First Published: 2017-06-04

جيرار حداد: لا غلبة على التعصب متى ما اشتد عوده وتمكن إلا بالحرب

 

كتاب الباحث والمحلل النفسي الفرنسي يعد الأكثر تماسكا من بين كل النظريات التي تتناول التعصب من حيث هو، شأن العنصرية، علة جماعية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

الشعور الديني هو حيلة البشر كلما أعيتهم الحيلة

يقدم الباحث والمحلل النفسي الفرنسي جيرار حداد في كتابه "في يمين المولى.. التعصب في ميزان التحليل النفسي" رؤية متفردة لانتشار الجماعات المتطرفة والإرهابية وشغف أفرادها إلى الذبح والقتل سواء باستخدام الأحزمة الناسفة أو القتل الذبح بدم بارد، وذلك من خلال تشريحه وتحليله النفسي لمفهوم التعصب، الذي يرى فيه المحرك الأول لكل الحروب، سواء بين الأهل أنفسهم "الحروب الأهلية"، أو بين الدول، مؤكدا أنه المحرك للعنصريات والملهم للقمع والاضطهاد، وللإبادات، ولكل ما يجري هذا المجرى من ألوان الهمجية.

ويؤكد حداد في كتابه الذي ترجمته وأصدرته دار الجديد ببيروت، ويعد ـ وفقا له ـ الأكثر تماسكا من بين كل النظريات التي تتناول التعصب من حيث هو، شأن العنصرية، علة جماعية لا أعني بذلك أن التعصب لا يصيب الأفراد؛ ولكن أن يخرج من صفوف جماعة ما، فرد ما متعصب، أو عنصري ينادي بالموت لجماعة أخري شيء، وأن تصاب جماعة ما بقضها وقضيضها بالتعصب أو بالعنصرية شيء آخر".

ويقول "في حالة الفرد، لا يعدو الأمر أن يكون اختلالا نفسيا يفترض العلاج، أو عزل الفرد المعني درءا للأذى، أما في حالة الجماعات، فالأمر غير ذلك. أضف أن التعصب في الجماعات، أدني ما يكون إلى المرض المزمن. بالطبع يمكن هذا المرض، متى ما أصاب جماعة من الجماعات، أن تنحسر عوارضه، وأن تخفت حدته، ولكنه يبقى كالجمر تحت الرماد: حالما يتسلل الوهن إلى الجسم الاجتماعي لتلك الجماعة، تستأنف الحمى نوباتها بهذا المعنى، لا هوادة ممكنة في التصدي لهذا الشر، والتصدي له على بينة من طبيعته، خيرا من التصدي له على غير بينة؛ وهذا ما يسعى في يمين المولي إلى المساهمة فيه".

ويضيف "لا بد للواحد منا والواحدة، أقله لمرة واحدة، من أن يتغلب على تأبيه واشمئزازه، أن يوجب على نفسه مشاهدة أحد شرائط الفيديو، ذات الإخراج المدروس، التي ينتجها أولئك الوحوش: على خلفية سماء زرقاء صافية، مجموعة من الرجال، بثياب برتقالية، يذبحون على يد جزارين متشحين بالسواد، ثم تفصل رؤوسهم عن أجسادهم، ويراد لنا، نحن المشاهدين المستهلكين لصور العنف هذه، أن نسلم بأن هذه الصور إنما توثق شعيرة دينية! إن العشرات، لا بل المئات، بل الآلاف، بمن فيهم كثير من العرب، يلاقون هذا المصير، أو ما يعادله، وذلك باسم عقيدة سداها الموت ولحمتها، وبجريرة ما تنسبه إليهم هذه العقيدة من كفر فطري. نعم، لا بد للواحد منا/ الواحدة أن يتغلب على اشمئزازه وأن يحدق فيرى بأم العين كيف تتحول الرمال الذهبية من أحد الشواطئ التونسية حقل رماية وساحة جريمة.

