First Published: 2017-06-01

الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر

 

حان الوقت لتحاسب مصر من يقفون وراء الكواليس دعما للإرهاب، دولا وأفرادا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

مكافحة الإرهاب عملية معقدة، ولا توجد دولة في العالم تستطيع القضاء عليه بطريقة واحدة أو بمفردها، فلابد من خطة داخلية محكمة تجتث الجذور التي أفضت إلى نموه وزيادة عدد المنخرطين فيه، ودرجة عالية من التكاتف الدولي لقطع رءوسه وأذرعه في الخارج.

الجهود التي بذلتها مصر على المستوى الأول، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الخطوات التي تشمل جميع الأجهزة المحلية، لتتحمل مسئوليتها السياسية الثقافية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية، فالجهود الأمنية التي حققت نجاحات لافتة تحتاج من يدعمها على مستويات أخرى، حتى لا تتجدد المعركة مستقبلا.

على المستوى الثاني، بدأ العالم يلتفت إلى بعض الدول الداعمة للإرهاب، ويعترف أن التخلص من شروره يستوجب محاسبة كل من يقف خلفه، لأن العناصر التي تتغذى عليه لن ترتدع ما لم تتوقف الأموال التي تتدفق عليهم.

الرؤية التي تبناها مبكرا الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن الأبعاد الخارجية للإرهاب، أخذت تؤتي نتائجها لأنها كانت مبنية على معلومات دقيقة وتدرك خطورة الموقف، منذ أن دعا المصريين لتفويضه (وقتها كان وزيرا للدفاع) في مكافحة الإرهاب يوم 26 يوليو 2013، ثم تحذيراته المتتالية لدول كثيرة من أن نيران الإرهاب والتطرف سوف تلحق بهم، إذا استمر الدعم والتراخي والصمت، وبدا وقتها أن بعض القوى الكبرى ارتاحت لحرب الاستنزاف التي تخوضها دول أخرى نيابة عنها.

بعض الدوائر السياسية في الخارج بدأت الآن تعيد النظر في مواقفها وتعي أن النظرة لملف الإرهاب من الضروري أن تتغير، وأخذت الدول التي كانت رافضة أو متحفظة على التقديرات المصرية تدرك حجم الخطر، عندما أخذت نيرانه تقترب منها، وكشفت الكثير من الأحداث أن زمن التواطؤ لم يعد مجديا.

التقدم الذي أحرزته مصر على المستوى المادي كان مهما لتعديل جانب معتبر في التوازنات المختلة، التي مالت في بعض الأوقات لمن ناصروا المتطرفين، والعمليات النوعية التي قامت بها أجهزة الأمن ضد المتشددين خففت القدرة التدميرية لهؤلاء، وساهمت في الحصول على معلومات توضح جوانب كثيرة في المؤامرة التي حاكتها قوى تسعى لهدم مؤسسات الدولة المصرية.

الإفلات من هذه الحلقة الجهنمية لم يكن سهلا، لأنه استوجب إرادة سياسية واعية وقدرة فائقة على المجابهة وإمكانيات وفيرة للصمود أمام عدو يتلون ويتبدل ويتخفى سريعا ويتدثر برداء الدين الذي يمثل وترا عاطفيا لدى قطاع كبير من المواطنين، ولم تؤثر العمليات الإرهابية التي استهدفت كنائس وأشقاء مسيحيين على نسيج المصريين، بل زادتهم صمودا.

العمليات المتعددة التي قام بها المجرمون جاءت بنتائج عكس ما يتمناه الإرهابيون والمحرضون، فهي ضاعفت من عزيمة وإرادة المصريين وقدرتهم على مواجهة التحديات بصبر وحنكة وحكمة، الأمر الذي تحول إلى ركيزة أساسية لتوفير سبل دعم إضافية لمواصلة التصميم على النيل من الإرهابيين وفلولهم في كل مكان يمثل تهديدا للأمن القومي المصري.

ولأن الأراضي الليبية أصبحت واحدة من أهم الحلقات التي يلجأ إليها الإرهابيون، قام الطيران المصري بقصف المراكز المعروف أنها تأوي إرهابيين، بالتنسيق مع الجيش الوطني الليبي، وبعد اتخاذ جملة من الإجراءات التي تؤكد احترام مصر للشرعية الدولية، من خلال إبلاغ مجلس الأمن بهذه الخطوات مسبقا، والتعاون والتفاهم مع جهات بدأت تدرك المخاطر الكامنة في ليبيا.

