First Published: 2017-05-24

سعيد الغانمي يتتبع تحولات الخيال الأدبي في الأسطورة والعقل والعلم

 

الباحث العراقي يرصد في كتابه 'فاعلية الخيال الأدبي' تشكل التفكير العقلي، حين توجه حكماء إيونيا الأسطوريون إلى تنظيم معرفتهم الحسية بالعالم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

لغة العلم الوصفية

يعالج كتاب "فاعلية الخيال الأدبي.. محاولة في بلاغية المعرفة من الأسطورة حتى العلم الوصفي"، للباحث العراقي سعيد الغانمي، والفائز بجائزة الشيخ زايد للفنون والدراسات النقدية في دورتها 2017 موضوعاً نقدياً دقيقاً هو دراسة نصوص الأساطير والفلسفة والتاريخ القديم في بلاد الرافدين ومحاولة البحث عن البلاغة المعرفية التي توجد في تلك النصوص، حيث يتتبع تحولات الخيال الأدبي في الأسطورة والعقل والعلم، وكيف يعمل على مستويين مختلفين، في اللغة من حيث هي منظومة نظرية أو كفاءة، وفي اللغة من حيث هي استعمال تطبيقي أو إنجاز.

وهو وفقا للمؤلف مكمل لجهود نقاد وفلاسفة عرب وغربيين كبار، فهو يتابعهم في الاعتقاد بأن الأدب أو الخيال الأدبي ـ كما يسميه لاحقا ـ قد مر بأطوار ثلاثة هي على التوالي: الخيال الأسطوري القديم، والخيال اليوتوبي في عصر الفلسفة والعقل، ثم الخيال العلمي بعد سيادة اللغة العلمية الوصفية في العصر الحديث. وهذا الخيال يندس متنكرا في أشكال مختلفة ليكون نظرة الإنسان النقدية إلى عالمه.

تابع الغانمي في القسم الأول من كتابه الصادر عن منشورات الجمل تحولات الخيال متابعة تعاقبية دياكرونية. بادئا بالكيفية التي تشكل بها الخيال في عصر الأسطورة، فراجع دور الخيال في صنع التصورات الدينية، وفي الحياة اليومية القائمة على محور الكلمة والإيمان بقوة الألفاظ، حين لم يكن بوسع الخيال أن يميز في مجال الدين بين اللاهوت السحري واللاهوت الطبيعي بعد. واستكشف الطريقة التي صار بها الخيال يشكل حقبة التأسيسية المتتابعة. فرصد الحكايات السردية الأسطورية ذات الأبطال المتعددين، ثم كيف يتوحد هؤلاء الأبطال في بطل ملحمي واحد، فتأتلف الحكايات الكثيرة في نص له بطل واحد وشخصية محورية، وهو الملحمة الأدبية، التي رأى أن وظيفتها الخيالية تكمن في صنع البطل الأسطوري للحقبة الثقافية.

وعني القسم الثاني من الكتاب بمتابعة تشكل التفكير العقلي، حين توجه حكماء إيونيا الأسطوريون في البداية إلى تنظيم معرفتهم الحسية بالعالم. وقد وصلت هذه المعرفة إلى ذروتها مع سقراط، الذي نقل مفهوم "النفس" من أصوله الأسطورية في ارتباطه بالنفس والريح، إلى أصول عقلية جديدة، فجعل النفس الكيان المسؤول عن التصرف الأخلاقي الحميد أو الذميم. غير أن أهمية سقراط من الناحية الأدبية تكمن من اكتشاف وقوة "الحوار"، الذي جعله صنفا أدبيا جديدا، فتخطي به الأصناف الأدبية السائدة في العصر الأسطوري، مثل المناظرة والحكم والأمثال.

وهكذا فاهتمام الكتاب وفقا للغانمي "يقع في منطقة تخوم، ترتسم فيها بين الحدود، وتندس بين الاختصاصات، فتثير أسئلة بلاغية في ميدان فكري أو أدبي أو أسطوري، وتداخل بين الحقول والموضوعات، لكنها في أثناء أداء هذه المهمة، وجدت أن من الضروري لها أن تبحث عن نظرية متماسكة قابلة للتطبيق والاستعمال، ثم أن تبحث عن أساس لغوي لهذه النظرية. وقد وجدت ذلك كله في نظرية "أطوار اللغة الثلاثة"، التي أطلقها فراي، مطورا بها موضوعة قديمة تناولها الفيلسوف الإيطالي فيكو في كتابه "العلم الجديد"، بما لا يخلو من مشابهة كبيرة مع آراء كاسيرر.