ويوضح حداد أن هذا الصنف من القتل اليدوي الحرفي المتتابع يوحي بغير كلالة أنه خليفة القتل الذي رفع يوما إلى مرتبة الصناعة الثقيلة. ويتساءل: هل يستقيم القول إن هذا الصنف من القتل يدخل تحت باب الفرائد النوادر؟ ويجيب "كلا، ثم كلا؛ إن هذه الهمجية متربصة عند كل زاوية، وعند كل منعطف. إنها همجية قادرة، بلا رفة جفن، على أن تبيد مجموعة من الصحافيين الهزليين، كما أن تقضي على رواد مركز تجاري، أو على تلاميذ مدرسة. ماذا يستفاد من هذه النماذج من القتل سوى أنها تكرر المكرر من أنه لا وزن يذكر، ولا قيمة، لحياة الإنسان ميزان فكرة، أو عقيدة، تنسب نفسها إلى القداسة؟

أما أغرب الأغراب، فإن هذه الفظاعات التي يفترض المرء أن تستدعي الإنكار عليها والرفض القاطع لها، تستثير في نفوس البعض تأثيرا معاكسا، فتخلب وتستهوى عوض أن تجفل وتنفر. ولو لم يكن الأمر كذلك، فكيف لنا أن نفسر التحاق عشرات الآلاف، من كل فج عميق، تطوعا، بركاب هذه المغامرة الهمجية القصوى؟ في ما مضى، كان الجلادون أبناء صنف وصنعة، أما اليوم، فباب هذه النقابة مشرع على مصراعيه.

ويتساءل: أي سلك هذا الذي يمكن أن تنظم فيه أهوال القرن المنصرم، وأهوال هذا العصر الطالع معا؟ ماذا وراء هذا الشر المستطير، بل هذا الطاعون، الذي يعبر الزمن ويخلف تلك الويلات التي لا رجعة عنها، والتي ينزلها البشر بعضهم ببعض؟ ويقول "لهذا الشر، بل لهذا الطاعون، اسم واحد أحد: التعصب.

إن التعصب، ذا الطبيعة التوتاليتارية، هو السلوك المتأتى عن اعتناق عقيدة ما، اعتناقا كليا جازما يتقدم معه انتصار هذه العقيدة، واستعلاؤها، على كل اعتبار آخر. وفي هذا السبيل، أي في سبيل هذه العقيدة، يحلّل الموت، وقبل الموت يحلّل القتل. ولكن القتل، أي القضاء على المحجمين عن متابعة التعصب في عقيدته ومذهبه، لا يأتي في المحل الأول. قبل القتل، يبادر المتعصب إلى إرهاب خصمه بغية إنهاكه. نعم، الإرهاب هو من التعصب سلاحه الماضي. فتسيّد العنف الأعمى والعصابات المسلحة فضاء ما، يشلّ مقاومات الخصم المنويّ تدميره، ويعطل بوصلاته ويحول، استطرادا، بينه وبين الدفاع عن نفسه.

ويشير إلى أن "أولى صفات التعصب، إذا، أن تكره بلا تحفظ ولا تردد؛ أن تكره حد القتل، بل حد الإبادة، كل من لا يشاطرك الإيمان نفسه. أما الصفة الثانية من صفات التعصب، بوصفه مرضا من أمراض النفس، فإنه معد إلى أبعد الحدود : بطرفة عين يستولي على الجماعات، ثم على الجماهير ويخدر عقولها. هيهات أن يتكرر ما كان! أسهل شيء أن نردد هذا العهد الاستنكاري عندما لا يعدو التعصب حدود الخطر الضبابي المجرد. أما عندما يتجاوز التعصب هذا الطور، ويتهيأ بهيئة الخطر المحدق، فلقد أثبتت التجارب أنه لا رجاء يرجى من التوسل بالقيم الإنسانية لرده.

ويلفت حداد إلى إن التعصب أشبه ما يكون بمرض السيدا، (فقدان المناعة)، الذي يعطل الدفاعات التي يعدها الجسم للتصدي له. أضف أن للتعصب ملكة فائقة على التحول والتبدل، حيث إنه لا يكف، الحين تلو الآخر عن التشكل بأشكال جديدة، ومفاجئة، تتقادم معها أساليب مكافحته في شكله السابق. ومصداق ذلك ما رأيناه رأي العين، في غضون أشهر قليلة، من ظهور تعصب غير مسبوق، تحت اسم "تنظيم الدولة الإسلامية "، لا يمسكه شيء عن إعلان حرب شاملة على البشرية جمعاء، غير مستثن من عداد الأعداء فيها من لا يوالونه من المسلمين!

ويحلل حداد أشكال التعصب موضحا أنه إذا ما تتبعنا الكوارث، التي شهدها القرن العشرون، يظهر لنا أن القومية هي الشكل الأول، والأقدم، من أشكال التعصب. أما أصل القومية، فشعور شبه بيولوجي، وبهذا المعنى مشروع، من الإحساس الوطني. ويرى أن مقول القول إن الشعور الوطني شيء، والتعصب القومي شيء آخر. أو قل إن التعصب القومي تحريف للشعور الوطني. وإنما ينشأ التعصب القومي متى ما نصب المرء بلده منصب القيمة العليا، بل نصبه منصب الصنم الغامض، المبهم، المجرد، الخارج عن مجرى التاريخ وسياقاته، المعصوم من النقد المحفوظ من أن يدخل عليه أي تبدل بفعل التمازج والاختلاط.

