First Published: 2017-06-08

رامي أبوشهاب: الوظيفة النقدية لدى الناقد العربي ما تزال ملتبسة

 

الناقد الأردني يؤكد أن تيارات النقد الماركسي والنفسي والوجودي والنقد الجديد، والأسطوري، لم تعد مؤثرة، على الرغم من أنها ما زالت مستمرة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

لدينا مشكلة بالعملية النقدية التي باتت مأزومة، وفارغة وهلامية

يأتي كتاب "الرّسيس والمخاتلة: خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر" للناقد والشاعر د. رامي أبو شهاب، والفائز بجائزة الشيخ زايد العام قبل الماضي نتيجة حالة من القلق، والوعي بالمشهد النقدي العربي المعاصر، ومحاولة التّصدي لقضية، واتجاه نقدي يتطلب الذهاب بعيداً بالبحث، والقراءة والتأمل بهدف الخروج بتصور نقدي يمكن أن يفيد منه النقد العربي؛ ومن هنا فقد كان القلق والسعي للخروج بما هو حقيقي بعيداً عن الاستهلاك النقدي، والتكرار، والإيغال بالمصطلحات التقنية، واللغة التجريدية، والتمحور حول اللاقضية، واللاموضوع هاجساً لتحقيق الهدف المتوخى، والخروج بقيم نقدية، وتصورات يمكن الإفادة منها.

أبو شهاب صدر له "بناء الشخصية الرمزية في الرواية العربية في الأردن"، و"في الممر الأخير – سردية الشتات الفلسطيني؛ منظور ما بعد كولونيالي"، بالإضافة إلى مجموعة شعرية بعنوان "عدت يا سادتي بعد موت قصير"، وكذلك عدد من الدراسات والبحوث والمقالات التي نشرت في عدد من المجلات العلمية والثقافية، بالإضافة إلى مشاركته في عدد الندوات والمؤتمرات، وتتحدد دائرة الباحث بالعناية بالأدب والمناهج النقدية، ونظرية الخطاب، والدراسات الكولونيالية، والثقافية بشكل عام.

وأبو شهاب حاصل على ماجستير الأدب والنقد الحديث بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف من الجامعة الهاشمية بالأردن، وكذلك الدكتوراه بالأدب والنقد الحديث بتقدير امتياز من معهد البحوث والدراسات العربية.

وفي حوارنا مع د. أبوشهاب طرحنا عددا من القضايا المهمة حول النقد العربي في راهنه الآني.

رأى د. أبوشهاب أن أهمية كتابه تأتي من أنه انشغل بالاستعمار، وتداعياته على الثقافة العربية من منطلق عمق التجربة ومرارتها، وعلى الرغم من بروز تيار نقدي إلا إن النقد العربي لم يتمثله كما ينبغي، ولم يسع لتطويره باتجاهات تتسق والخصوصية العربية، وكثافة التجربة الاستعمارية التي مازالت تصوغ واقعنا، ومستقبلنا. فكثير من آدابنا تشكلت في سياق الحقبة الاستعمارية، ومع أن الاستعمار قد تلاشى عن الجغرافيات العربية ظاهرياً، ولكن ذلك لم يخلُ من تداعيات وأنماط جديدة من الاستعمار المخاتل، ناهيك عن وجود الاستيطان الكولونيالي في فلسطين.

وأخال أن تجربة بهذا الحجم، وهذا التعقيد لم تختبر نقدياً عبر المنظور الكولونيالي فيما يتصل بالنصوص العربية، ونصوص المستعمِر الغربي. كل ما سبق شكل لي دافعاً للتنبه لهذه القضية، والعمل على خلق تصورات نقدية، وهذا تطلب جهداً تمثل بالاجتهاد لوضع المسالك النقدية، وخلق رؤى وتصورات، ومفاهيم جديدة، علاوة على محاولة تحليل ممارسات، وتوجهات نقدية صدرت عن نقاد عرب، وهي في معظمها مختلفة ومتابينة؛ ولهذا فإن الكتاب هو حالة، ومنظور نقدي، وربما هنالك آراء وتصورات أخرى، وهو ما يفتح المجال لمقاربات جديدة يمكن أن تضاف إلى عملي الذي لم يكتمل إلى الآن. وبعون الله وتوفيقه أرجو أن أتمكن من المضي بهذه التوجه النقدي الذي شرعت به.

وحول رؤيته للحركة النقدية العربية في لحظتها الراهنة مشكلاتها وأبرز الحلول قال "النقد العربي شاسع، وممتد، ومتباين الاتجاهات والمدراس، وهو كذلك يصدر عن جغرافيات متعددة، فالنقد في المغرب العربي له لغة خاصة به، أو لنقل مقاربة. وهنالك النقد في المشرق العربي، والخليج، وهنالك كذلك النقاد العرب في الغرب، ومع أن السياق الذي يجعهم واحد، أي الثقافة العربية إلا إن هنالك منظورات، وتصورات، كونها تصدر عن حالة فهم خاصة لتيارات النقد التي نتأثر بها، وهي في معظمها غربية كالبنيوية، وما بعد البنيوية، والسيميائية، ونظرية التلقي، والتاريخانية الجديدة، والنقد الثقافي... الخ.

