First Published: 2017-05-31

هوفمان: مطلوب حركة جذريّة تعمل بشجاعة ووضوح على إقامة نظام سماحة عالميّة

 

الباحث الألماني في كتابه 'قانون التسامح' يؤكد أن 'شرائع السماحة' توجد في جميع الأديان العالميّة والثقافات المختلفة في الأرض.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

قواعد عمليّة لكلّ واحد منّا

يشكل هذا الكتاب "قانون التسامح" للباحث الألماني هوبرتس هوفمان نداء موجّها إلى القارئ وقبل كلّ شيء إلى الأكثريّة الصامتة، يدعو إلى تعزيزٍ أوسع للسماحة والاحترام تجاه أديان وأقليّات إثنيّة وأعراق مختلفة. وذلك بمبادرات صغيرة وشجاعة نبيلة.

هذا تحريض على توسيع المشاعر القلبيّة والإحساس الإنسانيّ ومحبّة الناس في قريتنا العالميّة. وفي الوقت عينه يرفض التحليل كلّ أنواع التطرّف الدينيّ أو السياسيّ.

وأكد هوفمان في كتابه الصادر عن دار العربي للنشر وترجمة عادل خوري أن كلّ واحد منّا يمكنه أن يضيف قطعة في تركيبة السماحة. في جميع أجزاء الأرض والثقافات والاتّجاهات الدينيّة، وقال "نجد أمثالاً صغيرة وكبيرة ممتازة، تدلّنا كيف يمكننا أن نحسّن عيشنا المشترك. وقد بدأتُ في هذا الكتاب أجمع المئة الأولى منها وأعرضها عليكم، هي الأمثال المثاليّة للسماحة. كلّها تبيّن أنّ السماحة تمكن ممارستها. فبفضل عدّة آلاف نشاط على الصعيد المحلّي والوطنيّ والدّولي نستطيع أن نعزّز معًا المحبّة والسلام ونقيم سدًّا أمام الشرّ. فلنَقتَدِ بهذه الـمُثُل الصالحة".

القسم الأوّل من الكتاب يحلّل ثمار التسامح الذهبيّة في الأديان العالميّة الكبيرة، خصوصًا في الإسلام. فنصف الكتاب يعرض تعاليم القرآن والنبيّ محمّد تجاه أتباع الأديان الأخرى، والقطع العشر للسماحة في الإسلام.

وفيه رأى هوفمان "إنّ هذا الدين يختبره الكثيرون اليوم كدعوة إلى التعسّف، لذلك تمّ الاهتمام به اهتمامًا أوسع من الأديان الأخرى. يلحق بعد ذلك وصف مقتضب لتطوّر أخلاقيّات عالميّة وأبحاث في النسبيّة الأخلاقيّة، وفي حدود السماحة وفي علم النفس والسماحة.

في المقطع الأخير تشير ستون من شرائع السماحة إلى الطريق الذي يمكّننا من أن ننشئ معًا عالمًا أفضل. هي قواعد عمليّة لكلّ واحد منّا، وللقادة الدينيّين، وللوالدين والمربّين والمدارس، ولوسائل الإعلام والصحفيّين، ولأصحاب الأمر السياسيّين، ولحقل الرياضة البدنيّة والثقافة. ممارستها تستطيع أن تحسّن تحسينًا فعّالاً تعايش مختلف الأديان والأقليّات والأعراق، وتقيم سدًّا أمام المتشدّدين".

وأضاف "شرائع السماحة هي جوابنا الإنسانيّ كمواطنين عالميّين ضدّ دعاة البغض. لا يجدر بنا أن نشكو من وجود المتشدّدين الذين يثيرون البغيضة ضدّ أتباع الأديان الأخرى والأقليّات والأعراق الأخرى، كما جرى ذلك في كلّ زمان وفي جميع أنحاء العالم. علينا أن نخجل من أنّنا بسبب ركوننا إلى الصمت نفسح لهم في المجال الحرّ لتوسيع مجال الشرّ".