من هنا، فإن الإقامة في بلد هذه صفاته أمر ثانوي من التعصب. المهم، بل الأهم، هو الموت في سبيل هذا البلد بعد القضاء على أكبر عدد ممكن من أعدائه الحقيقيين أو الافتراضيين. الموت، قتلا لآخر، أو استقتالا، هو المشترك بين كل أشكال التعصب.

أما الشكلُ الثاني من التعصب، الأفظع والأكره، فالتعصب العنصري. أن يَفخر المرءُ بمَحتِدِه، وبثقافته، أمر مشروع. خلافُ ذلك كرهٌ للنفسِ مرذول. أمّا أن يحمل المرء هذا الشعور شبه البيولوجي على محمل التفوق العرقي، والاصطفاء الإلهي أو الطبيعي، فهذا أيضا تحريف لنزعة طبيعية. يمكن اعتبار العنصرية بابا من أبواب القومية، من حيث إنها تضيف إلى الحجة الثقافية التي تتأسس عليها القومية حججا أخرى، وهذا شأن العنصرية على نحو ما وضعها النازيون موضع التطبيق، حيث إنها نتاج الإيديولوجيا العلموية والعلوم الطبيعية التي زعموا الغرف من معينها.

لقد ذهب النازيون - كما هو معروف - بهذه الإيديولوجيا إلى حدودها القصوي، حيث قضى مشروعهم المعلن بأن يخضعوا أوروبا لسلطان عرق من السادة، عرقهم، وذلك بعد تطهيرها من الشعوب الدنيا التي تلوثها، وفي الطليعة من هذه الشعوب اليهود والغجر، وبناء على ما افترضه النازيون حتمية بيولوجية، فلقد كان من منطق الأمور، مثلاً، أن يحكموا بأن الحياة لا تليق بالمواليد ذوي العاهات التكوينية.

الشكل الثالث من التعصب هو التعصب القائم على الإيديولوجيا التوتاليتارية، وأبلغ مثالٍ عليه هو الشيوعية. الشيوعية، في مبتدئها فكرة جميلة تدعو إلى عالم تسوده العدالة والأخوة ولا محل فيه لأن يستغل إنسان إنساناً آخر وهكذا. كيف السبيل إلى ذلك؟ أبالنضال التدريجي الدؤوب ضد الظلم، وبمراكمة الإصلاحات مع تقديم التنازلات عندما يقتضي الأمر ذلك؟ أم بقلب الأمور رأساً على عقب من طريق حرب أهلية تسمي "ثورة"، وتكون أشبه بمعمودية دم لهذا العالم المرجو جديداً؟ بلا تردد اختارت الإيديولوجيا الشيوعية الطريق الثانية، مسفهة طريق الإصلاح، ناعتةً إياها بالوهم الخادع، من ثم قضى "الثوريون" بأن نهاية كل من تجرأ وخالف على هذا الخيار هي في "مزبلة" التاريخ.

لسوء الحظ، قلما كتب لوعود الأخوة أن تتحقق؛ بل الأغلب الأعم أن تحولت هذه الوعود إلى كوابيس من التعصب القاتل. فقهراً للواقع المعاند إنجاز هذه الوعود، لجأ اصحاب الإيمان الهاذي بـ "الغد السعيد" إلى أسوأ صنوف الانتهاكات، ولم يعد خافيا ما دفعته الشعوب التي فرض عليها أن تتكبد هذه الوعود من أثمانٍ باهظة.

الشكل الرابع من أشكال التعصب، حديث الساعة ولو أنه ذو نسب رفيع، هو التعصب الديني الذي ينزل منه التعصب الإسلامي، اليوم، منزلة المثال البليغ. شأن ما سبق وصفه من أشكال التعصب، فإن المبتدأ من التعصب الديني شعورٌ لا غبار عليه هو الشعور الديني. ففي هذا العالم، الذي يشعر الإنسان بالوضاعة قياسا بوساعته، وبين يدي المصير المحتوم المكتوب علي بني البشر، اتخذ الإنسان، من الشعور الديني سبباً للكون ومعنيً لحياته، يستدرك به على ما تصدعه تصاريف الحياة مما يفترضه وحدة أصلية لكيانه.

