First Published: 2017-05-30

ثور هائج في متحف خزف

 

التخلف العشائري نتاج متصاعد للتخلف الديني في العراق بعد أن ساد التريّف على المدنيّة، ودمر ثور العشيرة والطائفة الهائج متحف الخزف المدني، حتى بغداد أضحت متريّفة في سلوكها الاجتماعي القائم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

هل الأمر عصي على الفهم إلى هذه الدرجة؟ وهل حقيقة أن العراقيين وجدوا مختلفين؟ إذا كان هذا صحيحا، ماذا عن التاريخ القريب! عن أي عراقي نتحدث اليوم، إذا كان مفهوم العراقي الوطني متراجعا بمسافات شاسعة عن الديني والعشائري والطائفي…؟ هل ثمة تعريف وطني واجتماعي للعراقي اليوم؟

سنختلف حقا في إيجاد مثل هذا التعريف، وسيكون تشبثنا بالتاريخ وسيلة مكررة لتبرير عجزنا المعاصر، لأن استعادة التاريخ في حالة العراقي اليوم ليست من أجل صناعة المستقبل.

لم تعد ثمة حواجز في كشف الرثاثة الاجتماعية التي هي نتاج للرثاثة السياسية والدينية، فكل ما ينشر الآن من مقاطع مصورة ونصوص مكتوبة يكشف العمق الآسن والمخيف للواقع العراقي المتردي، العشيرة بوصفها نظاما لصناعة التخلف الاجتماعي والاستعراض الزائف كسرت قيود الكياسة والاحترام وطغت على النظام الإنساني المتحضر.

التخلف العشائري نتاج متصاعد للتخلف الديني بعد أن ساد التريّف على المدنيّة، ودمر ثور العشيرة والطائفة الهائج متحف الخزف المدني، حتى بغداد أضحت متريّفة في سلوكها الاجتماعي القائم، ولهذا تصبح قيادة فتاة لدراجة هوائية قضية رأي عام. هل دورة الزمن في العراق تشذ عن ساعة الكون؟

من البساطة بمكان أرشفة آلاف الساعات الفيديوية المصورة والمدونات للواقع العراقي الرث، فكلها تعبير عن واقع قائم لا يقبل اللبس، نكتشف من خلالها الانعدام المريع للوطنية بوصفها شعورا مخلصا يتعالى على غيره من التقسيمات في طريقة تفكير أجيال من العراقيين.

الأمر يفوق التعبير عن الخيبة، بل، ويا للأسف، يقتل الأمل في استعادة العراق وطنا جامعا.

الطائفي معادل للعشائري وحتى عندما يختلفان يسوغان خلافهما بطريقة متفقة على طبيعة التخلف نفسه بأي وجه كان! من بين ذلك الفيديو الذي شاع لرجل دين يكيل أقذع الأوصاف للعشائر على تقاتلها من أجل لا شيء، زاعما أن تلك العشائر مصدر للواقع الرث الذي تعيشه البلاد! ولنا أن ندرك أن الداعية الطائفي نفسه ينطلق من تكوينه الرث في انتقاد رثاثة معادله في التخلف.

مثال آخر ممن يتباهون بالإشراف على تدمير التماثيل في ساحات بغداد وتجميع القطيع في زيارة المراقد الدينية بوصفها تعبيرا عن روح العقيدة التي يجب أن تسود في العراق اليوم استعدادا لظهور المخلص المنقذ! وعندما يتحدث عن ابنه في المجالس الخاصة فإنه يفتخر بكونه فنانا تشكيليا بارعا وشيوعيا محبا للحرية!

أي وجه يمكن قراءته في مثل هذا العراقي؟ أليس الأمر محيرا فعلا في إيجاد تعريف نتفق عليه للعراقيين اليوم؟

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
المزيد

 
>>