وأوضح هوفمان أن المصالحة مع الأقليّات الإثنيّة هي عامل إضافيّ مهمّ لسماحة فعّالة، كما يعبّر عنه هذا الكتاب. ونحن نختبر أهميّتها بالنسبة إلى السلام الداخليّ في هذا العام في قضيّة القرم وأوكرانيا، وكذلك في سوريا وجمهوريّة أفريقيا الوسطى ومالي والعراق. هنا تقف المصالحة الصغيرة بين الإنسان والإنسان في نقطة الوسط.

ورأى هوفمان أنّ البحث عن قطع التسامح الذهنيّة يقودنا إلى بلاد كثيرة متنوّعة الثقافة، مثل أفغانستان وما يعاني من أوجه القتال، وجبال القبائل الباكستانيّة، والعراق الممزّق، والأرض المقدّسة الرازحة تحت ألوان النـزاع من البحر المتوسّط إلى دولة الأردن، وعالم التعدّد في الهند، وأفريقيا الجنوبيّة التي نعمت بالمصالحة، والبرازيل اللطيف، والبلقان الذي وجد الآن السلام، والفاتيكان وبولونيا الكاثوليكيّة. إنّ وزير التربية العالية والعلوم في اتّحاد الإمارات العربيّة، الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، رفع في 10 مارس/آذار 2008 الانطلاقة لمبادرتنا هذه بدعوته لي لإلقاء حديث عن "الشرائع الإنسانيّة للسماحة والاحترام" أمام 1800 امرأة – منهنّ جين فوندا – في إطار "الندوة حول مهمّة النساء كقادة شاملة"، في جامعته في دُبي".

وقال "وافق الدلاي لاما على حديث حول السماحة في البوذيّة. وقد ساهم أيضًا كثيرون بإدلاء آرائهم، منهم الإمام وكبير الـمُفتين وآية الله والغورو، والكرادلة، والأساقفة، والأمراء العرب، والعلماء والسياسيّون الملتزمون من أنحاء العالم. والعالم الشهير في حقل الإسلاميّات، البروفسّور الدكتور عادل تيودور خوري هو مؤلّف عدد كبير من الكتب وواضع ترجمة للنصّ القرآني نلجأ إليها هنا. وقد طالع للتصحيح القسم الواسع حول الإسلام. وصديقاي رئيس الأساقفة البروفسّور الدكتور ألفونس نُسّول من أبولة في سيلازيا العليا ببولونيا، والمنسنيور أرتفين غِبَوَّر، نبّها إلى عرض شرائع التسامح المسيحيّة، وطالعا الفصل الذي يبحث في موضوع المسيحيّة والسماحة. والمؤرّخ اليهوديّ الذي يعيش في القدس أوفّر فالدمان قدّم اقتراحات عن تثبيت السماحة في الدين اليهوديّ.

وكشف هوفمان أنه في أثناء الأحاديث الكثيرة طرحت ونوقشت الكثير من التساؤلات: هل يسود المتطرّفون القلائل عالمنا، لأنّ الأكثريّة صامتة تميل بنظرها؟ أيّ القيم الأخلاقيّة علينا أن نبلّغها لأولادها، وكيف يمكننا أن نورّثهم عالمًا أفضل تزداد فيه السماحة والاحترام والمحبّة؟ هل من الممكن أن نجد قاعدة مشتركة بأخلاقيّات عالميّة، بين المسيحيّين والمسلمين، والهندوسيّين والبوذيّين واليهود؟ كيف يمكننا أن نتجنّب اصطدام الأديان والثقافات المختلفة؟ كيف نقوم بالمصالحة والانضمام مع الأقليّات؟ ما على المواطن الفرد أن يفعل – وكيف؟

وأكد "شرائع السماحة" توجد في جميع الأديان العالميّة والثقافات المختلفة في الأرض. لكن للأسف "نسينا هذه الحجارة الثمينة الكامنة في الثقافة العالميّة. فقد دُحرت إلى الوراء بضجيج المتطرّفين. إنّا نجد "شرائع السماحة" في الإسلام، والمسيحيّة، واليهوديّة، والهندوسيّة والبوذيّة، تلك المطالبة بالاحترام وأيضًا بالمحبّة تجاه الإنسان خليقة الله، وبحماية كرامته الباطنة التي لا تنهدر. فقد سبق البابا يوحنّا بولس الثاني وأعلن في خطبة له: "إن أقصر طريق للإنسان إلى الله، هو الإنسان الآخر".