نظر الغانمي في الكتاب إلي الفكر البشري باعتباره نتاج ثلاثة أنظمة فكرية، هي "النظام الأسطوري، النظام الفلسفي العقلي، لينتهي في آخر الأمر بالنظام العلمي ولغته الوصفية الحيادية"، ومن ثم "فحص المظاهر البلاغية التي تستعملها هذه الحقول والنظم الفكرية".

وأشار إلى إن أبحاث الكتاب "لا تنتمي إلى القراءة الآثارية، كما لا تنتمي إلى القراءة الفلسفية الأكاديمية، بل هي تطمح في تقديم قراءة حوارية، على تخوم المناهج المتعددة، لتصب في النهاية في مشروع "بلاغية المعرفة"، أي أنماط الاستخدام البلاغي للغة في مختلف النظم المعرفية الثلاثة".

وقال الغانمي "في طور التفكير الاستعاري، لا يمكن أن يوجد مؤلف للنصوص، أولا لأن هذه النصوص لا تبدأ من "فردية" المؤلف، بل من جمعيته، علي عكس ما سيحصل فيما بعد، فهي تبدأ من افتراض توافق جمعي على تقديس التراث. وكانت الفردية والفرادة تعني الانعزال عن المجتمع، وبالتالي تهديده بعنصر شيطاني غريب.

ثانيا أن هذه النصوص لا تصدر من مفهوم "السببية"، بالمعنى الذي نفهمه الآن، بل يتبع إنتاجها منطقا آخر، هو منطق "النمطية"، أي تكرار مثال سابق آخر والاندماج به. وفي النمطية، تنجح النصوص بقدر ما ترائي بتطابقها مع النصوص الأقدم، لا بمقدار انحرافها عنها، أي بمقدار تخليها عن فرادتها وليس إبرازها.

ثالثا أن أغلب النصوص الأدبية القديمة هي نصوص "مقدسة"، أي هي نصوص يتداخل فيها التاريخ بالأدب. وفي هذه الحالة، فإن نسبتها إلى مؤلف معين ستجعل منها نصوصا "مدنسة" من تلفيق كاتب معين. وبالطبع هذا شيء لا تريده هذه النصوص.

ليس من شك أن هناك عددا كبيرا جدا من النقوش التي تحمل أسماء كتابها، مثل النقوش النذرية ونقوش الإهداء، والقصائد المكتوبة بضمير المتكلم وغير ذلك، غير إن إيراد أسماء الأعلام هنا لا يعني أن هؤلاء هم كاتبو هذه النقوش، بل يقتصر الأمر على أن هؤلاء يتقدمون لآلهتهم بذكر أسمائهم، تذكيرا لها بالتقوى التي أظهروها إزاءها. فهم لا يكتبون أسماءهم لأسباب أدبية، بل لأسباب دينية، وأمام الآلهة وحدها".

وتساءل الغانمي هل نسمي هذا الإيمان المتطرف بقوة الكلمة نزعة اسمية مثالية؟ وقال "في العادة كانت الفلسفة تطلق اسم "النزعة الاسمية" على المذاهب التي تسند فاعلية الأشياء إلى الكلمات، وفي المقابل، تسمي باسم "النزعات الواقعية" تلك المذاهب التي تبدأ من الواقعية وتنتهي بالكلمة.

تضع الفلسفة النزعتين، الاسمية والواقعية، على طرفي نقيض كمذهيين لا يمكن التوفيق بينهما. لكننا رأينا أن اسمية الإنسان القديم تختلف عن الاسمية في الفلسفة، لأنها تفضي إلى نقيضها المباشر تماما، أي الواقعية، أو بعبارة أدق، الطبيعية المتطرفة. فمادة العالم الطبيعي، من منظور مبدأ الاسم، هي مادة اسمية في الجوهر، ولآلهة تتجسد في مظاهر الطبيعة المختلفة، بل إن الطبيعة نفسها لا توجد إلا بوصفها طبيعة حية، وليست جمادا.