غير أن الإشكالية تكمن في ذلك البتر، والاقتلاع عن السياقات التي أنشأت تلك التيارات. فالنقد بوصفه فعلاً تأثرياً بالفلسفات والأزمات التي عبرت الغرب، ومع دعوتي للمثاقفة والاستفادة، ولكن المبالغة باستلهام الفضاءات، ولي عنق النقد كي يستجيب للقيم النقدية المستجلبة، يبدو ضرباً من التيه الذي تسبب بتغريب النقد عن سياقاته الأصلية، والمتلقي. فالعناية المفرطة بالقيم الإبستمولوجية، تطوح بقدرة النقد على أن يكون فعلاً لفهم النص بما ينطوي عليه من رؤية للعالم، كوننا قد بتنا نرتهن للسياقات التي نشأ فيها".

• المنصات النقدية مسكونة وعالقة

وأضاف د. أبوشهاب "إن مشكلة النقد العربي تكمن بعدم اتضاح الوظيفة النقدية التي ما تزال ملتبسة إلى الآن. فالمنصات النقدية مسكونة، أو عالقة بثنائية الإيديولوجية والأنساق المجردة، بينما نتناسى بأن النقد هو أفق ورؤية لفهم العالم من خلال النص، إنها عملية تعيد تشكيل فهمنا للعالم بواسطة النص، بكل ما يحتمله من قيم جمالية، ومحمولات فكرية، وشذوذية، بل وحمقه، وجنونه، ولكن بشرط أن يتصل بسياقنا، وهنا أحيل إلى كتاب" الأدب في خطر" لتودوروف" الذي أدرك أن الأنساق التجريدية التي أمضى زمنا بالانشغال بها، بدت وكأنها قد استنفذت، فإذا كان إدوارد سعيد قد دعا إلى دنيوية النص، وعلى ما يبدو فإن النقد يحتاج إلى أن يكون دنيوياً، ولكن دون الاتكاء المفرط، أو لنقل بالولوغ بالإيديولوجيات بحيث يتحول النقد إلى أداة".

وأوضح إن "من أبرز مشاكل النقد العربي صعوبة تبلور منهج نقدي مؤثر، إلا إذا استثنينا البنيوية، إذ لا توجد تقاليد لاتجاهات نقدية يمكن أن تصمد، وأن تبقى قائمة ضمن فلسفة التجاور، فتيارات النقد الماركسي والنفسي والوجودي والنقد الجديد، والأسطوري، لم تعد مؤثرة، على الرغم من أن هذه التيارات ما زالت مستمرة، وتشهد تحولات تتصل بتبدلات العصر، ولكنها في النقد العربي تلاشى حضورها بغياب روادها، فنحن لا نعترف بمشروع متكامل، فالأشياء تبقى عالقة ومبتورة، ناهيك عن إشكاليات تتصل بالمصطلح، ومستويات اللغة النقدية التي باتت عبارة عن أنساق من الزاد اللغوي المراوغ لكون الرؤية، والوعي بالأسس المنهجية مبتور، أو مشوش، وهذا نتيجة عدم النضج الكافي لتقديم مقاربة نقدية جلية.

وهذا ربما يتصل بفوضى الكتابة عامة، وإشكالية الترجمة، وبروز الكتابة الرقمية، فيكفي أن تمتلك جهاز حاسوب متصل بالشبكة الرقمية لتتحول إلى أديب أو ناقد، أو ربما يكفي أن تعرف عدداً من المصطلحات، وأن تنحت كلمات جديدة، وأن تغرق القارئ بعاصفة من المصطلحات الفاقدة لأي ترابط منهجي، أو منطقي.

أعتقد أنه لدينا مشكلة بالعملية النقدية التي باتت مأزومة، وفارغة وهلامية نظراً، لعدم وجود رؤية، واضحة، ولذلك أقول إنني ما زلت باحثاً في النقد، فالناقد من يمتلك مشروعاً نقدياً متكاملاً، وهذا لا يتحقق إلا بسنوات طويلة من العمل والكتابة التي تفضي إلى تحول وتأثير حضاري".