وطالب هوفمان بحركة جذريّة تعمل بشجاعة ووضوح على إقامة نظام سماحة عالميّة أفضل. وبذلك أن نتخطّى أيضًا النسبيّة الأخلاقيّة والموقف الحياديّ، ونغادر فراغ عدم الاكتراث، ونتغلّب على سمّ البغض ونكسب بالمقابل لهذا المشروع أصدقاءنا وجيراننا ومؤيدين مشهورين، وسياسيّين أيضًا.

ولا هَمّ إن كان الواحد منّا مَن يحاول تحسين أوضاع العالم أو متشائمًا أو كان مسيحيًّا مؤمنًا أو مسلمًا أو من المفكّرين الأحرار. فإنّنا إن نحن اجتهدنا بخطوات صغيرة في تحسين وضع عالمنا، عند ذلك فقط نستطيع أن نُحرز تغيّرات وندحر الأقليّة المتشدّدة.

لا ننتظر مبادرة الأمم المتحدّة أو أصحاب السياسة عندنا. بل لنبدأ نحن كمواطنين. لنتبيّن لأولادنا أنّه من الممكن إرساء عالم أفضل. وذلك بنشاطنا نحن. لنتعلّم من الأديان العالميّة القواعد الذهبيّة للسماحة. لنفتح في كتاب السماحة فصلاً جديدًا شخصيًّا بمزيد من الاحترام وحبّ البشر في قريتنا العالميّة. لنحتلّ العالم بالمحبّة والاحترام وبقدر أكبر من السماحة ونستعيده من قبضة المتشدّدين.

وأخيرا وجه دعوة للقارئ بأن يساهم في المشروع، وأن يضع قطعته في فسيفساء عالم السماحة، "مارس أنت أيضًا شرائع السماحة، وروّج أنتَ لها. فلنُقم كلّنا معًا عالـمًا أفضل رقم، من أجل أولادنا ومن أجل أنفسنا. يجب علينا أن نعمل بنشاط ونعزّز السماحة والاحترام تجاه الأديان والأقليّات والأعراق الأخرى، وذلك بإشارات وأفعالٍ صغيرة كثيرة. هذا ندين به لأنفسنا ولأسرتنا ولله.

بهذا نجلب لقرانا ومدننا قليلاً من ازدياد السلام، وللناس قليلاً من ازدياد السعادة، وأخيرًا لأنفسنا نحن. وذلك في عشرات السنين القليلة التي يجوز لنا أن نعيشها على الأرض. كن إنسانيًّا. عامل كلّ شخص كما تُريد أن تُعامل أنت بنفسك. عِش وفقًا لشرائع السماحة! لا تترك عالمك لدعاة البغض وللشرّ. لا تنتظر – بل بادر بالعمل ببساطة. في محيطك، خلاّقًا نشيطًا. ضع حجرًا صغيرًا صالحًا كأوّل مساهمة في فسيفساء السبعة مليارات من البشر. دعنا نخلق معًا عالـمًا جديدًا متناغمًا، عالـمًا للتعايش باحترام أكثر ومحبّة للناس أكثر في قريتنا العالميّة. خصوصًا من أجل أولادنا ومستقبل لهم مليء بالخير.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
القاهرة منتصف القرن التاسع عشر في عيون إدوارد وليم لين
2017-09-22
النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا
2017-09-21
غيث البطيخي يتساءل: كيف يدّعون الإيمان ويَقتلون؟
2017-09-20
محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي
2017-09-19
تعزيز صناعة الكتاب في الإمارات على طاولة الوطني للإعلام وجمعية الناشرين
2017-09-18
'في غرفة العنكبوت' محاولة لكتابة قصة حب بين ذكرين
2017-09-17
سمير غطاس يؤكد أن هناك علاقات وطيدة بين الجماعات الموجودة في غزة وسيناء
2017-09-15
'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل
2017-09-15
'الشارقة الدولي للكتاب' يستعد لدورته الجديدة
2017-09-14
مكتبة الاسكندرية تفتتح مؤتمر 'مستقبل القوى الناعمة المصرية'
2017-09-13
المزيد

 
>>