وقد أنكر الفلاسفة، بدءا من سقراط كما سنرى، اتحاد الآلهة بمظاهر الطبيعة، وهو ما تسميه الفلسفة بـ "اللاهوت الطبيعي". فهل نسمي هذه النزعة الاسمية بالاسمية الطبيعية؟

من المؤكد أن جميع التسميات التي أطلقتها الفلسفة على اسمية التفكير الأسطوري وواقعيته الطبيعية هي تسميات تنتمي إلى النظام العقلي الفلسقي اللاحق على هذا التفكير. وبالتالي فهي لا تمثل موقف النظام الأسطوري من ذاته، بل تمثل موقف النظام العقلي منه. وينعكس ذلك في عدد كبير من المصطلحات الازدرائية والاستهجانية التي أطلقتها الفلسفة على الأسطورة، كالتفكير ما قبل المنطقي، والخرافي، والبدائي، والمتوحش، إلى آخر القائمة.

وتجنبا لهذه المصطلحات الازدرائية التي أنتجها العقل الفلسفي للحط من قيمة التفكير الأسطوري، وبحثا عن مصطلح حيادي مناسب لهذه المذاهب التي تستطيع الانتقال من الاسمية إلى الطبيعية، ربما كان الأولى أن نسمي هذا النوع من التفكير بالتفكير "الاستعاري" أو "الشعري".

ولفت الغانمي إلى أن مجتمعات العقل الأسطوري القائم علي مبدأ الاسم لم تعرف سوي مظاهر الفكر القائم على الاستعارة، كما رأينا في آدابها وأديانها وتواريخها وأنظمتها الرمزية المختلفة. لكن الحال لم تكن كذلك قطعا. فقد عرفت هذه المجتمعات أنماطا من النظم الفكرية قامت على مبدأ الاسم ومحور الكلمة، من حيث السياق الثقافي والنظام الفكري المؤطر، لكنها اتخذت من المحور الكنائي صورة لتنظيم هذا الفكر.

كان استخدام "الكناية" بدلا من الاستعارة، في داخل النظام الفكري لمبدأ الاسم إيذانا بفتح آفاق فكرية جديدة في العقل الاسطوري، قربته، وإن لم تحوله بالكامل، من النظام العقلي. فالكناية تقوم علي فكرة المجاورة بين عنصرين، بينما تستند الاستعارة علي المشابهة بينهما. وفي استخدام الكناية، أو تجاور عنصرين متقاربين في الشكل، اقتراب من النظام العقلي، لكن خضوع هذه المجاورة لنظام ثقافي شامل يعتمد مبدأ الاسم لا يسمح بالانجرار الكامل نحو استثمار نتائجها الفعلية، بل بالعكس، يعمل على تفريغ المجاورة من محتواها وحصرها في مجال محدود.

ورأى أن ثقافة مبدأ الاسم ما كانت تسمح للعقل الأسطوري بأن يقوم بعملية "تجريد" للمفاهيم، لأن المفاهيم والأسماء تمتلك دائما حضورا عينيا ملموسا، وبمجرد النطق بالكلمة يتم استحضار الشيء الذي ترمز إليه. فالكلمة ليست دلالة على الشيء، بل هي استحضار فعلي له. والشيء يتبع الكلمة. وبالتالي فقد كان للكلمة حضور عيني، تقود بمقتضاه الشيء الخارجي وتوجهه، بمعزل عن "التصور" أو العقل. غير أن "ميتافيزيقا الحضور" البدائية هذه، إذا استعلمنا مصطلح ديريدا، ليست مثل ميتافيزيقا الحضور اليونانية، لأنها لا توجد على مستوى العقل، بل على مستوى الكلمة واللغة. وفي ضوئها فإن فعالية العقل منوطة بفاعلية اللغة وتابعة لها.

وفي الفصل المخصص لسقراط، رأى الغانمي كم كان سقراط يتوجس من ملامسة موضوعات البلاغة، ويحاذر الاقتراب منها. حين وصفه مينون بأنه "سمكة رعادة"، تلميحا إلى أنه وقع بمن يتحاور معه ويضلله، بدل أن يهديه ويرشده، رد سقراط بأنه مريب، لأنه في داخله مرتاب، وأنه محير، لأنه هو نفسه محتار.

