First Published: 2017-06-06

أبعد من تفاحة نيوتن

 

كان نيوتن مقتنعا بأن أنبياء الزمن القديم يعلنون عن نبوءاتهم بلغة رمزية، وما علينا إلا أن نتعلم كيف فك رموز النبوءات بشكل صحيح لكي نعرف المستقبل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

خصص كل وقته لتحفيز ملكاته وتركيز انتباهه

ينتهي هذا الكتاب “نيوتن أو انتصار الخيمياء” لمؤلفه جال بول أوفري بوقت طباعة نيوتن لكتابه الثالث المبادئ، ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى التقى صدفة بطالب في الشارع وسمعه يقول لزملائه “هذا الرجل الذي ألف كتابا لا يفهمه هو نفسه ولا يفهمه غيره” وتلكم ملاحظة وجيهة حسب أوفري لأن نيوتن تعمد أن يجعل نص المبادئ مستغلقا على الفهم لأنه يكره النقاشات ويتفادى الرياضيين الصغار!

حين جلس يوما شارد الذهن تحت شجرة التفاح، كما تقول الحكاية، وينبغي الحفاظ عليها بنوع من الخشوع، لأنها أصبحت أسطورية، بالرغم من الموقف المتشكك للفيزيائي الفرنسي لوب فيرليت الشارح المتميز لأعمال نيوتن، فإن ما نقلته الحكاية وقع على الأرجح، لكن فيرليت سيؤكد على العكس من ذلك بأن نيوتن أسس من بداية مساره العلمي بهذه الأسطورة التي سيدعمها في شيخوخته، فتوصل إلى طريقة التفاضل وتمكن من وضع نظرية الألوان وبعدها إلى طريقة التفاضل العكسية، وفي السنة نفسها بدأ التفكير في امتداد الجاذبية إلى مدار القمر، لأنه كان في عنفوان شبابه وكان يفكر في الرياضيات والفلسفة أكثر من أي وقت مضى، فخصص كل وقته لتحفيز ملكاته وتركيز انتباهه بعد أن خفف من كمية طعامه واكتفى بكمية قليلة من الخبز مع شيء من النبيذ، وقد سجل أحد مساعديه وقتها كيف أن الدخان والروائح المنبعثة من الأفران قد حولت لون شعر نيوتن إلى رمادي! وكان هذا الأخير يقابل ذلك بسخرية قائلا “إن لون شعري أصبح فضيا لامعا” ذلك أن هيئته أصبحت تشبه تدريجيا هيئة خيميائي أسطوري!

نكتشف في هذا الكتاب الذي ترجمه ببراعة فائقة عزالدين الخطابي وصدر عن مشروع كلمة في أبوظبي، كيف تم رسم الحدود الفاصلة بين معسكرين، فمن جهة، يوجد “الملحدون” الثلاثة بالقارة الأوروبية، وهم غاليلي وديكارت وهيغنز، وهم يدافعون عن نسبية الحركة، ومن جهة أخرى، يوجد حكماء إنكلترا الثلاثة وهم باور ومور ونيوتن الذين يدافعون عن المكان والزمان والحركة المطلقة.

عندما يثار الجدل حول أولوية الاكتشاف بين نيوتن وعالم آخر يثار معه سؤال عما إذا كان الله يسمح لكائنين من رعاياه، مستقل أحدهما عن الآخرـ بالقيام بالاكتشاف نفسه؟ يبدو ذلك غير ممكن في نظر نيوتن. وبالفعل شكل الارتياب والحذر طبيعة ثانية لدى نيوتن، إلى درجة رفض رعاية الجمعيات آنذاك، ورد على إحدى الرسائل التي أرادت تبني اختراعا له “شكرا لكم، الله يحميني، وهو أول من أراد أن أقوم بهذا الاختراع قبل الآخرين، وأنا لا أحتاج إلى رعايتكم!”.

كيفما كان الحال، فهناك أمر لا يعتريه الشك حسب نيوتن، وهو “أن من أهداف التأسيس الأولي للدين الحقيقي، دعوة البشر إلى دراسة تكوين العالم باعتباره المعبد الحقيقي للإله الأكبر المعبود، وبالتالي كان الدين البدائي، من أكثر الأديان عقلانية، قبل أن تفسده الأمم”.

كان نيوتن مقتنعا بأن أنبياء الزمن القديم يعلنون عن نبوءاتهم بلغة رمزية، وما علينا إلا أن نتعلم كيف فك رموز النبوءات بشكل صحيح لكي نعرف المستقبل.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عبث إخباري
2017-12-10
زهايمر متعمد
2017-12-05
مليون دولار من أجل حرية الصحافة
2017-12-03
رجال دين ببدلة الأفندية
2017-11-28
الإعلام القديم يترقب ما بعد الرقمية
2017-11-26
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
المزيد

 
>>