بهذا المعني، فإن الشعور الديني هو حيلة البشر كلما أعيتهم الحيلة. إن الخلط بين الشعور الديني الفطري والتعصب الديني دليل على بؤس فكري لا شك فيه، حيث إن هذا الخلط يسقط المواقف المشهودة للكبار من مفكري القرن العشرين الدينيين من التوتاليتارية بشتي أشكالها. إن هذا الخلط يسقط أيضا من الحسبان أن هؤلاء المفكرين هم في الطليعة ممن شجب التعصب الديني بوصفه تحريفا للإيمان وتسفيها له وأقول قولي هذا ويسرع إلي خاطري أسم إيشعيو ليبوفبتس والقس مارتن لوثر كينغ.

أضف إلى ما تقدم أن هذا الخلط يسقط من الاعتبار أيضا أن الدين ليس بالضرورة شرط التعصب، وأن الملايين من البشر قتلوا تحت رايات الإلحاد التي رفعتها التوتاليتارية الستالينية. على أنه لا بد من التسليم بأن الشعور الديني، لا سيما في صيغته التوحيدية، على مدى التاريخ حتي يومنا، كثيراً ما تعرض للتحريف، فكان من شأن هذا التحريف أن شهد العالم بعض أفتك نوبات القتل طرا.

ويؤكد حداد أنه بخلاف التعصب القومي والعنصري والإيديولوجي التوتاليتاري، يمتاز التعصب الديني بتصديه المباشر لمحل المرأة ومرتبتها في المجتمع، واستطرادًا للمسائل الجنسية، فالتعصب الإسلامي والمسيحي واليهودي يلزم النساء، في الحد الأدني بالتزام زي محتشم، وفي الحد الأقصي يسعى إلى إقصائهن من الفضاء العام. فالإثارة الجنسية التي ينسبها هذا التعصب إلى النساء مجلبة رجس ودنس، بل إنها عمل من أعمال الشيطان.

مقول القول إن كل تعصب ينزع إلى هذا الوهم الذي هو "الثورة"- سواء كانت ثورة قومية أو عرقية أو طبقية أو دينية، وهذا النزوع، في رفضه التحسين التدريجي لمجتمعات هي أصلا بعض من عالم متحرك بلا كلالة، وفي تبنيه لفكرة قلب الأمور رأسا علي عقب – مقول القول إن التعصب، كل تعصب بلا استثناء، إنما هو دعوة لا تكاد تتوارى إلى الحرب الأهلية، وإن المهدوية، أي المشروع الرامي إلى إنشاء عالم مثالي على أكوام من الجماجم، هو الطيف الملم بكل أشكال التعصب.

إن القناعات التي يتأسس التعصب عليها قناعات تستعصي على العقل، ومن ثم فعبثا يحاول المرء أن يبدل من رأي متعصب مقتنع بأن التجانس الوطني أو الديني أو العرقي هو الكفيل بإيجاد حلول لكل المشكلات الاقتصادية والتوترات الاجتماعية التي ترافق الاختلاط الديني والعرقي.

ويخلص حداد إلى أنه "لا غلبة على التعصب متى ما اشتد عوده في مكان ما وتمكن إلا بالحرب. أما المتعصبون الأفراد سواء تعصبوا لدين أو عرق أو قضية، فهيهات أن يخلو العالم منهم، فإنما التعصب مرض عضال من الأمراض التي تصيب النفس البشرية، ومن حيث إنه كذلك فمداواته والإبلال منه ليسا بالأمر الميسور".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
القاهرة منتصف القرن التاسع عشر في عيون إدوارد وليم لين
2017-09-22
النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا
2017-09-21
غيث البطيخي يتساءل: كيف يدّعون الإيمان ويَقتلون؟
2017-09-20
محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي
2017-09-19
تعزيز صناعة الكتاب في الإمارات على طاولة الوطني للإعلام وجمعية الناشرين
2017-09-18
'في غرفة العنكبوت' محاولة لكتابة قصة حب بين ذكرين
2017-09-17
سمير غطاس يؤكد أن هناك علاقات وطيدة بين الجماعات الموجودة في غزة وسيناء
2017-09-15
'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل
2017-09-15
'الشارقة الدولي للكتاب' يستعد لدورته الجديدة
2017-09-14
مكتبة الاسكندرية تفتتح مؤتمر 'مستقبل القوى الناعمة المصرية'
2017-09-13
المزيد

 
>>