والواقع أن الجزء الأكبر من هذا الالتباس في الموقف الكلاسيكي المزدوج من قضايا الوضوح والغموض، والفهم والإفهام، يكمن في الموقف الإغريقي الملتبس من البلاغة. "والبلاغة دون شك قديمة قدم الفلسفة، ويقال إن إمبادوقلس هو أول من "اخترعها". وهكذا فالبلاغة هي أقدم عدو للفلسفة وأقدم حليف لها. أقدم عدو، لأن من الممكن دائما لفن القول المتقن أن يطرح جانبا أي اهتمام بالتحدث عن الحقيقة. فالتقنية التي تقوم على معرفة العوامل التي تساعد في تحقيق الإقناع تضع قوة هائلة في يد من يريد السيطرة عليها تماما – أي قوة التلاعب بالكلمات بمعزل عن الأشياء، والتلاعب بالناس بمعزل عن الكلمات. وربما وجب علينا أن نعرف أن إمكان هذا الانشقاق يناظر كامل تاريخ الخطاب الإنساني ويوازيه.

فقبل أن تغدو البلاغة عقيما، كانت خطرة. ولهذا السبب أدانها أفلاطوان... ولكن لم يكن بمستطاع الفلسفة أبدا أن تدمر البلاغة أو أن تمتصها. فالفلسفة لم تخلق المعتركات والحلبات التي تحكم بها سيطرتها على الخطابة، وما كان بوسع الفلسفة أن تتصدى لقمعها. والخطاب الفلسفي نفسه هو مجرد خطاب واحد بين خطابات أخرى، ينأي به ادعاؤه بالحقيقة عن مجال القوة. وهكذا فحين تستعمل الفلسفة وسائل فاعليتها، فإنها لا تستطيع أن تكسر الروابط بين الخطاب والقوة".

وأضاف "بلغت لغة الفلسفة أوجها مع أفلاطون، الذي أسند وظيفة بلاغية للميتافيزيقا، ووظيفة ميتافيزيقية للبلاغة، حين نقل استعمال الاستعارات من المجال الحسي إلي المجال العقلي، فتحدث عن معمار عقلي، يزداد ارتفاعا كلما ازداد تجردا. وكانت وسائله البلاغية هي الاستعارات المعمارية، واستعارات النور، والاستعارات الملبسية، وغيرها من وسائل التنميط، التي نقل استعمالها من محور الكلمة إلى محور التصور. ولم تكتمل مركزية العقل إلا بدعوى أرسطو التوصل إلى "البنية المنطقية للغة" التي لا تتحقق إلا بنبذ عناصر الخيال التي تنتمي إلى الطور السحري في عصر ما قبل العقل.

وحين توصل الفكر البشري إلى نقد أرسطو ومركزية المنطق في تصوره العقلي، توصل في الوقت نفسه إلى فكرة "لغة العلم الوصفية"، التي ينبغي أن تتشبث بفكرة الحيادية والموضوعية في نقل الحقيقة الواقعية عن الشيء الخارجي بمعزل عن التصورات الآيديولوجية أو الأفكار اليوتوبية. وكان من رأي العلم أن هذا المشروع لا يمكن أن يكتمل إلا حين يتوصل إلي بناء "أنساق" موضوعية، يختبر فاعليتها في أفكار مثل قابلية التحقق، أو قابلية التزييف، أو فكرة النموذج الإرشادي عند توماس كون.

وأكد الغانمي أن النظرة المأساوية التي يمليها الإحساس بنهاية العالم لا تكمن في العالم نفسه، الذي يظل حياديا وموضوعيا، ويواصل سنته التي جرى عليها، بل هي تكمن في نظرتنا نحن إلى العالم. بالتالي فهي جزء من العقل الإنساني نفسه، الذي يريد أن يفرض على العالم إحساسه بالنهاية. أما قضية موت الفلسفة فينبغي أولا عدم تبني الدعوات الآيديولوجية التي تدعي أن الفلسفة تشهق شهقات موتها الأخيرة، لأن العلم بدأ يحل محلها. فهذه الدعوات لا تختلف عن الدعوات التي قالت بموت الأسطورة، لأن العقل أو الفلسفة نفسها حلت محلها وحينئذ علينا أن ننظر في خصائص التفكير الفلسفي أو النظام العقلي في ذاتها.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>