• أزمة حضارية بين النقدين الغربي والعربي

وأكد أبوشهاب أن أزمة العلاقة بين النقد العربي والنقد الغربي تتجاوز مسألة التبعية، فهي أقرب ما تكون أزمة حضارية، فنحن مسكونون بالآخر الغربي، وما النقد سوى جزء يسير من منظومة متكاملة يصوغها الآخر الغربي، ومع ذلك فإن مركزية النقد الغربي باتت موضع تساؤل، فالنقد حالياً لم يعد غربياً خالصاً، فهو ربما يصدر عن، أو في الغرب "جغرافياً" ولكن الرؤى باتت متعددة، وهنا تكمن أهمية نقد ما بعد الكولونيالية الذي هو عبارة عن مشروع هجين، نشأ على يد إدوارد سعيد، بمساهمة نقاد وكتاب من إفريقيا، والهند، وباكستان، وكذلك من الغرب، فالقيمة تكمن في المنظور، وليس باللغة التي يصدر بها، وكي لا يبقى النقد أسير ثقافات أخرى، مع أن العالم بات أقرب إلى التجانس في ظل هيمنة الصورة، والواقع الافتراضي، والكتابة الرقمية باختلاف أشكالها، غير أن لدينا حالة خاصة، تتمثل بالصراعات الأيدولوجية، والثورات العربية، وأزمتنا الحضارية، بما فيها من قضايا الديمقراطيات والحريات، ناهيك عن أزماتنا الاجتماعية والاقتصادية.. الخ.

كل ذلك يشي بخصوصية المزاج العربي، وهنا تبدو المشكلة في دائرة الإبداع، وكيفية التعبير عن هذا التنافر، فنحن نعيش عصر تحولات، وانهيار ما كان سائداً من قيم، ومنها أنماط التذوق للنصوص، ومقصديات النص، كل ذلك يلقي بظلاله على المشهد الثقافي عامة، فمعظم الأعمال التي تلقى رواجاً من قبل القراء لا تمتلك مواصفات فنية، أو قيم كبرى، ومحورية، إلا أنها تتصل بالتعبير عن قيم سطحية، تتصل بالفرد العربي وأزمته، في السعي لتمثل ماديات، وقيم استهلاكية، وتسارعات رقمية، أو السعي لقيم الحرية بمعناها الاختزالي الساذج، مع أن مشاكلنا كبيرة، غير أننا بتنا أقرب للبساطة في التفكير، واختزال المشاكل، ونتيجة لهذا فإن معظم الأعمال الأدبية التي تحوز قرائية، تتسم بانزلاقها نحو التسطيح، مما يعني بأننا نعيش أزمة عميقة، فالمتلقي حالياً لم يعد ذلك الذي كان يبحث عن رواية، أو قصيدة انتقادية محظورة، أو نص يعيد الأنا الجمعية المتشظية، إذ لم يعد هنالك من شيء محظور، والكل بات قادراً على الاحتجاج، ناهيك عن أن الرؤى الكبرى، لم تعد ذات أهمية في عصرنا الذي بات يكتفي بتغريدة، أو تويت فقط.

• بين الشعر والنقد

وردا على تساؤل بشأن جمعه بين الشعر والنقد أشار د. أبوشهاب إلى أن النص الإبداعي هو النص الأقدر على البقاء والديمومة والخلود، وقال "الكتابة النقدية أزاحت لذة الشعر لفترة من الزمن، خاصة في ظل انشغالي بكتاب الرسيس والمخاتلة، ومع ذلك فإنني لم أتوقف عن الكتابة، ولكن مفهومي عن الشعر ووظيفته باتا في طور المراجعة، وعلى الرغم من كل ذلك فإن إثم الشعر ما زال قائماً، فثمة مجموعة شعرية شبه مكتملة، وهي تنشغل بالإنسان الفلسطيني، وما يتصل به من أزمة التشظي الهوياتي، إلا إنها تحتاج إلى المزيد من العمل كونها خرجت مرة واحدة، وبسياق متصل، فهي أشبه بتقيؤ لغوي، اعتمل بداخلي لفترة من الزمن، ولعل هذا التشكيل المفاجئ، والحاد يدعوني للتمهل، وإعادة النظر بهذا العمل، ومناسبة نشره، مع الإشارة إلى أنه قدر صدر لي مجموعة شعرية بعنوان "عدت يا سادتي بعد موت قصير"، وهي مجموعة من قصائد النثر التي بدت حاملة لفضاءات متداخلة بين أقانيم الأنا، والمرأة، والوطن وشيء من الوجودية، وهي كذلك مسكونة بوعي الآخر، وإشكالية الشرق، فالتأمل بعنوان المجموعة يشي بأنه مستوحى من مفتتح العبارة التي ابتدأ بها الطيب صالح روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" وأعني "عدت يا سادتي بعد غيبة طويلة،" وأعتقد أنها تمتلك شيئاً خاصاً من ناحية تشكيلي الشعري، ورؤيتي لمفهوم الشعر ووظيفته، ومع ذلك فهنالك رغبة لاسترجاع بعض النصوص، وإعادة صوغها، ولكنها في تلك الفترة بدت لي منسجمة مع رؤيتي للعالم بيد أن العالم يتغير بأسرع مما نتوقع".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>