الكاريكاتير المرسوم والمكتوب على حد سواء لتؤدي دوراً رئيسياً هو المقاومة بالخطاب، إذ يؤسس الكاريكاتير خطاباً مناهضاً لخطاب النخبة السياسية المصرية المتحالفة مع نخبة اقتصادية قبل ثورة 25 يناير، هذا الخطاب المقاوم المناهض لرجال الأعمال يتمثل في أوجه عدة منها: تشبيه رجال الأعمال بالمماليك الجدد، وهجاء زواج السلطة بالثروة، وإظهار الثنائيات المتعارضة بين رجال الأعمال وبقية الشعب المصري، وتشبيه رجال الأعمال بالحيوانات كنوع من الهجاء السياسي والاجتماعي، وأخيرا خلق أسطورة توحش رجال الأعمال بالمعنى الذي يستخدمه رولان بارت في التعبير عن الأسطورة، وهو أن تتحول إلى العلامات إلى معاني طبيعية منطقية لا تحتاج لنقاش أو مراجعة".

وفي الدراسة الثالثة، حاول المؤلف أن يحدد التناص التاريخي بين كاريكاتير 2011 وبين الثقافة بوصفها مجموعة من الممارسات المجتمعية عبر التاريخ، أي نقاط التشابه التي يستعير منها الكاريكاتير العربي الحالي أقنعه تاريخية تعكس ما تأسس عبر قرون طويلة من ثقافة عربية متجذرة، وليجد فيها الرسامون من المشابهات ما يحملهم على اختيار علامات معينة تعكس هذا التناص التاريخي.

وهذا الخطاب الذي ظهر في سياق معالجة الثورة المصرية يتمثل في أوجه عدة منها: تبيان عجز وسائل الإعلام الرسمية العربية، تشبيه السلطات العربية الراكدة بالأصنام وإظهار الثنائيات المتعارضة بين قوة الإعلام الجديد وخور الإعلام الرسمي، وأخيراً خلق أسطورة قوة وسائل الإعلام الجديدة خاصة شبكات التواصل الاجتماعي بالمعنى الذي يستخدمه رولان بارت في التعبير عن الأسطورة كما تقدم.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>