الضربات التي وجهت حتى الآن، حملت مجموعة من الرسائل السياسية، أبرزها أن مصر عازمة على مكافحة الإرهاب في أي بقعة تمثل تهديدا لأمنها، وأن مرحلة الانكفاء على الداخل انتهت، ولابد أن يتكاتف العالم ضد الدول التي تحولت إلى مخازن لإيواء الإرهابيين وأسلحتهم.

كما أن الجرائم التي ترتكب لن تتوقف عند دولة معينة، وانفجار بركان الإرهاب يمكن أن يلحق الأذى برعاته أيضا، ولعل عملية مانشيستر في بريطانيا الأسبوع الماضي تفرض على لندن إعادة تقييم رؤيتها التي تفرق بين تيار الإرهاب بالسلاح والإرهاب الصراخ.

الطريقة التي تدير بها مصر ملف الإرهاب يمكن أن تعزز دورها الإقليمي، بعد أن أصبحت مكافحته واحدة من المداخل الحقيقية لكشف أوزان الدول، وقيام جهات عديدة بالتعامل معه باعتباره رأس الحرب في المنطقة، ومقدم على كثير من القضايا الحيوية، والدول التي تورطت عن قصد أو بدونه في دعم المتطرفين حان أوان حسابها، وهو ما يفسر أحد أسباب الانزعاج القطري والتركي خلال الأيام الماضية، فقد تيقنت كل من الدوحة وأنقرة أن ساعة الحساب اقتربت.

هنا تذكرت حوار مع صديق عربي بشأن تعجبه من التسامح المصري مع كل من قطر وتركيا، وأنها لم تنجر إلى مهاترات أو تدخل في حرب كلامية، ولم تلجأ إلى أسلوب الميلشيات أو الجماعات التي تتحرك خارج نطاق الشرعية، لذلك في طريقها لتنتصر في معركتها السياسية مع هاتين الدولتين دون أن تضطر للانزلاق لمربع الكراهية الذي حكم الكثير من تصرفات كل منهما.

العبرة تأتي من رحم المحن، وأثبتت الأيام أن مصر قادرة على خوض المواجهة حتى النهاية، والرهان الحقيقي على ما تملكه من مقومات لا على ما يقدمه الآخرون من عناصر تشي بالقوة، وربما تعاظم التحديات كان أحد أسرار النجاح الخفية، فالدول مثل الأشخاص تظهر معادنها عند الملمات، ومصر إما أن تكون قوية ومؤثرة أو تتكالب عليها الأمم.

لذلك كان الخيار الأول حتميا، واتخذت جميع الخطوات الأمنية لمحاصرة الإرهاب بلا تراخ، والأيام المقبلة سوف تثبت أن لعبقرية الجغرافيا والتاريخ والسكان دورها الفاعل في تحريك كثير من التطورات في الاتجاه الصحيح.

الرهان المصري لمكافحة الإرهاب سوف يصل مداه، إذا نجحت الحكومة في القيام بالمهام التي يجب أن تقوم بها مبكرا، وتتعلق بالحركة على جميع الخطوط التي تساهم في التخلص من المكونات المحلية للإرهاب، واتخاذ الإجراءات اللازمة التي تمكنها من تنشئة جيل جديد أكثر انفتاحا وتقبلا للآخر.

وإذا استطاعت التوصل لصيغة تفاهم جدية مع حكومات أخرى حيال آليات مكافحة الإرهاب والنظر إليه برؤية شاملة، بعيدة عن الانتقائية، وإدراك ضرورة اجتثاثه من مصادره الأساسية، واقتلاع الجذور التي تمثل رافدا ماديا ومعنويا له، والقدرة على محاسبة من يقفون خلف الكواليس لتغذيته لأسباب اقتصادية أو مذهبية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
الصفقة الفلسطينية الجديدة
2018-04-19
الحبل يلتف حول رقبة الإخوان في ليبيا
2018-04-12
لماذا تشوش قطر على قمة الرياض؟
2018-04-05
مشهد سوري في انتخابات مصرية
2018-03-29
التمدد الإقليمي لمصر ضرورة سياسة
2018-03-22
أبوالغيط ضد التمدد الإقليمي لمصر
2018-03-15
حان وقت التمدد الإقليمي لمصر
2018-03-08
تدخلات قطر السياسية تحت غطاء إنساني
2018-03-01
فيتو الحرب على غزة
2018-02-23
الإرهاب الانتقائي
2018-02-16
المزيد

 
>>